جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

لم تكن الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس التركماني سردار بردي محمدوف إلى العاصمة الأذربيجانية باكو بتاريخ 2 تموز/يوليو 2026 مجرد زيارة بروتوكولية، بل حملت في طياتها رسائل سياسية واقتصادية واستراتيجية تؤكد المكانة المتنامية التي تحتلها أذربيجان في معادلات جنوب القوقاز وآسيا الوسطى. كما عكست الزيارة رغبة مشتركة في الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى أعمق من التعاون الإقليمي، خاصة في مجالات الطاقة والنقل والتجارة، بما يخدم مصالح البلدين ويعزز دورهما في الربط بين الشرق والغرب.
الصداقة الجديدة بين الدول
لا شيء يعبّر عن الصداقة أفضل من هدية تتمثل في ناقلة نفط، كما تجلّى ذلك خلال الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس تركمانستان إلى أذربيجان يومي 22 و23 يونيو/حزيران. فقد التقى الرئيس التركماني سردار بردي محمدوف بالرئيس الأذربيجاني إلهام علييف لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. ووقّع الرئيسان بيانًا مشتركًا، وتبادلا اثنتي عشرة وثيقة تحدد مجالات التعاون المستقبلي في قطاعات متنوعة، من السياسة الاجتماعية إلى التجارة الثنائية. كما قدّم علييف إلى بردي محمدوف ناقلة النفط “دوستلوغ” (وتعني “الصداقة” باللغتين الأذربيجانية والتركمانية)، التي بُنيت في حوض بناء السفن في باكو.
وتسعى أذربيجان وتركمانستان إلى بناء شراكة متينة تقوم على التعاون الاقتصادي والروابط الثقافية المشتركة. وقد بدأ التعاون البحري في قطاع النفط والغاز بتوقيع مذكرة تفاهم عام 2021 لاستكشاف وتطوير حقل «دوستلوغ» النفطي والغازي الواقع بين البلدين في بحر قزوين. ويُقدَّر احتياطي الحقل بنحو 30 مليار متر مكعب من الغاز، وما بين 50 و100 مليون برميل من النفط، مما يجعله مشروعًا مهمًا لقطاع الطاقة في كلا البلدين.
المصالح الاقتصادية تحدد العلاقات المستقبلية
في إطار هذا التعاون الثنائي المستمر، أهدت أذربيجان تركمانستان ناقلة نفط يبلغ طولها 141 مترًا، وتبلغ حمولتها 7875 طنًا، جرى الانتهاء من بنائها مؤخرًا في حوض بناء السفن في باكو. وقد بنت أذربيجان حتى الآن 14 سفينة، وأجرت أعمال صيانة وإصلاح لـ170 سفينة أخرى، ومن المقرر بناء 17 سفينة إضافية خلال السنوات المقبلة.
وتبرز هدية ناقلة النفط «دوستلوغ» القدرات المتنامية لأذربيجان في صناعة السفن، فضلًا عن أهميتها الاستراتيجية بالنسبة لصادرات الطاقة التركمانية.
شراكة النفط القادمة تفرض تعاونًا جديدًا
تتيح ناقلات النفط لدول آسيا الوسطى تصدير النفط إلى الأسواق الغربية دون الاعتماد على خطوط الأنابيب الروسية أو الإيرانية. وبالنسبة إلى تركمانستان، تمثل هذه الخطوة فرصة لتنويع أسواقها التصديرية، رغم أن مشروع خط أنابيب بحر قزوين العابر، الذي طال انتظاره، لم يُطرح بعد للنقاش العام.
وتتجه معظم صادرات النفط والغاز التركمانية حاليًا إلى الصين عبر خط أنابيب آسيا الوسطى–الصين، فيما تستقبل الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان وتركيا كميات أقل، يُنقل جزء منها عبر ترتيبات لمقايضة الغاز من خلال إيران. وتوفر ناقلات النفط لتركمانستان خيارًا إضافيًا لتصدير نفطها، بما يفتح الباب أمام وصوله إلى الأسواق الأوروبية.
كما تتمتع أذربيجان بموقع استراتيجي يؤهلها للقيام بهذا الدور، ويعزز مكانتها بوصفها مركزًا محوريًا للنقل يربط بين أوروبا وآسيا.
وإلى جانب تعزيز التعاون الاقتصادي، ركزت الزيارة الرسمية أيضًا على الروابط الثقافية المشتركة وجهود إعادة إعمار إقليم قره باغ. فقد زار الرئيس بردي محمدوف مدينة فضولي، واطلع على سير أعمال إعادة إعمار المدينة بعد حرب قره باغ، وعلى التقدم المحرز في بناء المسجد الذي كانت تركمانستان قد تعهدت بإنشائه في يوليو/تموز الماضي.
كما زار الوفد مدينة شوشة، حيث اطلع على الأحياء السكنية الجديدة، إضافة إلى مسجد آخر يجري تشييده تخليدًا لذكرى انتصار أذربيجان في حرب قره باغ واستعادة المدينة في نوفمبر/تشرين الثاني 2020.
