جريدة الحرة
خاص ـ جددت العاصمة الليتوانية فيلنيوس دعوتها إلى الحلفاء في منظمة حلف شمال الأطلسي لتقديم دعم عسكري عاجل، يتمثل في تعزيز قدرات الدفاع الجوي، وذلك على خلفية سلسلة من التوغلات الجوية التي قامت بها طائرات مسيّرة بدون طيارداخل المجال الجوي الليتواني، ويُشتبه على نطاق واسع بأنها طائرات روسية تهدف إلى جمع المعلومات أو اختبار القدرات الدفاعية لدول البلطيق.
وفي أحدث التطورات، أعلن وزير الدفاع الليتواني، كيستوتيس بودريس، عبر منشور له على منصة X في السادس من أغسطس 2025: “أن طائرة روسية مسيرة انتهكت المجال الجوي لليتوانيا في وقت سابق من يوليو 2025”. ولفت إلى أن هذا التوغل يُعد الحادث الثاني من نوعه خلال أقل من شهر، وهو ما يثير قلق السلطات في البلاد، خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية مع موسكو.
ما زاد من حدة المخاوف هو ما كشف عنه الجيش الليتواني في الأول من أغسطس 2025، حين عثر على ما يُعتقد أنه طائرة مسيرة روسية داخل قاعدة تدريب عسكرية. وأشار المسؤولون إلى أن هذا الحادث جاء بعد أيام فقط من حادث مماثل، ما يعكس نمطًا مقلقًا من التكرار والتصعيد.
تعزيز الدفاع الجوي في ليتوانيا
أمام هذه التطورات الميدانية، أرسل وزير الدفاع الليتواني بودريس، إلى جانب وزير الخارجية، رسالة رسمية إلى الأمين العام الجديد لحلف الناتو، مارك روته، يطالبان فيها باتخاذ “تدابير فورية” لتعزيز الدفاع الجوي في ليتوانيا. كما شددا على ضرورة الإسراع في تنفيذ “نموذج الدفاع الجوي”، الذي سبق أن طرحته دول البلطيق في إطار مقترحاتها الأمنية داخل الحلف.
ويُعيد هذا الطلب الجهود السابقة التي بذلتها دول البلطيق، ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، في السنوات الأخيرة، وخاصة منذ حرب أوكرانيا في فبراير 2022. ففي تقرير تم نشره في العام 2023، كانت دول البلطيق قد أعربت مرارًا عن حاجتها إلى نموذج أكثر استدامة وانتظامًا لنشر أنظمة الدفاع الجوي التابعة للناتو، بدلاً من الاعتماد على دعم متقطع أو استجابات مرتجلة لا تُلبي احتياجاتها الأمنية المتزايدة.
يأتي هذا في وقت تسعى فيه دول البلطيق لتعزيز جاهزيتها الدفاعية، باعتبارها الخط الأمامي لحلف شمال الأطلسي على الحدود الشرقية، حيث تتاخم ليتوانيا منطقة كالينينغراد الروسية، وهي منطقة شديدة التحصين عسكريًا وتضم قدرات هجومية روسية متقدمة، بما في ذلك صواريخ إسكندر الباليستية. كما تحدّ ليتوانيا دولة بيلاروسيا الحليفة الوثيقة لموسكو، ما يجعلها عرضة للتحديات الأمنية من جبهتين.
الفجوات في القدرات الدفاعية لا تزال قائمة
رغم الوعود الغربية بتعزيز قدرات الردع في المنطقة، إلا أن الفجوات في القدرات الدفاعية لا تزال قائمة. فحتى الآن، وعلى الرغم من الجهود الألمانية التي تمثلت في إرسال بطاريات من نظام الدفاع الجوي “باتريوت” إلى ليتوانيا، لم تُحدد فيلنيوس بعد جدولًا زمنيًا واضحًا للجاهزية التشغيلية الكاملة لهذه المنظومات.
تجدر الإشارة إلى أن أنظمة الدفاع الجوي تُعد من أكثر المنظومات الدفاعية تعقيدًا وكُلفةً في العالم. فبطارية واحدة من نظام باتريوت الأمريكي قد تُكلف نحو مليار دولار، بينما يبلغ سعر الصاروخ الواحد حوالي 4 ملايين دولار. أضف إلى ذلك أن التسليم والتشغيل الكامل لهذه الأنظمة يتطلب سنوات من الإعداد، والتدريب، والتكامل مع أنظمة القيادة والسيطرة الأخرى.
في سياق متصل، صرّح أندريس سبرودس، وزير الدفاع في دولة لاتفيا المجاورة: “أن الوقت قد حان لتوسيع نطاق عمليات الشرطة الجوية التابعة للناتو في دول البلطيق لتشمل رصد الطائرات المسيّرة، إلى جانب الطائرات التقليدية”. وأضاف أندريس سبرودس: “أن التطورات الأخيرة تفرض تحديث آليات الدفاع والمراقبة الجوية بما يتماشى مع التهديدات الحديثة”.
ومن المعروف أن الطائرات المسيّرة أصبحت مكونًا أساسيًا في الحروب المعاصرة، خاصة منذ بداية حرب أوكرانيا في 2022. وقد أظهرت تلك الحرب أن الطائرات بدون طيار تُستخدم ليس فقط في مهام الاستطلاع وجمع المعلومات، بل أيضًا في تنفيذ هجمات دقيقة واستنزاف القدرات الدفاعية للخصم.
اختراق الطائرات بدون طيار للمجال الجوي الليتواني يُمثل تحديًا للناتو
إن استمرار اختراق الطائرات الروسية بدون طيار للمجال الجوي الليتواني يُمثل تحديًا واضحًا للسيادة الوطنية، وتهديدًا لأمن الناتو ككل، باعتبار أن أي اعتداء على أراضي دولة عضو في الحلف قد يُفعّل المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تنص على أن الهجوم على دولة واحدة هو هجوم على جميع الدول الأعضاء. ويبدو أن فيلنيوس تُراهن الآن على أن يُسهم تجدد الدعوة، وتكرار الحوادث، في تسريع الاستجابة الغربية، وتحويل الوعود الدفاعية إلى واقع ميداني ملموس قبل أن تتصاعد التهديدات أكثر.


