جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ لأول مرة يوجه مسؤولون ألمان، وعلى رأسهم الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، انتقادات غير مسبوقة للسياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب. شتاينماير حذر من انهيار القيم ومن تحول النظام العالمي إلى وكر لصوص تتحكم فيه القوى العظمى دون ضمير.
كيف يقرأ المراقبون في برلين هذه الانتقادات غير المسبوقة، وخاصة أنها جاءت من الرئيس الألماني؟
الرئيس الاتحادي فرانك فالتر شتاينماير، المعروف برزانته ولباقته الشديدتين، وجه انتقادات غير مسبوقة لسياسة الرئيس دونالد ترامب، ذهب فيها إلى التحذير من انهيار النظام العالمي ومنظومة القيم، وتحول العالم إلى وكر لصوص تتحكم فيه قوى عظمى دون ضمير، كما قال.
انتقادات الرئيس شتاينماير ركزت على العملية الأمريكية لاختطاف رئيس فنزويلا مادورو، وذكر أيضا بسيطرة روسيا قبل سنوات على شبه جزيرة القرم ومواصلة غزوها لأوكرانيا. هذه الانتقادات انضم إليها أيضا رئيس الحزب الاشتراكي ونائب المستشار ميرتس ووزير ماليته، ودعوا فيها إلى التضامن مع الدنمارك في مواجهة تهديدات ترامب بالسيطرة على غرينلاند.
يتعلق الأمر بسلسلة من الانتقادات الحادة لسياسة ترامب الخارجية، وتشير إلى منحى توتر في العلاقات بين الحليفين الأمريكي والألماني في وقت حساس جدا.
هل من تداعيات متوقعة على العلاقات الأمريكية الألمانية؟
الانتقادات الألمانية غير المسبوقة لسياسة الرئيس ترامب تشير إلى أزمة حقيقية في العلاقات الأطلسية، وليست مجرد استثناء. أزمة يمكن رصد تداعياتها على المستوى الشعبي أيضا، حيث تراجع مستوى ثقة الألمان في الولايات المتحدة كشريك إلى أدنى مستوى تاريخيا.
إذ يرى فقط خمسة عشر في المئة من الألمان أن واشنطن شريك موثوق، حسب أحدث استطلاع للرأي، مقابل 78 في المئة يعتبرون فرنسا شريكا جديرا بالثقة و74 في المئة بريطانيا. هذه الأزمة تأتي في وقت حساس من الصراع مع روسيا في أوكرانيا، وهو ما سيلقي بظلال من الشكوك على دور الوساطة الأمريكية المتعثرة أصلا.
المستشار الألماني ميرتس، الذي يعتبر صديقا مقربا للرئيس ترامب، قال مؤخرا إن على الأوروبيين الاستعداد لما وصفه بتحول جذري في العلاقات عبر الأطلسي، وذلك عقب إعلان إدارة ترامب استراتيجية الأمن القومي الجديدة، التي تضمنت توصيفاً لوضع الاتحاد الأوروبي بأنه يهدد مصالح أمريكية.
وزير الخارجية الفرنسي أيضا وجه انتقادات لا تقل حدة أبدا عن انتقادات الرئيس الألماني. ما هي خيارات برلين وشركائها الأوروبيين، وعلى رأسهم باريس، في ظل تصدع التحالف الأطلسي؟
بالفعل، في ظل التصدع الذي يخيم على حلف الأطلسي (الناتو) بسبب تراجع الثقة الألمانية والأوروبية في الشريك الأمريكي، يشكل التضامن الأوروبي وتعزيز اتجاه السياسة الدفاعية الأوروبية المستقلة عن الولايات المتحدة خيارا لا مناص منه، حسب ما يقول كبار المسؤولين الألمان والخبراء هنا في برلين.
ورغم استمرار حاجة الأوروبيين الماسة إلى الدعم الأمريكي في مواجهة التهديدات الروسية، فإن القلق الألماني والأوروبي المتنامي من مفاجآت سياسة الرئيس ترامب قد يعزز اتجاه بعض الدول الأوروبية إلى الدعوة لتدشين حوار مباشر مع روسيا، كما جاء أيضا على لسان الرئيس ماكرون، خصوصا أن الخطة الأمريكية حول أوكرانيا وصلت تقريبا إلى نفق مسدود. وبطبيعة الحال، فإن الرئيس بوتين سيكون المستفيد الأول من التحول في هذا الاتجاه.
يشير هذا المشهد السياسي المتوتر إلى أن انتقادات شتاينماير ومن معه لا تُقرأ فقط كـ«انفعال لغوي»، بل كإنذار استراتيجي بأن برلين لم تعد ترى في واشنطن شريكًا يمكن الركون إليه بلا تحفظ في إدارة النظام الدولي. فحين يصدر هذا الخطاب عن رئيس اتحادي معروف بالاعتدال والحذر، ويتقاطع مع مواقف قوى أساسية في الائتلاف الحاكم، فإن الرسالة إلى الداخل والخارج معًا هي أن ألمانيا بدأت تعيد تقييم موقعها داخل المنظومة الأطلسية، وأن الباب يُفتح تدريجيًا أمام مقاربة أوروبية أكثر استقلالية في الأمن والدفاع، مع ما يحمله ذلك من هوامش أوسع للمناورة بين واشنطن وموسكو.


