الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

أوروبا تبحث عن ماوقف أكثر تنسيقًا في مواجهة الأزمات

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

تواجه أوروبا العديد من التحديات الجيوسياسية كشفت محدودية نفوذها في إدارة الأزمات الدولية كفنزويلا وغرينلاند وأوكرانيا وإيران . وبينما تتزايد الكلفة على الحكومات الأوروبية عبر الطاقة والهجرة والأمن، تظل القرارات المتعلقة بالأمن الأوروبي تُتخذ في كثير من الأحيان من دونها.

تبقى الحاجة ملحّة إلى موقف أوروبي أكثر تنسيقًا يضمن لأوروبا قدرة فعلية على التأثير في مسار هذه الأزمات بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.

أوروبا و قدرات النفوذ الجيوسياسي

فوجئت أوروبا بالفعل بسلسلة من الصدمات الجيوسياسية الكبرى مع بداية العام 2026، لقد كانت دول أوروبا عاجزة عن التدخل خلال هجوم دونالد ترامب على فنزويلا، ولم تكن مستعدة للتهديدات الأمريكية بضم غرينلاند، وتم تهميشها في محادثات السلام بين أوكرانيا وروسيا.

في غضون ذلك، وفي الصراعات الدائرة في إيران ولبنان، يبدو أن القادة الأوروبيين يفتقرون مرة أخرى إلى النفوذ، حيث يقوم آخرون بتشكيل التصعيد والسيطرة على الطرق الحيوية مثل مضيق هرمز.

تؤثر هذه الأزمات على المواطنين الأوروبيين من خلال أسعار الطاقة والهجرة والمخاطر الأمنية. ورغم كونها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، إلا أن أوروبا تكافح من أجل ممارسة نفوذها، وتُتخذ القرارات المتعلقة بها بشكل متزايد دون مشاركتها.

يكمن جزء من المشكلة في نظام صنع القرار الخاص بالاتحاد الأوروبي نفسه. لا تزال العمليات بطيئة ومجزأة وعرضة للعرقلة، حتى بعد الهزيمة الانتخابية لرئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان ، الذي يُنظر إليه منذ فترة طويلة على أنه مصدر رئيسي للعرقلة.

دفاع مجزأ

المشكلة ليست نقصًا في الإمكانات، فاقتصاد الاتحاد الأوروبي يتفوق بكثير على اقتصاد روسيا، وهو يمتلك المواهب والابتكار والبنية التحتية اللازمة للنجاح. لكن في مجال الدفاع، فشلت أوروبا في ترجمة هذه القوة إلى قدرات فعلية. فبإبقاء قطاع الدفاع خارج نطاق التكامل الأوروبي، ولا سيما السوق الموحدة، سمحت باستمرار التجزئة وعدم الكفاءة والتبعية.

العواقب واضحة، فسياسيًا، تُستبعد أوروبا من المفاوضات الرئيسية، وعسكريًا، تواجه القوات الفنلندية وأوكرانيا نقصًا وتأخيرًا في المعدات، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي والذخيرة. أما ماليًا، فتؤدي عمليات الشراء المجزأة إلى ارتفاع التكاليف بنسبة تصل إلى 30%، مما يحول دون الاستفادة من وفورات الحجم، وفقًا لتقرير أعده الرئيس الفنلندي السابق ساولي نينيستو. في وقت تعاني فيه الأسر الأوروبية بالفعل من أجل تغطية نفقاتها، فإن هذا يُعدّ خللاً غير مقبول في المشتريات العامة.

خمس خطوات نحو سوق موحدة للدفاع

يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى سوق موحدة حقيقية للدفاع حيث هذا الوضع غير فعال، وغير مستدام استراتيجيًا، وغير مقبول ديمقراطيًا. وقد بدأ البرلمان الأوروبي هذه العملية باعتماد تقرير مبادرة يحدد خارطة طريق نحو سوق أوروبية موحدة حقيقية، استنادًا إلى خمسة محاور رئيسية.

أولًا، يجب أن يصبح “شراء المنتجات الأوروبية” هو الخيار الافتراضي في مشتريات الدفاع. في عالم تُستغل فيه التبعية كسلاح وتندر فيه القدرات الإنتاجية، ينبغي أن يُركز الإنفاق العام بالدرجة الأولى على تعزيز الصناعة المحلية، وخلق فرص العمل، وبناء القدرات.

ثانيًا، يجب تحديث قواعد الشراء لمواكبة التطور التكنولوجي. ينبغي أن تُمكّن الأطر، لا أن تُعيق، المشاريع المشتركة والابتكار. ويتطلب ذلك منافسة قائمة على الابتكار وعمليات اختيار مرحلية، إذ غالبًا ما تكون العديد من الحلول غير معروفة وقت إرساء العقد.

ثالثًا، يجب إزالة العوائق الداخلية أمام التعاون الدفاعي، ينبغي أن تنتقل المعدات العسكرية عبر الحدود بسهولة مماثلة لنقل البضائع المدنية. ويُعدّ الاعتراف المتبادل بالشهادات وتبسيط عمليات النقل أمرًا بالغ الأهمية. ويمكن لقانون الجاهزية الدفاعية الشامل أن يُحقق تبسيطات أولية، بما في ذلك توسيع نطاق نظام تراخيص النقل العامة للسماح بتصدير بعض المنتجات دون الحاجة إلى موافقات وطنية منفصلة.

رابعًا، تحتاج أوروبا إلى آليات تمويل أقوى للابتكار الدفاعي. فغالبًا ما تفشل التقنيات الواعدة في التوسع، مما يؤدي إلى الاعتماد على جهات خارجية. وقد يكون البرنامج المقترح من المفوضية الأوروبية للابتكار الدفاعي السريع والمرن نقطة انطلاق مفيدة، ولكنه يتطلب طموحًا مستدامًا.

خامسًا، يُعدّ اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ضروريًا لضمان تطبيق المعايير الفنية لحلف الناتو في جميع الدول الأعضاء. فحتى أنظمة الأسلحة الأوروبية المتشابهة قد تفتقر إلى قابلية التشغيل البيني بسبب تضارب المتطلبات، وهو ما يُشكّل ثغرة مكلفة وخطيرة، كما تُظهر الدروس المستفادة من أوكرانيا.

لم يعد التجزئة في الدفاع مجرد أمر غير فعال، بل أصبح محفوفًا بالمخاطر، بإمكان أوروبا أن تبقى في موقف رد الفعل بينما يقوم الآخرون برسم مستقبلها. أو بإمكانها أن تتخذ موقفًا حاسمًا، وأن تستغل قوتها الاقتصادية، وأن تحقق استقلالًا استراتيجيًا حقيقيًا.

https://hura7.com/?p=79334

الأكثر قراءة