جريدة الحرة
خاص ـ يرحب الاتحاد الأوروبي بإضعاف النظام الإيراني، لكنه لا يزال قلقا بشأن “الفوضى” الناجمة عن الحرب، وليس لديه أي نية للانضمام إليها. كانت تلك هي الرسائل الرئيسية من اثنين من أقوى مسؤولي الكتلة، وهما رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وكبيرة الدبلوماسيين كايا كالاس.
وفي كلمة ألقتها أمام المؤتمر السنوي لسفراء الاتحاد الأوروبي في بروكسل، أدارت فون دير لاين المناقشات الداخلية للاتحاد الأوروبي حول كيفية التعامل مع الحرب، ونصحت الدبلوماسيين بالتركيز على الحقائق العملية الناجمة عن الحرب بدلا من الخوض في الجوانب الأخلاقية المتعلقة بمزاياها.
وقالت: “ستسمعون آراء مختلفة حول ما إذا كان الصراع في إيران حربا اختيارية أم حربا اضطرارية. لكني أعتقد أن هذا النقاش يغفل جزئيا جوهر المسألة، لأن على أوروبا أن تركز على حقيقة الوضع، وأن ترى العالم كما هو عليه اليوم”.
وتابعت فون دير لاين قائلة: “أريد أن أكون واضحة، لا ينبغي أن تذرف الدموع على النظام الإيراني الذي تسبب في الموت وقمع شعبه”. وأضافت فون دير لاين أن للشعب الإيراني الحق في تقرير مصيره، “حتى وإن كنا نعلم أن ذلك سيكون محفوفا بالمخاطر وعدم الاستقرار أثناء الحرب وبعدها”.
تبرز تصريحاتها اختلافا بين المفوضية وعواصم مثل مدريد وباريس، اللتين أكدتا على أهمية القانون الدولي مع انتقادهما لما وصفتاه بـ”حرب الاختيار” التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل. وتتزامن هذه التصريحات أيضا مع انتقادات من المندوبين الوطنيين الذين يرون أن رئيسة المفوضية تتجاوز صلاحياتها بالانخراط في العمل الدبلوماسي.
لا يوجد مسار واضح لانتهاء الحرب
تجنبت كالاس، كبيرة دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي، الخوض في أي حديث عن الغارات الجوية المستمرة. لكن تصريحاتها، التي ألقتها بعد تصريحات فون دير لاين، ركزت بشكل أكبر على ما وصفته بالعواقب غير المؤكدة للحرب، والتي أدت إلى شن غارات جوية بطائرات مسيرة وصواريخ في جميع أنحاء الشرق الأوسط، فضلا عن إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة بشكل كبير.
تقول كالاس، المسؤولة عن تمثيل خط السياسة الخارجية المشتركة للدول الأعضاء الـ 27 في الاتحاد الأوروبي: “حرب أخرى تجلب معها عدم اليقين والفوضى”. وأضافت: “من الأفضل أن تكون القدرات العسكرية الإيرانية محدودة، وأن يكون النظام أضعف من أي وقت مضى”. وأضافت كالاس: “لكن لا يوجد مسار واضح. كيف ستنتهي هذه الحرب؟ التقارير التي تفيد بأن موسكو وطهران تعملان معا لاستهداف القوات الأمريكية لا ينبغي أن تكون مفاجئة”.
الانقسام، معضلة الاتحاد الأوروبي
تشير تعليقات فون دير لاين وكالاس إلى معضلة الاتحاد الأوروبي: فبينما يقول قادة مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرز للناخبين إنهم لن يشاركوا في الحرب، فقد اتخذ كلاهما خطوات، بما في ذلك خطوات عسكرية، لتأمين مصالح الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط ودعم دول الخليج التي تواجه هجمات إيرانية.
وفي مكالمة هاتفية مع قادة دول الخليج والشرق الأوسط بعد اجتماع السفراء، قالت فون دير لاين وكوستا إنهما على استعداد لتعزيز البعثات البحرية للاتحاد الأوروبي التي تهدف إلى تأمين التجارة وتقديم الدعم للمدنيين المتضررين من الصراع في لبنان.
حرب إيران قد تتسبب في صدمة ركود تضخمي
أكد مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الاقتصادية، فالديس دومبروفسكيس: “من الواضح أن التأثير الاقتصادي سيعتمد إلى حد كبير على مدة النزاع ونطاقه الإقليمي”.
