جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ أفادت صحيفة وول ستريت جورنال أن خطة أوروبية بديلة لضمان الدفاع باستخدام الهياكل القائمة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بدأت تكتسب زخما، بعد حصولها على دعم ألمانيا ويعكس هذا التحرك قلقًا أوروبيًا متزايدا من موثوقية واشنطن، خاصة بعد تصريحات ترامب وانتقاده الحلفاء وتهديده بالانسحاب من الحلف.
وتتصدر أربع قوى أوروبية كبرى هي فرنسا وألمانيا وبولندا والمملكة المتحدة جهود إعادة صياغة منظومة الدفاع في القارة، كلٌّ وفق مقاربته وإمكاناته. فباريس تدفع بقوة نحو ترسيخ الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، مستفيدة من قدراتها النووية المستقلة، وثقلها الدولي، وقيادتها مبادرات لتعزيز الجاهزية والانتشار العسكري المشترك. في المقابل، تشهد برلين تحولا في عقيدتها الدفاعية، بعد سنوات من التحفّظ، من خلال رفع غير مسبوق للإنفاق العسكري وتحديث شامل لقدراتها.
أما بولندا، فترسّخ موقعها كخط دفاع متقدم على الجناح الشرقي للناتو، مع صعود سريع لقدراتها العسكرية. في حين تواصل المملكة المتحدة لعب دور محوري في قيادة العمليات والتنسيق العسكري داخل الحلف وعبر شبكات تعاون متعددة، رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي. ويعمل المسؤولون المعنيون بهذه الخطة -التي يطلق عليها بعضهم اسم “الناتو الأوروبي” على زيادة عدد الأوروبيين في أدوار القيادة والسيطرة داخل الحلف، وتعويض الأصول العسكرية الأميركية بإمكانات أوروبية.
ولا تهدف هذه الخطط، التي يجري تطويرها بشكل غير رسمي عبر اجتماعات جانبية ومآدب عمل داخل أروقة الحلف، إلى منافسة الناتو الحالي، بل إلى الحفاظ على الردع في مواجهة روسيا، وضمان استمرارية العمليات والمصداقية النووية، حتى في حال سحب واشنطن قواتها من أوروبا أو امتناعها عن الدفاع عنها، كما هدّد الرئيس دونالد ترامب. وتعكس هذه الخطط، التي طُرحت لأول مرة العام الماضي، حجم القلق الأوروبي من موثوقية الولايات المتحدة، وقد تسارعت بعد تهديد ترامب بالسيطرة على غرينلاند التابعة للدنمارك، كما ازدادت إلحاحًا في ظل الخلاف الحالي بشأن رفض أوروبا دعم الحرب الأميركية ضد إيران.
غير أن التحدي يبقى هائلا، إذ إن بنية الناتو تعتمد أساسا على القيادة الأميركية في معظم المستويات، من اللوجستيات والاستخبارات إلى القيادة العسكرية العليا. ويحاول الأوروبيون الآن تحمّل مزيد من هذه المسؤوليات، وهو ما طالما طالب به ترامب، حيث قال الأمين العام للحلف مارك روته إن الناتو سيكون “أكثر قيادة أوروبية”، لكن الفارق اليوم هو أن الأوروبيين يتحركون بمبادرة ذاتية، مدفوعين بتصاعد انتقادات ترامب، الذي وصف الحلفاء الأوروبيين مؤخرًا بـ”الجبناء”، واعتبر الناتو “نمرا من ورق”.
وكان ترامب قد هدد في وقت سابق من هذا الشهر بالانسحاب من الحلف بسبب رفض الحلفاء دعم حملته في إيران، رغم أن أي انسحاب يتطلب موافقة الكونغرس، ومع ذلك، يمكن للرئيس نقل القوات أو تقليص الدعم العسكري في أوروبا بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة. وقبل أسبوع، أدلى مفوض الدفاع لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو) أندريوس كوبيليوس بتصريح لافت، ألمح فيه إلى ترتيبات أوروبية لما يمكن وصفه بمرحلة ما بعد الشراكة العابرة للأطلسي. وقال إن ردّ الاتحاد الأوروبي على أزمة العلاقات مع الولايات المتحدة يجب أن يتمثل في تعزيز قدراته العسكرية الذاتية وبناء منظومة دفاع مستقلة.
