الأكثر قراءة

أنواع الدبلوماسية الإلكترونية

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تتعدد أشكال الدبلوماسية الإلكترونية تبعًا لتطور استخدام التكنولوجيا في المجال الدبلوماسي، وقد ظهرت عدة مفاهيم تعكس هذا التحول، من أبرزها: الدبلوماسية الإلكترونية، الدبلوماسية الافتراضية، الدبلوماسية عبر الإنترنت، الدبلوماسية السيبرانية، الدبلوماسية التقنية، ودبلوماسية الزووم، وهي:

1-الدبلوماسية الإلكترونية (E-Diplomacy)

اكتسبت البادئة “e-” (اختصارًا لكلمة “إلكتروني”) أهمية كبيرة في المراحل الأولى من انتشار الإنترنت، خاصة في سياق “التجارة الإلكترونية”. وقد برز استخدامها في النقاشات السياسية العامة حول عام 2000، مثل أجندة لشبونة للاتحاد الأوروبي ومؤتمر القمة العالمي لمجتمع المعلومات. إلا أن هذا المصطلح تراجع تدريجيًا في السياسات العامة لصالح مصطلح “الرقمي”، الذي أصبح أكثر شمولًا ودقة في وصف التحولات التكنولوجية.

ورغم ذلك، ما تزال بعض التطبيقات الرقمية، مثل التجارة الإلكترونية، تحتفظ بأهميتها العملية، إذ تشير الإحصاءات الحديثة إلى ارتفاع كبير في استخدام الإنترنت في المعاملات التجارية داخل أوروبا، ما يعكس استمرار البعد الإلكتروني في الحياة الاقتصادية والدبلوماسية، وإن كان ضمن إطار المصطلح الأوسع “الرقمي”.

اكتسبت البادئة “e-” (اختصارًا لكلمة “إلكتروني”) أهمية كبيرة خلال المراحل الأولى لتسويق الإنترنت، ولا سيما مع مصطلح “التجارة الإلكترونية”. وبرزت هذه البادئة بشكل ملحوظ في مناقشات السياسات العامة حول عام 2000، مثل أجندة لشبونة للاتحاد الأوروبي ومؤتمر القمة العالمي لمجتمع المعلومات. ومع ذلك، فقد تراجع استخدامها بشكل ملحوظ في استراتيجيات السياسات العامة، إذ لم تعد الجهات الفاعلة الرئيسية، مثل الاتحاد الأوروبي، تعتمدها إلا في السياقات التجارية أو في سياسات تقليدية محددة.

بينما يظل مصطلح “التجارة الإلكترونية” ذا صلة فعلية؛ فقد بلغت نسبة الشركات الأوروبية التي تُجري مبيعات إلكترونية 23.8% في عام 2023، وبلغت نسبة مستخدمي الإنترنت الذين يقومون بعمليات شراء عبر الإنترنت 77% في عام 2024، إلا أن الاتحاد الأوروبي يفضل اليوم استخدام مصطلح “رقمي” عند الإشارة إلى المبادرات الاستراتيجية.

2- الدبلوماسية الافتراضية (Virtual Diplomacy)

يرتبط مفهوم “الافتراضي” بالطبيعة غير الملموسة للفضاء الرقمي، حيث يشير إلى بيئات رقمية محاكية للواقع. وقد فقد هذا المصطلح بعض حضوره في الخطاب السياسي بسبب غموضه، لكنه عاد للظهور مع تطور تقنيات الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR)، إضافة إلى توسع مفهوم الميتافيرس.

وتُستخدم الدبلوماسية الافتراضية اليوم في مجالات متعددة مثل بناء السلام، الدبلوماسية العامة، حقوق الإنسان، والحوكمة الرقمية، كما ظهرت مفاهيم مرتبطة بها مثل السفارات الافتراضية، التي تمثل منصات رقمية للتواصل الدبلوماسي، والعملات الافتراضية ومقدمي خدمات الأصول الرقمية.