وحذر كبير الاقتصاديين في الاتحاد الأوروبي من أن الحرب قد تتسبب في “صدمة ركود تضخمي كبيرة”، في ظل تزايد المخاوف من أن يؤدي تصاعد الصراع في الشرق الأوسط إلى ترسيخ النمو المنخفض والتضخم المرتفع في جميع أنحاء الاقتصاد الأوروبي.
وتابع إن الحرب “المطولة” تنذر بخطر حدوث اضطرابات في سلسلة التوريد و”آثار سلبية على الثقة” من شأنها أن تتسبب في ارتفاع الأسعار وضعف الإنتاج.
وقال مفوض الاقتصاد في الاتحاد الأوروبي: “من الواضح أن التأثير الاقتصادي سيعتمد إلى حد كبير على مدة النزاع ونطاقه الإقليمي”، مضيفا أن “السيناريو الجيد”، الذي تنتهي فيه الحرب التي استمرت 10 أيام “في غضون أسبوعين”، لن يؤثر بشكل كبير على النشاط الاقتصادي العالمي.
وأوضح: “ومع ذلك، إذا طالت الحرب، مع حدوث اضطرابات في حركة الشحن في مضيق هرمز، وكذلك مع الهجمات على البنية التحتية للطاقة في دول الخليج، فقد ينتهي الأمر بصدمة ركود تضخمي كبيرة على الاقتصاد العالمي والأوروبي، مع ارتفاع أسعار الطاقة الذي ينتشر بعد ذلك إلى تضخم أوسع نطاقا”.
تقول إليزابيث براو، زميلة بارزة في المجلس الأطلسي وكاتبة عمود منتظمة في موقع بوليتيكو: منذ الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير 2026، أصبح عبور مضيق هرمز – الممر المائي الضيق والحيوي عند مدخل الخليج العربي – شديد الخطورة.
وقد ورد في أحد عناوين الصحف البحرية الأسبوع الماضي: “ناقلة نفط محملة بغاز قابل للاشتعال تخضع للعقوبات تجتاز مضيق هرمز”. ومع تزايد عدد السفن التي تدرس إمكانية الإبحار عبر هذا المضيق، ستكون لهذا الوضع المتصاعد تداعيات وخيمة على النقل البحري العالمي واقتصادات العالم، ولن تكون أوروبا بمنأى عن ذلك.
تشير المعطيات إلى أن تداعيات الحرب على إيران قد تتجاوز حدودها الإقليمية لتترك أثرا عميقا في بنية النظام الاقتصادي والسياسي الدولي، وفي مقدمة ذلك أوروبا التي تجد نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين المصالح الاستراتيجية والمخاوف من الفوضى الإقليمية.
فالاتحاد الأوروبي، رغم ترحيبه بإضعاف القدرات العسكرية للنظام الإيراني، يدرك أن استمرار الحرب أو اتساع نطاقها قد يفتح الباب أمام مرحلة من عدم الاستقرار تمتد آثارها إلى أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
تبدو أوروبا أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة الأزمات المركبة. فإغلاق أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم، قد يؤدي إلى ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة، وهو ما سيضاعف الضغوط على الاقتصادات الأوروبية التي لا تزال تعاني آثار الأزمات المتتالية منذ جائحة كورونا ثم الحرب في أوكرانيا.
كما أن استمرار التوتر في الشرق الأوسط قد يدفع الأسواق العالمية إلى حالة من عدم اليقين، ويزيد من احتمالات حدوث ركود تضخمي يهدد استقرار الاقتصاد الأوروبي والعالمي على حد سواء.
قد يؤدي طول أمد الحرب إلى إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في المنطقة، حيث يمكن أن تتوسع دائرة الصراع عبر انخراط قوى إقليمية ودولية بصورة غير مباشرة، وهو ما قد يعمق الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي نفسه بين الدول التي تفضل الحذر الدبلوماسي وتلك التي تميل إلى دعم إجراءات أمنية وعسكرية لحماية المصالح الاستراتيجية.
وعلى المدى الأبعد، قد تدفع هذه التطورات أوروبا إلى تسريع جهودها في تنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمنها الاقتصادي والاستراتيجي، بما يقلل من اعتمادها على الممرات البحرية المهددة بالتوترات الجيوسياسية. ومع ذلك، يبقى المسار المستقبلي مرهونا بمدى قدرة الأطراف الدولية على احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى صراع أوسع قد يعيد رسم خريطة الاستقرار في الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي.


