جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تتجه أوروبا، بقيادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نحو دراسة مهمة عسكرية محتملة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، في ظل حساسية جيوسياسية متصاعدة في المنطقة. وتأتي هذه التحركات وسط تحديات قانونية معقدة تتعلق بالسيادة وحرية المرور في أحد أهم الممرات النفطية في العالم.
ألمانيا تعمل على المشاركة في مهمة عسكرية لتأمين الملاحة في مضيق هرمز
تعمل فرنسا وبريطانيا وألمانيا على مهمة لحماية مضيق هرمز، وإيران طرفٌ حاسم في هذه المهمة. كما يُمثل القانون الدولي عقباتٍ كبيرة. تُعد حماية الممر الملاحي أولوية قصوى. وصرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأنه يُمكن نشر طائرات عسكرية وفرقاطات وحاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول في المنطقة خلال العام 2026. وقال ماكرون: “نحن على أهبة الاستعداد للتحرك بسرعة فائقة”.
أكد المستشار فريدريش ميرز مجددًا في إيفيان عزم ألمانيا على المشاركة في مهمة عسكرية لتأمين الملاحة في مضيق هرمز “فور استيفاء الشروط اللازمة”. وقد أشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنفسه لبدء المفاوضات، حيث نشر على وسائل التواصل الاجتماعي في يونيو من العام 2026: “بدأت السفن – العديد منها مُحمّل بالنفط – بالخروج من مضيق هرمز”. وبعد ذلك بوقت قصير، احتفل علنًا بالاتفاق مع إيران في قمة مجموعة السبع في إيفيان بفرنسا.
أين تكمن المشكلة؟
تكمن المشكلة في أن الانتشار في هذه المياه ليس بالأمر الهين من الناحية القانونية. فقد أوضح ستيفان تالمون، أستاذ القانون العام والقانون الدولي والقانون الأوروبي في جامعة بون، في مقال نُشر في صحيفة فرانكفورتر ألجماينه تسايتونغ (FAZ): “إزالة الألغام في المياه الإقليمية الإيرانية رغمًا عن إرادة إيران، من جهة أخرى، يُعد انتهاكًا لسيادتها الإقليمية، وبالتالي يتطلب تبريرًا بموجب القانون الدولي”.
يبلغ عرض مضيق هرمز، وهو ممر مائي ضيق بين إيران وعُمان، حوالي 33 كيلومترًا فقط عند أضيق نقطة فيه. وأشار تالمون، خبير القانون البحري، إلى أن “هذا المضيق يُعدّ مضيقًا حيويًا يخدم الملاحة الدولية، وللمجتمع الدولي مصلحة قانونية وعملية مباشرة في استخدامه دون عوائق”. مع ذلك، ونظرًا لضيق الممر المائي، الذي يُعدّ بالغ الأهمية لإمدادات النفط العالمية، تتمتع إيران وعُمان بحقوق سيادية في مياهه: “حرية الملاحة في مواجهة السيادة”، هكذا يصف تالمون المعضلة القانونية الدولية.
القانون الدولي يُصرّ على تفويض من الأمم المتحدة
ووفقًا لقواعد الأمم المتحدة، ينطبق حق حرية المرور على المضائق. ولا يجوز زرع الألغام إلا في أوقات الحرب. وتزعم إيران أنها زرعت المتفجرات في المياه بعد بدء الغزو الأمريكي. وبعد اتفاق وقف إطلاق النار، من المفترض إعادة فتح الممر الملاحي خلال يونيو من العام 2026 على أقصى تقدير. إلا أن مشكلة الألغام البحرية التي تعيق حرية الملاحة لا تزال قائمة. ولذلك، تعهدت فرنسا وبريطانيا وألمانيا وهولندا بتوفير سفن لمهمة إزالة الألغام.
لكن لم تُبدِ إيران ولا الولايات المتحدة استجابة إيجابية لهذا العرض حتى الآن. من الناحية القانونية، تبقى مهمةٌ بمبادرةٍ فردية موضع شكٍّ كبير: فقد خلص خبير القانون الدولي تالومون من جامعة بون إلى أن: “إزالة الألغام في مضيق هرمز من قِبَل البحرية الألمانية دون موافقة الدول المجاورة أو تفويضٍ من مجلس الأمن الدولي ستكون على أساسٍ قانونيٍّ هشّ”.