لذلك تؤكد الجولة التي شملت قره باغ، واستغرقت جزءًا كبيرًا من الزيارة الرسمية، اهتمام أذربيجان بمواصلة جهود إعادة الإعمار، بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين، وتحويل المنطقة إلى حلقة وصل مهمة ضمن مشروع الممر الأوسط.
الزيارة تفرض علاقات اقتصادية جديدة
كانت الزيارة لافتة أيضًا لأنها شهدت مشاركة الرئيس سردار بردي محمدوف من دون مرافقة والده، قربانقلي بردي محمدوف، الزعيم الوطني للشعب التركماني ورئيس المجلس الشعبي. وكان الرئيس السابق قد رافق نجله في زيارته إلى أذربيجان العام الماضي، إلا أن الزيارة المنفردة هذا العام قد تعكس تزايد استقلالية الرئيس بردي محمدوف في ممارسة مهامه الرئاسية.
وعززت أذربيجان وتركمانستان علاقاتهما الاقتصادية، وأكدتا الروابط الثقافية والتاريخية المشتركة بينهما خلال هذا اللقاء الدبلوماسي. كما أظهر الرئيس إلهام علييف قدرة بلاده المتنامية على توفير مسار تجاري غربي جديد أمام صادرات تركمانستان، في حين حصلت تركمانستان على إضافة مهمة لأسطولها النفطي من خلال ناقلة »دوستلوغ.«
دور أذربيجان في ربط التجارة بين الشرق والغرب
تشكل هذه الزيارة محطة مهمة في تطوير حركة التجارة بين الشرق والغرب عبر بحر قزوين، وقد تمهد الطريق أمام انخراط أوسع لتركمانستان في أسواق الطاقة الأوروبية.
كما تؤكد اللقاءات والاتفاقيات التي شهدتها الزيارة أن أذربيجان لم تعد مجرد دولة منتجة للطاقة، بل أصبحت مركزًا إقليميًا للنقل واللوجستيات، وبوابة استراتيجية لعبور التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وتعكس هذه التطورات تزايد أهمية الممر الأوسط بوصفه أحد المسارات التجارية البديلة المهمة في ظل المتغيرات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة والعالم. وفي هذا السياق، جاءت الزيارة لتؤكد أن العلاقات الأذربيجانية–التركمانية تتجاوز المصالح الاقتصادية المباشرة، لتؤسس لشراكة استراتيجية تقوم على المصالح المشتركة، والروابط التاريخية والثقافية، والرؤية المتقاربة لتعزيز الاستقرار والتنمية والتكامل الإقليمي.
تركمستان تحدد علاقاتها التجارية
تحدد زيارة الرئيس التركماني إلى أذربيجان أن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة جديدة تتجاوز حدود التعاون التقليدي، لتتجه نحو شراكة استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة والرؤية المتقاربة لمستقبل المنطقة. فناقلة النفط «دوستلوغ» لم تكن مجرد هدية رمزية تعبّر عن الصداقة، بل أصبحت رمزًا للتعاون في مجالات الطاقة والنقل والانفتاح على أسواق جديدة.
وتبرز هذه الزيارة المكانة المحورية التي باتت تحتلها أذربيجان بوصفها حلقة وصل استراتيجية بين آسيا وأوروبا، ومركزًا متناميًا في شبكات الطاقة والتجارة والنقل الإقليمي. فموقعها الجغرافي، وبنيتها التحتية المتطورة، وقدرتها على تطوير قطاع النقل البحري واللوجستي، جعلتها طرفًا مهمًا في تعزيز الممرات التجارية التي تربط الشرق بالغرب.
كما تسعى تركمانستان إلى توسيع خياراتها الاقتصادية وتنويع مسارات تصدير مواردها، بما يعزز حضورها في الأسواق الدولية. ومن هنا تكتسب الشراكة مع أذربيجان أهمية خاصة، لأنها تفتح آفاقًا جديدة للتعاون في بحر قزوين، وتدعم التكامل الاقتصادي بين آسيا الوسطى والقوقاز.
في النهاية، فإن هذه الزيارة لا تعكس فقط عمق العلاقات الأذربيجانية–التركمانية، بل تشير أيضًا إلى التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، حيث أصبحت البنية التحتية والطاقة والتجارة أدوات رئيسية لبناء النفوذ وتعزيز الاستقرار. ومع استمرار تطوير الممر الأوسط، يمكن أن تتحول منطقة بحر قزوين إلى مساحة أكثر أهمية في حركة التجارة العالمية.
اذًا، هكذا تؤكد أذربيجان من خلال هذه الشراكات أنها لاعب إقليمي مؤثر يمتلك رؤية استراتيجية تتجاوز حدود الطاقة التقليدية، بينما تؤكد تركمانستان رغبتها في الانفتاح على مسارات اقتصادية جديدة. وتشكل هذه العلاقة نموذجًا للتعاون الإقليمي القائم على المصالح المتبادلة والتنمية والاستقرار، بما يخدم شعوب المنطقة ويعزز دورها في الاقتصاد العالمي.