يركز مصطلح “الافتراضي” على الطبيعة غير الملموسة للإنترنت، حيث يشير إلى وجود غير مادي أو محاكاة لواقع معين. هذا الغموض جعله أقل ملاءمة للخطاب السياسي الدقيق، مما أدى إلى تراجع استخدامه في السياسات العامة. ومع ذلك، أعاد ظهور التقنيات الغامرة مثل الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) الاهتمام بمصطلح “الافتراضي”، خاصة في سياقات بناء السلام والدبلوماسية. كما أعاد ظهور الميتافيرس التركيز على هذا المصطلح في مجالات حقوق الإنسان والحوكمة الرقمية. بالإضافة إلى ذلك، تستمر بعض المصطلحات المرتبطة بالافتراضي في الظهور، مثل العملة الافتراضية المرتبطة بالعملات المشفرة ومقدمي خدمات الأصول الافتراضية (VASPs)، والسفارات الافتراضية التي تمثل منصات رقمية للدبلوماسية العامة.

3-الدبلوماسية عبر الإنترنت (Online Diplomacy)

يرتبط هذا المفهوم بمصطلح “الشبكة” (Network)، الذي كان مستخدمًا في سياقات مبكرة، خاصة في النقاشات الألمانية حول “سياسة الشبكات”. وقد اكتسب أهمية متجددة مع الجدل حول حيادية الإنترنت، خصوصًا خلال اجتماع NETmundial عام 2014.

ويُستخدم هذا المصطلح اليوم بشكل أساسي في الأوساط التقنية، مثل فرقة عمل هندسة الإنترنت (IETF)، وهيئات تنظيم الاتصالات مثل FCC وBEREC، إضافة إلى منتدى حوكمة الإنترنت التابع للأمم المتحدة (IGF).

ومع ذلك، يُعد مصطلح “الشبكة” محدود الدقة خارج السياقات التقنية، مقارنة بمصطلح “الرقمي” الذي أصبح أكثر شمولًا في وصف التحولات في الاتصال والدبلوماسية الحديثة.

لقد ارتبط مصطلح “الشبكة”، اختصارًا لكلمة “network”، في البداية بسياقات ألمانية مبكرة، مثل ما كان يُعرف بـ”سياسة الشبكات”. ومع ظهور النقاش العالمي حول حيادية الإنترنت، التي تركز على المساواة في معاملة جميع بيانات الإنترنت، شهد هذا المصطلح تجددًا في الاهتمام. وكان لاجتماع NETmundial في البرازيل عام 2014 من أبرز المحطات التي ساهمت في تعزيز استخدام المصطلح لفترة محدودة.

في الوقت الحالي، يُستخدم مصطلح “الشبكة” بشكل رئيسي ضمن الأوساط التقنية، مثل فرقة عمل هندسة الإنترنت (IETF)، ويحتل مكانة مهمة في نقاشات حيادية الإنترنت التي تشمل هيئات مثل لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية (FCC) وهيئة منظمي الاتصالات الإلكترونية الأوروبية (BEREC). كما يظهر المصطلح بشكل بارز في مناقشات حوكمة الإنترنت، لا سيما ضمن منتدى حوكمة الإنترنت التابع للأمم المتحدة (IGF).

ومع ذلك، خارج هذه السياقات التقنية المحددة، يُعتبر مصطلح “الشبكة” عامًا إلى حد كبير، ويفتقر إلى الدقة مقارنةً بمصطلح “الرقمي” الأكثر شمولًا، الذي يشمل جميع الوسائل والأدوات الرقمية المستخدمة في الاتصال، الإعلام، والدبلوماسية الحديثة.

4-الدبلوماسية السيبرانية (Cyber Diplomacy)

يعود أصل مصطلح “سايبر” إلى المفاهيم اليونانية القديمة المرتبطة بالقيادة والتحكم، وبرز علميًا عبر أعمال نوربرت وينر في “السيبرنيتيكس”، ثم انتشر في الأدب التقني والخيال العلمي.

نشأت كلمة “سايبر” من الكلمة اليونانية القديمة “كوبرنيتس” التي تعني “الحاكم” أو “القيادة”، وأصبحت معروفة عالميًا من خلال كتاب “سايبرنيتكس” لنوربرت وينر، الذي أسس مفاهيم التحكم الآلي والتواصل في الأنظمة، وكذلك عبر الأدب العلمي مثل رواية “نيورومانسر” لويليام جيبسون التي تصور عوالم رقمية متقدمة.

