جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ في خطوة تعكس سعيه إلى تعزيز استقلاليته الرقمية، يعتزم الاتحاد الأوروبي للكشف عن خطة جديدة للسيادة التكنولوجية تهدف إلى تقليص الاعتماد على الشركات الأمريكية والصينية في قطاعات استراتيجية، وسط مخاوف متزايدة من تأثير ذلك على أمنه الاقتصادي والتكنولوجي.
في ظل تنامي المخاوف بشأن تراجع موقعه في المنافسة التكنولوجية العالمية، يستعد الاتحاد الأوروبي للإعلان عن إجراءات غير مسبوقة تهدف إلى تقليص اعتماده على شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى وموردي أشباه الموصلات الصينيين، مع تعزيز البدائل الأوروبية بهدف. ومن المقرر أن تكشف المفوضية الأوروبية، عن خطة واسعة النطاق لتحقيق “السيادة التكنولوجية”، في خطوة قد تفتح جبهة جديدة من التوتر مع الولايات المتحدة.
وتأتي هذه المبادرات ضمن مساعي الاتحاد الأوروبي إلى “استعادة مكانته في السباق العالمي نحو النفوذ الجيو-اقتصادي”، وفق ما ورد في وثيقة تلخيصية اطلعت عليها وكالة الأنباء الفرنسية. ويعكس هذا التوجه قلقا أوروبيا متزايدا من الاعتماد الكبير على خدمات الحوسبة السحابية التي توفرها شركات أمازون ومايكروسوفت وغوغل الأمريكية، والتي تستحوذ على نحو 70% من السوق الأوروبية.
درس قاسٍ
ولا تزال الأوساط الأوروبية تستذكر تداعيات العقوبات التي فرضتها واشنطن العام الماضي على قضاة المحكمة الجنائية الدولية. وقد أثارت شهادة القاضي الفرنسي نيكولا غيو اهتمامًا واسعًا عندما كشف أنه فوجئ بحرمانه من استخدام بطاقته المصرفية، في وقت تعتمد فيه شبكات الدفع الفرنسية على شركات أميركية مثل فيزا وماستركارد وأميركان إكسبرس.
في المقابل، سبق للولايات المتحدة أن حذرت الاتحاد الأوروبي من تبني سياسات حمائية، بينما تؤكد شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة أن أوروبا ستتكبد خسائر كبيرة إذا قررت التخلي عن خدماتها. وفي مقابلة أجرتها وكالة فرانس برس في أبريل/نيسان، اعتبر السفير الأميركي لدى الاتحاد الأوروبي أندرو بوزدر أن تقييد أنشطة الموردين الأميركيين في مجالي الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية سيحرم الأوروبيين من “الخبرات والابتكارات التي طُورت في الولايات المتحدة”. وتشمل الخطة المرتقبة نصا خاصا بـ”تطوير الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي”، يهدف إلى تسهيل إنشاء بنى تحتية استراتيجية، من بينها مراكز البيانات داخل الاتحاد الأوروبي.
كما تتضمن المقترحات مشروع “قانون للرقائق الإلكترونية” يرمي إلى ضمان إمدادات أشباه الموصلات عبر تقليص الاعتماد على الموردين الأجانب، إلى جانب إجراءات لتوسيع استخدام البرمجيات مفتوحة المصدر في الإدارات والخدمات العامة. ويؤكد النائب الألماني في البرلمان الأوروبي أوليفر شينك، الداعم لهذه الإجراءات، أن الغاية منها ليست “استهداف شركائنا التجاريين أو إغلاق سوقنا”. ويضيف أن أوروبا تسعى قبل كل شيء إلى تفادي “الاعتماد الهيكلي على أي جهة خارجية”.
تحديات التمويل ومستقبل السيادة الرقمية
تواجه المقترحات الأوروبية الطموحة عقبات رئيسية تتعلق بآليات التمويل وحجم الاستثمارات المطلوبة لمنافسة العمالقة التكنولوجيين، حيث يرى خبراء اقتصاد أن بناء بنية تحتية مستقلة للحوسبة السحابية ومراكز البيانات يستلزم مئات المليارات من اليورو، وهو ما يضع ميزانيات الدول الأعضاء تحت ضغوط إضافية. وتتزايد المخاوف من أن يؤدي غياب التمويل الموحد والكافي إلى إبطاء تنفيذ هذه الاستراتيجية، مما يبقي الشركات والمؤسسات الأوروبية مرتهنة للخدمات الخارجية لسنوات قادمة، في وقت تتسارع فيه وتيرة الابتكار في وادي السيليكون ومراكز الأبحاث الصينية.
وعلى الرغم من هذه التحديات الهيكلية، يرى مؤيدو الخطة أن التحرك الفوري يمثل ضرورة ملحة لحماية أمن البيانات وحفظ الخصوصية للمواطنين والشركات في القارة. ويتطلع القادة الأوروبيون إلى أن تساهم هذه الإجراءات في تحفيز قطاع الابتكار المحلي، وخلق فرص عمل جديدة في مجالات التقنية المتقدمة، بالإضافة إلى صياغة معايير تنظيمية قياسية تضمن للاقتصاد الأوروبي مرونة أكبر في مواجهة الأزمات الجيوسياسية المستقبلية، وتحول دون تعرضه للابتزاز الاقتصادي أو التكنولوجي.


