الأكثر قراءة

أهمية زيارة زيلينسكي إلى دمشق: زيارة استراتيجية في قلب الشرق الأوسط المضطرب

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في خطوة غير متوقعة، وصل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى العاصمة السورية دمشق في 5 أبريل 2025، في زيارة تاريخية بعد جولة في الخليج العربي تحمل رسائل سياسية واقتصادية متعددة الأبعاد. كانت هذه الزيارة جزءًا من جهود أوكرانيا لتوسيع تحالفاتها الإقليمية في ظل التحديات التي تواجهها جراء استمرار الحرب ضد روسيا. ولكن توقيت هذه الزيارة وأبعادها تتعدى العلاقات الثنائية بين سوريا وأوكرانيا، لتفتح الباب أمام إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط.

سياق الزيارة: الحرب على إيران وتداعياتها الإقليمية

إن زيارة زيلينسكي إلى دمشق لا تأتي في فراغ، بل هي انعكاس لتطورات غير مسبوقة في منطقة الشرق الأوسط. منذ اندلاع الحرب على إيران، تغيّرت المعادلات الجيوسياسية في المنطقة، حيث أصبح التوتر الإيراني-الغربي في ذروته، مع تصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية على طهران. هذا التوتر يتجاوز الحدود الإيرانية ليطال جيران إيران، ويضع العديد من الدول في موقف حرج، خاصة تلك التي تشارك في تحالفات مع الولايات المتحدة أو مع روسيا.

إيران، التي كانت تعتبر في وقت سابق حجر الزاوية في محيطها الإقليمي، باتت الآن في مواجهة مع القوى الغربية، وهو ما يضع بعض الدول في المنطقة أمام خيارات صعبة. في هذا السياق، تأتي زيارة زيلينسكي كجزء من محاولات أوكرانيا لتحشيد الدعم الإقليمي والعالمي في حربها ضد روسيا، في وقت يزداد فيه الضغط على النظام السوري للتنقل بين حلفائه التقليديين، مثل روسيا وإيران، وبين حلفاء جدد.

تغيير التحالفات: سوريا بين روسيا وأوكرانيا

لطالما كانت سوريا حليفًا قويًا لروسيا، حيث عملت موسكو منذ عام 2015 على دعم النظام السوري في حربه ضد المعارضة، مما ضمن لروسيا موطئ قدم دائم في المنطقة. لكن مع تصاعد الضغوط الإسرائيلية والغربية على النظام السوري، بدأت سوريا تبحث عن حلول جديدة لتأمين مصالحها الوطنية، مما أدى إلى إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية والدولية.

في هذا السياق، تأتي زيارة زيلينسكي التي تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية بين أوكرانيا وسوريا. في الوقت الذي ترفض فيه سوريا التخلي عن علاقاتها مع روسيا وإيران، تسعى دمشق إلى استخدام هذه التحركات لتعزيز موقعها الجيوسياسي في المنطقة. زيلينسكي، الذي واجه صعوبة في تأمين الدعم الغربي بشكل كامل، يرى في سوريا فرصة لتوسيع دائرة تحالفاته، مع التركيز على قضايا الأمن العسكري والأمن الغذائي.

دوافع الزيارة: الأمن الغذائي والتعاون العسكري

خلال الزيارة، تمحورت المحادثات حول قضايا حيوية مثل تعزيز التعاون في مجال الأمن الغذائي وتوفير إمدادات الغاز والدقيق. يعتبر هذا التعاون أمرًا استراتيجيًا في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى ضمان استقرار خطوط الإمداد في ظل الحرب المستمرة في أوكرانيا والضغوط الإقليمية في الشرق الأوسط.

بالإضافة إلى ذلك، تم التطرق إلى التعاون العسكري بين البلدين. أكدت المصادر أن سوريا ستحصل على مساعدات عسكرية من أوكرانيا تشمل أنظمة دفاع جوي ودرونز، في حين يُتوقع أيضًا دخول مدرعات تركية متطورة إلى الأراضي السورية في حالة تدهور الوضع الأمني الإقليمي. من جانب آخر، زار زيلينسكي تركيا قبل أن يصل إلى دمشق، وهو ما يعكس التفاهم والتنسيق بين أوكرانيا وتركيا فيما يتعلق بالقضايا العسكرية والإستراتيجية في المنطقة.