ومع توسع الإنترنت في أواخر التسعينيات، أصبح المصطلح شائعًا في كلمات مثل الأمن السيبراني والثقافة السيبرانية، قبل أن يتراجع ثم يعاود الظهور بقوة بعد اتفاقية بودابست عام 2001 الخاصة بمكافحة الجرائم الإلكترونية.

مع طفرة الإنترنت في أواخر التسعينيات، أصبح مصطلح “السيبر” بادئة شائعة لمصطلحات الإنترنت، مثل “السيبرأمن” و”السيبرثقافة”، حيث أشارت إلى البعد الرقمي غير الملموس للفضاء الإلكتروني. شهد هذا المصطلح تراجعًا في الاستخدام في أوائل الألفية الثانية، لكنه انتعش مجددًا بعد اتفاقية بودابست لمكافحة الجرائم الإلكترونية عام 2001، التي وضعت أسس التعاون الدولي لمكافحة الهجمات الإلكترونية والجرائم الرقمية العابرة للحدود.

وتُعرّف الدبلوماسية السيبرانية بأنها إدارة العلاقات الدولية مع التركيز على الأمن الرقمي، وحماية الفضاء الإلكتروني، والتعاون الدولي لمكافحة الجرائم السيبرانية، إضافة إلى تعزيز الاستقرار في البيئة الرقمية، بما في ذلك الأبعاد الدفاعية والعسكرية.

تُعرّف الدبلوماسية السيبرانية اليوم بأنها ممارسة إدارة العلاقات الدولية والسياسات الخارجية مع التركيز على الأمن الرقمي وحماية الفضاء الإلكتروني. وتشمل مسؤولياتها تطوير استراتيجيات الأمن السيبراني، تنسيق التعاون الدولي لمواجهة الجرائم الإلكترونية، ووضع سياسات لتعزيز الاستقرار والأمن في الفضاء الرقمي. كما تبرز هذه الدبلوماسية في نقاشات الدفاع الوطني والاستراتيجيات العسكرية الرقمية، حيث تستخدم التقنيات الرقمية لتعزيز القدرة الدفاعية والتصدي للهجمات السيبرانية.

5-الدبلوماسية التقنية (Tech Diplomacy)

تركز الدبلوماسية التقنية على العلاقة بين الحكومات وقطاع التكنولوجيا الخاص، وخاصة الشركات متعددة الجنسيات، بهدف تنظيم السياسات الرقمية ودعم الابتكار.

تشير الدبلوماسية التقنية إلى تواصل الحكومات مع قطاع التكنولوجيا الخاص والمنظمات متعددة الجنسيات لمناقشة السياسات الرقمية، الابتكار التقني، والتقنيات الناشئة. وهي نوع من الدبلوماسية يركز على العلاقة بين السياسة والتكنولوجيا، ويهدف إلى بناء جسور بين القطاعين العام والخاص لتحقيق مصالح استراتيجية.

وقد ظهرت رسميًا عندما أنشأت الدنمارك عام 2017 أول منصب “سفير تقني” في وادي السيليكون لتعزيز التعاون مع شركات التكنولوجيا العالمية والمشاركة في صياغة السياسات الرقمية.

ابتكرت الدنمارك هذا المفهوم رسميًا عام 2017 عندما عينت أول سفير تقني لها في وادي السيليكون، بمهمة رئيسية تتمثل في تعزيز العلاقات مع شركات التكنولوجيا، والمشاركة في صياغة سياسات رقمية تؤثر على الابتكار والتجارة الإلكترونية، وضمان توافق السياسات المحلية مع المعايير العالمية.

وتشمل هذه الدبلوماسية قضايا مثل حوكمة الإنترنت، الذكاء الاصطناعي، الحوسبة السحابية، والعملات الرقمية، وتُعد أداة استراتيجية للدول التي تسعى إلى تعزيز موقعها في الاقتصاد الرقمي العالمي والحفاظ على قدرتها التنافسية.

يمتد مصطلح الدبلوماسية التقنية ليشمل قضايا الجغرافيا السياسية الرقمية، حوكمة الإنترنت، والمواءمة بين الابتكار التكنولوجي والمصالح الوطنية. ويُستخدم هذا النوع من الدبلوماسية لدراسة تأثير التقنيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي، الحوسبة السحابية، والعملات الرقمية على العلاقات الدولية، ويُعد أداة استراتيجية لدول تسعى للحفاظ على الريادة التكنولوجية والقدرة التنافسية في الاقتصاد الرقمي العالمي.

