جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
يتجه الاتحاد الأوروبي لتعزيز أمنه البحري في مواجهة تهديدات الألغام البحرية التي ما تزال تشكل خطرًا على الملاحة والبنية التحتية الحيوية الأوروبية وتعزيز الجاهزية العسكرية، ورفع كفاءة إزالة الألغام، وترسيخ التعاون الدفاعي بين الدول الأوروبية.. من خلال تطوير تقنيات دفاعية متقدمة وأنظمة غير مأهولة ضمن مشاريع مشتركة تشرف عليها وكالة الدفاع الأوروبية.
تهديدات الألغام البحرية
لا تزال الألغام في المياه الأوروبية بعيدة عن أن تكون مجرد بقايا من الماضي. ففي العام 2025 فقط، أطلقت القوات البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي تحذيرًا بشأن الألغام العائمة في البحر الأسود، بينما لا تزال الألغام غير المتفجرة تعطل حركة الملاحة البحرية وأنشطة الصيد في بحر البلطيق وبحر الشمال.
وتواصل المتفجرات التي تحملها هذه الألغام، والتي يعود معظمها إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية، تشكيل مخاطر كبيرة على السفن العسكرية والتجارية على حد سواء. ويمكن لهذه التهديدات أن تعرض حركة الملاحة للخطر، وتقوض حرية الملاحة، وتفرض تكاليف اقتصادية كبيرة على الاقتصادات الأوروبية. وهنا يبرز التكنولوجيا المتقدمة، والعمل الجماعي على مستوى أوروبا، والابتكار. ودور وكالة الدفاع الأوروبية (EDA).
مجموعة “CapTech Maritime”: مركز الخبرات البحرية
تتمثل إحدى المهام الأساسية لوكالة الدفاع الأوروبية في تشجيع التعاون في مجالات البحث والتكنولوجيا والابتكار. وتشكل مجموعات التكنولوجيا والقدرات المتخصصة الـ(15) التابعة للوكالة (CapTechs) المحرك الرئيس لأنشطة البحث والتكنولوجيا الدفاعية.
وتعد مجموعة “CapTech Maritime” المنصة التي يجتمع فيها خبراء الشؤون البحرية من مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي، إلى جانب ممثلي الصناعة والباحثين، لدفع مسيرة تطوير الدفاع البحري. فمنذ تأسيسها في السنوات الأولى للوكالة، أصبحت المركز الرئيسي للتعاون في مجال الأنظمة البحرية المأهولة وغير المأهولة، بما يشمل التصميم، والتنقل، وأنظمة الدفع، والاستقلالية، والأسلحة.
وتكمن القيمة المضافة في تجميع الموارد، فبدلًا من أن تطور كل دولة عضو حلولها بشكل منفرد، تتيح المجموعة إجراء اختبارات مشتركة، وعمليات مقارنة معيارية، ووضع معايير موحدة، بما يقلل التكاليف ويعزز قابلية التشغيل البيني.
إزالة الألغام: من البحث إلى القدرة العملياتية
يعد مشروع “إزالة الألغام الخفيفة المعيارية” (MLM) المبادرة الأبرز لمجموعة “CapTech Maritime”. وقد أطلق المشروع عام 2011، ومر بعدة مراحل، كان أحدثها مشروع “MLM II” خلال الفترة (2018-2021)، الذي ركز على تطوير تقنيات إزالة الألغام وتسليم نماذج أولية للأنظمة.
وينصب التركيز على الألغام البحرية، سواء المستقرة في قاع البحر، أو العائمة، أو المثبتة بمراسي، لما تمثله من تهديد خطير للسفن العسكرية والتجارية. وتتميز الألغام الحديثة بقدرتها على الاستجابة للإشارات الصوتية أو المغناطيسية أو الكهربائية، ما يجعلها أكثر تطورًا وصعوبة في التعطيل. ويقدم مشروع “MLM” حلًا يتمثل في استخدام أنظمة غير مأهولة تحاكي البصمات التشغيلية للسفن، بما يدفع الألغام إلى الانفجار بعيدًا عن السفن الحيوية.
شارك في المشروع شركاء صناعيون، من بينهم شركة “Patria” الفنلندية، وشركة “CTM” البولندية، اللتان وفرتا وحدات صوتية وكهرومغناطيسية متقدمة جرى اختبارها في البحر بألمانيا وأستراليا. وأوضح ممثل عن شركة “CTM”: “يشمل العمل تطوير طريقة لربط وحدات إزالة الألغام بمنصات جر غير مأهولة، وزيادة كفاءة هذه الوحدات وقدرتها على تحمل الصدمات، والمساهمة في تطوير مبادئ أنظمة إزالة الألغام غير التلامسية.”