دور تركيا في المعادلة: تحالفات جديدة وتحديات مشتركة

دور تركيا في هذه الزيارة يتجاوز كونه مجرد وسيط بين دمشق وأوكرانيا. وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، كان حاضرًا خلال المحادثات، مما يعكس الدور المتزايد لأنقرة في تحقيق التوازن في المنطقة. تركيا، التي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع كل من أوكرانيا وسوريا، تسعى إلى تأمين مصالحها عبر دعم النظام السوري في مجال الدفاع العسكري.

تركيا تُعد من أكبر المزودين للأسلحة إلى سوريا، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والمدرعات، وهو ما يزيد من تأثيرها على الأرض. العلاقات التركية-السورية كانت قد شهدت توترًا في السنوات الماضية، لكنها الآن تتجه نحو تنسيق أمني أكبر، وهو ما يتوافق مع التحولات السياسية في المنطقة، خصوصًا في ظل الوضع المعقد حول العلاقة مع إيران وحزب الله.

الرسائل الإسرائيلية في سياق الزيارة

زيارة زيلينسكي إلى دمشق تحمل أيضًا رسائل إلى إسرائيل. إسرائيل، التي تعتبر إيران تهديدًا مباشرًا لها، تسعى إلى تحقيق توازن في المنطقة دون تصعيد مباشر مع النظام السوري. تأتي زيارة زيلينسكي في هذا السياق كرسالة مزدوجة: الأولى، تشير إلى قدرة دمشق على تحسين علاقاتها مع الدول الغربية إذا تم التعاون الأمني بشكل بناء؛ والثانية، تأكيد على أن سوريا لن تتخلى عن علاقاتها مع إيران في الوقت الحالي، ولكنها مستعدة للمشاركة في الترتيبات الأمنية التي قد تؤدي إلى توازن أكبر في المنطقة.

إسرائيل تسعى إلى إضعاف النفوذ الإيراني في سوريا، وهو ما قد يُفضي إلى تضييق الخناق على حزب الله في لبنان. إذا كانت إسرائيل ترى أن سوريا قد تُشارك في الحرب ضد إيران بشكل مباشر، فإنها ستضغط على دمشق للحد من هذا التعاون، إلا إذا تم تأكيد مصالحها الأمنية.

التحديات المقبلة: سوريا في مواجهة الضغوط الدولية

التحولات السياسية التي تشهدها سوريا نتيجة لهذه الزيارة تضعها في مواجهة مع تحديات متعددة. بينما تسعى دمشق لتعزيز علاقاتها مع الغرب وأوكرانيا، فإنها تجد نفسها في وضع صعب مع روسيا، حليفها التقليدي. روسيا قد ترى في هذه الخطوات تهديدًا لمصالحها الاستراتيجية في سوريا، خاصة في ظل تأكيدات سوريا على ضرورة الحفاظ على وجودها العسكري في البلاد.

بالإضافة إلى ذلك، تمثل هذه الزيارة تحديًا كبيرًا للنظام السوري في كيفية تحقيق توازن بين مصالحه الاقتصادية والأمنية. هناك ضغوط إسرائيلية وأمريكية للحد من تأثير إيران في المنطقة، وفي الوقت نفسه، هناك رغبة روسية في ضمان بقاء سوريا في نطاق النفوذ الروسي دون الانحراف نحو الغرب.

إن زيارة زيلينسكي إلى دمشق تفتح الباب أمام تعاون غير تقليدي بين سوريا وأوكرانيا، خاصة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والأمن الغذائي. هذا التعاون يمكن أن يسهم بشكل كبير في استقرار سوريا في ظل التحديات الإقليمية والدولية. وفي حين أن هذه الزيارة قد تعزز مكانة سوريا الإقليمية وتفتح لها آفاقًا جديدة، إلا أن هناك العديد من العوائق التي قد تعترض هذا التعاون، خاصة من القوى الكبرى التي لا ترغب في حدوث تحولات غير محسوبة في التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

من جهة أخرى، تبرز هذه الزيارة بوصفها لحظة فاصلة في مساعي سوريا لإعادة تحديد موقفها في المنطقة، بين المحافظة على علاقاتها الاستراتيجية مع روسيا وإيران وبين البحث عن شركاء جدد يساهمون في تعزيز أمنها واستقرارها.

https://hura7.com/?p=77413

الأكثر قراءة