صرح وزير الخارجية يوهان فاديفول بأنه يجب معرفة تفاصيل الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران قبل اتخاذ قرارٍ بشأن نشر القوات البحرية. وأضاف: “نحتاج إلى معرفة مضمون الاتفاق. نحتاج إلى معرفة ما إذا كان هناك اتفاقٌ عامٌّ على أن تتم عملية إزالة الألغام هذه هناك”.
علاوةً على ذلك، ثمة خلافٌ حول رسوم العبور المحتملة. فإيران لا تُشير إليها كرسوم جمركية، بل كـ”رسوم”، على سبيل المثال، مقابل استخدام الخدمات البحرية كالمرافق الملاحية. وقد ناقض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الأمر فورًا في قمة مجموعة السبع في فرنسا، مُعلنًا بشأن حرية المرور عبر مضيق هرمز: “سيكون مفتوحًا ومجانيًا”.
استعدادات لمهمة بحرية أوروبية في مضيق هرمز
أفاد مركز عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة (UKMTO) في العاشر من مايو 2026 أن “مقذوفًا مجهولًا” أصاب سفينة شحن قبالة سواحل قطر.وتسبب الحادث في “حريق صغير” على متن السفينة، وتم إخماده ولم يتم الإبلاغ عن وقوع إصابات أو أضرار بيئية. أعلنت المملكة المتحدة إرسال المدمرة إتش إم إس دراغون ضمن استعدادات لمهمة بحرية مشتركة مع فرنسا لحماية الملاحة التجارية في مضيق هرمز بعد توقف العمليات القتالية.
وذكرت وزارة الدفاع البريطانية أن السفينة ستكون جاهزة للمشاركة فور انتهاء الأعمال العدائية بين إيران والقوات الأمريكية والإسرائيلية. وكانت المدمرة قد انتشرت في شرق البحر المتوسط عقب تعرض قاعدة جوية بريطانية في قبرص لهجوم بطائرة مسيرة إيرانية الصنع. كما تستعد ألمانيا للمشاركة في أي تحرك بحري دولي محتمل بقيادة فرنسا وبريطانيا، حيث تدرس برلين إرسال كاسحات ألغام ومنصة قيادة ودعم ووحدات استطلاع بحرية.
تعني الاستعدادات الأوروبية لتأمين الملاحة البحرية مجموعة من الإجراءات العسكرية والأمنية والدبلوماسية التي تتخذها دول أوروبية، بشكل فردي أو ضمن تحالفات، بهدف حماية خطوط التجارة البحرية والسفن التجارية من المخاطر المتزايدة في مناطق التوتر، خصوصًا في الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر.
أولًا، من الناحية العسكرية، تشمل هذه الاستعدادات نشر سفن حربية مثل الفرقاطات والمدمرات، بالإضافة إلى كاسحات الألغام ووحدات الاستطلاع البحري. الهدف من ذلك هو حماية السفن التجارية، ومرافقتها أحيانًا، والتدخل في حال وقوع هجمات أو تهديدات مثل الطائرات المسيّرة أو الألغام البحرية أو الهجمات الصاروخية. كما يتم رفع مستوى الجاهزية لدى القوات البحرية الأوروبية بشكل عام، مع إمكانية إنشاء بعثات بحرية مشتركة بين دول مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا.
ثانيًا، هناك بعد استخباراتي وتقني، يتمثل في تعزيز تبادل المعلومات بين أجهزة الاستخبارات الأوروبية وحلفاء دوليين، لرصد التحركات العسكرية أو الأنشطة التي قد تهدد الملاحة. كما يتم استخدام أنظمة مراقبة بحرية ورادارات متقدمة لتتبع حركة السفن والطائرات المسيّرة في مناطق التوتر.
ثالثًا، يشمل الجانب السياسي والدبلوماسي التنسيق مع دول المنطقة والقوى الكبرى مثل الولايات المتحدة، من أجل منع التصعيد وضمان استمرار تدفق الطاقة والتجارة العالمية، خاصة أن الممرات البحرية مثل مضيق هرمز تُعد شريانًا أساسيًا لنقل النفط والغاز.
رابعًا، ينعكس ذلك اقتصاديًا على محاولة تقليل المخاطر على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، لأن أي اضطراب في الملاحة البحرية يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والتأمين البحري وتكاليف الشحن.


