جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ كشف تقرير حديث نشره معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) أن القارة الأوروبية تحولت إلى أكبر مستورد للأسلحة في العالم خلال السنوات الخمس الأخيرة، في تحول يعزى بشكل رئيسي إلى الحرب الروسية في أوكرانيا. وذكر التقرير أن واردات الدول الأوروبية من الأسلحة ارتفعت بأكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بالفترة السابقة.
“روسيا تقف وراء الارتفاع الحاد”
وقالت الباحثة في المعهد كاتارينا جوكيتش إن “روسيا تقف وراء الارتفاع الحاد في واردات الأسلحة الأوروبية”. وأضاف الباحثون أن حالة عدم اليقين بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن حلفائها أسهمت أيضا في زيادة الطلب على الأسلحة. يذكر أن واردات الأسلحة قد تتقلب بشكل كبير من عام إلى آخر تبعا لحجم الطلبيات، لذلك يعتمد الباحثون على مقارنة الاتجاهات طويلة الأمد عبر فترات زمنية تمتد لخمس سنوات. وبمقارنة الفترة من 2021 إلى 2025 بالفترة من 2016 إلى 2020، تضاعفت واردات الدول الأوروبية من الأسلحة أكثر من ثلاث مرات.
“38% من إجمالي الصادرات الأمريكية”
وأشار التقرير إلى أن أوروبا لا تزال تعتمد بشكل أساسي على الولايات المتحدة كمصدر رئيسي للأسلحة. وأضاف: “للمرة الأولى منذ عقدين، استحوذت أوروبا على الحصة الأكبر من الصادرات العسكرية الأمريكية بدلا من الشرق الأوسط”، إذ بلغت نسبتها نحو 38% من إجمالي الصادرات الأمريكية. وقالت جوكيتش إن الشركات الأوروبية زادت من إنتاجها العسكري، كما أن برامج الاستثمار الجديدة التي أطلقها الاتحاد الأوروبي لدعم الصناعات الدفاعية أدت إلى زيادة الطلبات داخل الاتحاد. ومع ذلك، واصلت الدول الأوروبية استيراد كميات كبيرة من الأسلحة الأمريكية خلال الفترة بين 2021 و2025.
تراجع واردات الأسلحة لدول الشرق الأوسط
وفي المقابل، أظهر التقرير تراجعا في واردات الأسلحة لدول الشرق الأوسط بنسبة 13% خلال الفترة نفسها، رغم أن السعودية وقطر ظلتا من بين أكبر الدول المستوردة للأسلحة على مستوى العالم. وقال بيتر ويزمان، كبير الباحثين في المعهد، إن هذا التراجع يعكس إلى حد كبير الطلبيات الضخمة التي قدمتها السعودية في الفترة السابقة والتي ما زال يجري تسليمها.
تحول العقيدة الدفاعية الأوروبية: من “السلام الدائم” إلى “الاستنفار الاستراتيجي”
يعكس الارتفاع الحاد في واردات الأسلحة الأوروبية تحولاً جوهرياً في بنية الأمن القومي للقارة، حيث انتقلت الدول الأوروبية من سياسة “جني ثمار السلام” التي سادت ما بعد الحرب الباردة إلى حالة استنفار عسكري مدفوعة بـ”عامل الخوف” من التمدد الروسي. هذا التحول لا يقتصر فقط على سد الفجوات التسليحية الفورية، بل يشير إلى إعادة صياغة شاملة لميزانيات الدفاع، حيث أصبحت القارة تعيش حالة “عدم يقين” مزدوجة: الأولى تجاه التهديدات التقليدية شرقاً، والثانية تجاه استمرارية المظلة الأمنية الأمريكية، مما دفعها لسباق مع الزمن لتعزيز قدراتها الردعية والاعتماد التدريجي على الذات عبر برامج استثمار دفاعية موحدة.
إعادة تشكيل خارطة النفوذ العسكري
يمثل تصدر أوروبا لقائمة مستوردي السلاح الأمريكي على حساب الشرق الأوسط “انزياحاً استراتيجياً” في بوصلة التجارة العسكرية العالمية، حيث فرضت الضرورة الجيوسياسية في أوكرانيا على واشنطن توجيه ثقلها العسكري نحو القارة العجوز. وفي حين يبدو تراجع واردات الشرق الأوسط بنسبة 13% كمؤشر على الهدوء النسبي في الطلبيات الجديدة، إلا أنه يعكس في الواقع حالة من “التشبع التسليحي” بعد سنوات من الصفقات الكبرى، بانتظار استيعاب الأنظمة الحالية. هذا المشهد يضع الصناعات الدفاعية الأمريكية في مركز القوة كالمورد الأول عالمياً، ولكنه يضع الاتحاد الأوروبي في الوقت ذاته أمام تحدي الموازنة بين الحاجة الملحة للاستيراد السريع وبين طموحه لبناء استقلال دفاعي يقلل التبعية للخارج.