6- دبلوماسية الزووم (Zoom Diplomacy)

يشير مصطلح “دبلوماسية الزووم” إلى ممارسة الأنشطة الدبلوماسية والاجتماعات الرسمية عبر منصات الفيديو الرقمية، مثل Zoom، Microsoft Teams، Google Meet، وغيرها من أدوات التواصل عن بعد. وظهرت هذه الظاهرة بشكل واسع خلال جائحة كوفيد-19، عندما تعذر السفر الدولي وازدادت الحاجة للحفاظ على التواصل بين القادة والدبلوماسيين والمجتمع الدولي.

بالنهاية ، يتضح من استعراض أنواع الدبلوماسية الإلكترونية أن التطور التكنولوجي لم يقتصر على إدخال أدوات جديدة إلى الممارسة الدبلوماسية التقليدية، بل أسهم في إعادة تشكيل طبيعة العمل الدبلوماسي ووسائله ومجالاته والفاعلين المشاركين فيه. فقد انتقلت الدبلوماسية من الاعتماد بصورة أساسية على اللقاءات والاتصالات المباشرة إلى بيئة رقمية متعددة المستويات، تضم الدبلوماسية الإلكترونية، والدبلوماسية الافتراضية، والدبلوماسية عبر الإنترنت، والدبلوماسية السيبرانية، والدبلوماسية التقنية، ودبلوماسية الزووم.

وتكشف هذه الأنماط، رغم اختلاف مجالاتها ووظائفها، عن ترابط واضح بينها؛ فالدبلوماسية الإلكترونية ارتبطت بالمراحل الأولى لاستخدام التكنولوجيا في العمل الدبلوماسي، بينما ركزت الدبلوماسية الافتراضية والدبلوماسية عبر الإنترنت على توظيف الفضاء الرقمي في التواصل والمشاركة. وفي المقابل، اتجهت الدبلوماسية السيبرانية إلى معالجة قضايا الأمن والاستقرار وحماية الفضاء الإلكتروني، في حين ركزت الدبلوماسية التقنية على العلاقة المتزايدة بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والتقنيات الناشئة. أما دبلوماسية الزووم فقد قدمت نموذجًا عمليًا للاجتماعات والمفاوضات الدبلوماسية عن بُعد، وأثبتت أهميتها بصورة خاصة خلال الأزمات التي تعيق الحضور والسفر الدوليين.

وبذلك، فإن تعدد هذه الأنماط لا يعني بالضرورة وجود دبلوماسيات منفصلة ومتعارضة، وإنما يعكس تعدد أبعاد التحول التكنولوجي في العلاقات الدولية. فقد أصبحت التكنولوجيا تؤثر في أدوات الاتصال والتفاوض، وفي القضايا التي تدخل ضمن أجندة السياسة الخارجية، وفي طبيعة الفاعلين المؤثرين في النظام الدولي، فضلًا عن تأثيرها في الجغرافيا السياسية والاقتصاد والأمن والمجال العام.

وعليه، يمكن النظر إلى الدبلوماسية الرقمية بوصفها الإطار الأوسع الذي يستوعب هذه التحولات المختلفة، باعتبارها تعبيرًا عن انتقال الممارسة الدبلوماسية إلى بيئة رقمية تتداخل فيها التكنولوجيا مع الاتصال والسياسة والأمن والاقتصاد. ولا تمثل هذه التحولات إلغاءً للدبلوماسية التقليدية، وإنما إعادة صياغة لأدواتها وأساليبها بما يتناسب مع متطلبات العصر الرقمي.

ومن ثم، فإن مستقبل الدبلوماسية سيقوم على التكامل بين الحضور الإنساني والتواصل المباشر من جهة، والقدرات الرقمية والتكنولوجية من جهة أخرى، بما يعزز قدرة الدول على حماية مصالحها، وإدارة علاقاتها الدولية، والتأثير في البيئة العالمية المتغيرة.

https://hura7.com/?p=8471

الأكثر قراءة