من جانبه، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس بأن النقاشات داخل الناتو ليست سهلة، لكنه شدد على أن الحلف “لا غنى عنه لأوروبا والولايات المتحدة”، مضيفا أن على الأوروبيين تحمّل مسؤولية أكبر عن دفاعهم. ويشكّل التحوّل السياسي في برلين عاملا معززا لهذا الزخم، إذ إن ألمانيا التي لطالما عارضت، لعقود، الدعوات الفرنسية لتعزيز السيادة الدفاعية الأوروبية، مفضّلة الاعتماد على الولايات المتحدة كضامن رئيسي للأمن، بدأت تعيد النظر في هذا النهج.
وفي عهد المستشار فريدريش ميرتس، يتجه الموقف الألماني نحو دعم أكبر لاستقلالية القرار الدفاعي الأوروبي، مدفوعا بتصاعد الشكوك حول موثوقية الولايات المتحدة كحليف، لا سيما خلال رئاسة دونالد ترامب وما قد يليها. وخلال مؤتمر لمناسبة الذكرى الواحدة والعشرين لوكالة الدفاع الأوروبية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قال مفوض الدفاع الأوروبي “نعيش الآن في عالم تكون فيه القوة هي الحق”، وأضاف: “ردنا على هذا العالم الخطر.. الاستقلال الأوروبي والحكم الذاتي الأوروبي ومزيد من المسؤولية الأوروبية عن دفاعنا الخاص”، داعياً إلى بناء ركيزة أوروبية داخل الناتو”.
وكانت أثارت استراتيجية الأمن القومي لإدارة دونالد ترامب جدلا واسعا في أوروبا وفي مؤتمر ميونخ للأمن، بعدما خفّضت أولوية الحلفاء الأوروبيين، ودعتهم لتحمّل مسؤولية أكبر في مواجهة التهديدات، مع تشكيك ضمني في استمرارية التحالف عبر الأطلسي. وقوبلت الوثيقة بانتقادات حادة من قادة أوروبيين، بينهم أنطونيو كوستا ومانفريد فيبر، الذين اعتبروا أنها تعكس تراجع الدور الأميركي وتهديدا لطبيعة الشراكة التقليدية.
وفي هذا السياق، برز التحول السياسي في برلين كعامل حاسم في تسريع التحرك الأوروبي، إذ بدأت ألمانيا، التي طالما اعتمدت على المظلة الأميركية، في إعادة تقييم موقعها داخل حلف الناتو، رغم مخاوف أوروبية سابقة من أن يؤدي تعزيز القيادة الأوروبية إلى تقليص الدور الأميركي في القارة. وتحوّلت النقاشات إلى مسائل عملية بعد تحرك برلين، مثل إدارة الدفاعات الجوية والصاروخية، وتأمين خطوط التعزيز نحو بولندا ودول البلطيق، وشبكات الإمداد والمناورات العسكرية، وهي من أبرز التحديات المطروحة.
كما يُعدّ إعادة العمل بالتجنيد الإلزامي وتسريع إنتاج المعدات العسكرية -خصوصا في مجالات متقدمة مثل الحرب المضادة للغواصات والفضاء والتزود بالوقود جوا- من عناصر الخطة الأساسية. في هذا السياق كشف الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، وهو أحد القادة المشاركين في هذه الخطط وفق “وول ستريت جورنال” بأن “نقل العبء من الولايات المتحدة إلى أوروبا جارٍ، وسيستمر، مضيفاً أن “الأمر الأكثر أهمية هو فهم أن هذا يحدث، وأن يتم بطريقة منظمة وقابلة للسيطرة، بدلاً من أن تقوم (الولايات المتحدة) بالانسحاب بسرعة”.
ويشير مسؤولون إلى أن عملية “أوربة الناتو” بدأت بالفعل، مع تولي عدد أكبر من الأوروبيين مناصب قيادية داخل الحلف، وقيادة تدريبات عسكرية كبرى، خصوصاً في مناطق الشمال القريبة من روسيا. ورغم أن هذه الجهود تمثل تحولا جوهريا في التفكير الأوروبي، فإن تنفيذها يواجه صعوبات كبيرة، حيث ينقص الأوروبيين قدرات حاسمة في مجال الاستخبارات وأنظمة الأقمار الصناعية والمراقبة والإنذار المبكر الأميركية، ما يضع ضغوطًا إضافية على فرنسا وبريطانيا لتعزيز دوريهما النووي والاستخباراتي.


