جريدة الحرة بيروت
خاص ـ في سياق النقاش الدائر حول احتمالية نقص الوقود في ألمانيا، أعلن مجلس الأمن القومي أن الوضع مستقرٌا في الوقت الراهن. فلا توجد حالة طوارئ؛ إذ إن إمدادات الكيروسين، على وجه الخصوص، كافية “للمستقبل المنظور”، وفقًا لممثلين عن الحكومة الاتحادية والولايات والسلطات الأمنية، الذين حضروا اجتماع المجلس.
علاوة على ذلك، توجد “خيارات تكرير” تضمن استجابة سريعة لأي نقص محتمل. ويتعين على وزراء الدولة مراقبة الوضع عن كثب، مع ذلك، فهم يدركون “الوضع المتوتر” وسيواصلون مراقبته باهنام أكبر. ولهذا الغرض، سيتم ترقية “فريق عمل إمدادات الطاقة” الحالي إلى لجنة من وكلاء الوزارات، ويضم فريق العمل ممثلين دائمين من المستشارية الاتحادية، ووزارات الاقتصاد والمالية والخارجية، والوكالة الاتحادية للشبكات.
إجراء بشأن “الأسطول الروسي الخفي”
قرر مجلس الأمن القومي اتخاذ إجراء غامضًا بشأن “الأسطول الروسي الخفي”. ويشير هذا المصطلح إلى ناقلات النفط وسفن الشحن التي تستخدمها روسيا للالتفاف على العقوبات، على سبيل المثال، المفروضة على نقل النفط. ونظرًا لتشديد الرقابة من قبل دول أخرى على بحر البلطيق، مثل السويد، فإن هذه السفن تعمل بشكل متزايد في المياه الإقليمية الألمانية.
صعد خفر السواحل السويدي على متن عدة سفن مشبوهة ومنعها من مواصلة رحلتها. ترسو سفينتان من هذه السفن قبالة الساحل الجنوبي للسويد. وصرح متحدث باسم خفر السواحل لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) بأن نجاح العملية لا يزال غير مؤكد. وقد لوحظ أن بعض السفن المشتبه بانتمائها إلى الأسطول الخفي تتجه نحو الجنوب، ولكن لا يمكن استخلاص أي نمط محدد.
حذر الاتحاد الأوروبي من إمكانية استخدام سفن الأسطول الخفي كمنصات لإطلاق طائرات مسيرة لأغراض التشويش أو التجسس. ولم يتم الكشف عن تفاصيل الإجراءات المتخذة ضد الأسطول في المياه الإقليمية الألمانية لأسباب أمنية واستراتيجية، إذ إن الإعلان عن هذه الإجراءات من شأنه أن يتيح للسفن الاستعداد وفقًا لذلك.
قلق الحكومة الفيدرالية بشأن أمن إمدادات الطاقة
أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرز من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU بشكل مفاجئ عن اجتماع مجلس الأمن القومي خلال أبريل 2026 في معرض هانوفر التجاري. وكانت هذه خطوة غير مألوفة، إذ يعقد المجلس اجتماعاته في سرية تامة. ويبدو أن المستشار أراد من خلال إعلانه الإشارة إلى قلق الحكومة الفيدرالية بشأن أمن إمدادات الطاقة.
أدت حرب إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة. وينصب التركيز على منع حدوث نقص في الإمدادات. أكد ميرز قبل الاجتماع: “هدفنا واضح: يجب أن تتمكن الشركات والمواطنون الألمان من الاعتماد على إمدادات آمنة من المنتجات الأساسية مثل الديزل والبنزين ووقود الطائرات”.
التزم ميرز الصمت بشأن التدابير المضادة المحتملة في حال حدوث نقص. وصرح خلال ابريل 2026: “لا يزال من غير الواضح ما هي التدابير التي قد نقترحها بشكل مشترك”. وتراقب الحكومة الألمانية عن كثب تطورات الأسعار وتوافر الإمدادات في الأسواق منذ بداية حرب إيران. وأضاف: “إن الاستنتاجات التي سنتوصل إليها من هذا الأمر تعتمد بشكل كبير على كيفية تطور هذا الصراع أو نهايته”.
انتشار قوات الجيش الألماني في مضيق هرمز
خلال الاجتماع، أكد مجلس الأمن القومي مجددًا دعمه لعرض المستشار الألماني بمشاركة كاسحات الألغام وطائرات الاستطلاع في تأمين الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز في حال التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار في الحرب الإيرانية العراقية. كما تم التأكيد على الشروط اللازمة لذلك، وهي: إطار قانوني دولي متين، وتفويض من البرلمان الألماني (البوندستاغ)، ومفهوم عملياتي قوي.
كانت قد أنشأت حكومة الائتلاف اليميني الوسطي مجلس الأمن القومي العام 2025 لتمكين الاستجابة السريعة والفعالة للأزمات والتهديدات بجميع أنواعها. ويعقد المجلس اجتماعاته كل ستة أسابيع تقريبًا. إلى جانب أعضاء الحكومة الفيدرالية والسلطات الأمنية، شارك رؤساء وزراء الولايات في الاجتماع. كما دعا رؤساء وزراء الولايات المنتمون للحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD إلى عقد مؤتمر خاص لرؤساء وزراء الولايات لمناقشة أزمة الطاقة.
يبدو أن ملف أمن الطاقة في ألمانيا مرشح لمزيد من التعقيد خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التداخل بين العوامل الجيوسياسية والتحديات التقنية واللوجستية. ورغم تأكيد استقرار الإمدادات في الوقت الراهن، فإن استمرار التوترات الإقليمية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، قد يعيد طرح سيناريوهات اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع الأسعار بشكل مفاجئ.
من المرجح أن تدفع هذه التحديات الحكومة الألمانية إلى تسريع جهود تنويع مصادر الطاقة وتعزيز قدراتها التخزينية، إلى جانب تطوير آليات استجابة سريعة للأزمات. كما قد نشهد توسعًا في التنسيق الأوروبي المشترك، سواء على مستوى شراء الطاقة أو تأمين طرق النقل الحيوية، بما يقلل من الاعتماد على المسارات الحساسة جيوسياسيًا.
يطرح ملف “الأسطول الخفي” الروسي تحديًا أمنيًا متصاعدًا، إذ قد يتحول من مجرد أداة للالتفاف على العقوبات إلى عنصر ضغط جيوسياسي، خاصة إذا ثبت استخدامه في أنشطة استخباراتية أو عمليات تشويش. وهذا قد يدفع ألمانيا وشركاءها إلى تشديد الرقابة البحرية وتطوير أطر قانونية أكثر صرامة للتعامل مع هذه الظاهرة.
من المتوقع أن يتزايد الضغط السياسي على الحكومة لضمان استقرار الأسعار وحماية المستهلكين، ما قد يفرض تبني سياسات دعم أو تدخلات تنظيمية في السوق. وفي حال تفاقمت الأزمات، قد تعود النقاشات حول مزيج الطاقة، بما في ذلك دور الطاقة التقليدية، إلى الواجهة مجددًا.
تشير المؤشرات إلى أن ألمانيا تتجه نحو مرحلة تتطلب إدارة دقيقة للتوازن بين الأمن الطاقوي والاعتبارات الاقتصادية والبيئية، في ظل بيئة دولية غير مستقرة ومتغيرة باستمرار.