والأهم أن المشروع تجاوز مرحلة البحث، إذ دخلت تقنياته حيز الاستخدام الفعلي، حيث: توفر شركتا “Patria” و”CTM” وحدات لتوليد البصمات الصوتية والكهرومغناطيسية لتعزيز قدرات إزالة الألغام لدى البحريتين البلجيكية والهولندية. سلمت “Patria” أيضًا أنظمة صوتية إلى البحرية النرويجية. تعاقدت ألمانيا على تطوير واختبار إضافيين لأنظمة إزالة الألغام المغناطيسية والكهربائية المدمجة.
يوضح ممثل عن شركة “Patria”: “لعب برنامج إزالة الألغام الخفيفة المعيارية التابع لوكالة الدفاع الأوروبية دورًا محوريًا في تطوير كاسحة الألغام الصوتية (SONAC ACS). ومن خلال التعاون الدولي الوثيق مع شركاء البرنامج، ساهمت الشركة في إنشاء قدرة متكاملة لإزالة الألغام.”
وأضاف: “أتاح هذا الجهد المشترك فرصًا سوقية جديدة لجميع الشركاء المشاركين، وهي فرص كان من الصعب تحقيقها بشكل منفرد. ويبحث العملاء بصورة متزايدة عن حلول متكاملة لإزالة الألغام، وقد مكن البرنامج شركة Patria وشركاءها من تلبية هذا الطلب.”
المشروع يمثل نموذجًا لجهود البحث والتكنولوجيا
يمثل هذا المشروع نموذجًا لجهود البحث والتكنولوجيا التي تقودها وكالة الدفاع الأوروبية وأسفرت عن قدرات تشغيلية اعتمدتها عدة دول أعضاء. ففي يونيو من العام 2024، أطلقت ست دول هي بلجيكا، وألمانيا، وفنلندا، وفرنسا، وبولندا، إلى جانب النرويج، مشروع “الجيل الجديد لإزالة الألغام الخفيفة المعيارية” (MLM-NG).
وتبلغ ميزانية المشروع (9.2) مليون يورو، ويمتد لمدة ثلاث سنوات، على أن يشهد تجارب بحرية واسعة النطاق في النرويج خلال العام 2026، لاختبار الأنظمة في ظروف تشغيلية حقيقية. ومن خلال اختبار هذه الأنظمة في بيئات واقعية، ستتمكن القوات البحرية المشاركة من تحديد أكثر الحلول فعالية، والتوافق بشأن احتياجاتها، والاستفادة من هذه المعرفة في توجيه قرارات شراء المعدات مستقبلًا.
يقول مدير المشروع “باتريك كليوفاس” من مؤسسة “FFI”: “في أول مشروعين من برنامج إزالة الألغام، كان يتعين وجود أفراد على متن المركبة غير المأهولة للتحكم في أنظمة الإزالة. أما في التجارب البحرية لمشروع الجيل الجديد، فستعمل الأنظمة بصورة غير مأهولة بالكامل، بينما ستتم عمليات القيادة والتحكم بواسطة أفراد موجودين على اليابسة. ويعد ذلك أحد أبرز تحديات المشروع.”
ضمان حرية حركة الملاحة البحرية الأوروبية
يوضح مشروع إزالة الألغام الخفيفة المعيارية كيف تحول مجموعة “CapTech Maritime” التابعة لوكالة الدفاع الأوروبية البحوث المشتركة إلى قوة بحرية حقيقية. فمن خلال جمع الدول الأعضاء والقطاع الصناعي، لا تطور الوكالة إجراءات متقدمة لمكافحة الألغام البحرية يمكن لبحريات الدول استخدامها فحسب، بل تضمن كذلك إمكانية استخدامها بصورة مشتركة بفضل اعتماد معايير موحدة وقابلية تشغيل بيني عالية.
ولا يقتصر الأمر على الجانب النظري، إذ تسهم أعمال وكالة الدفاع الأوروبية عمليًا في حماية التجارة، والاقتصادات، وضمان حرية الحركة الآمنة في المياه الأوروبية.
الدور الأوسع لوكالة الدفاع الأوروبية
تأسست وكالة الدفاع الأوروبية عام 2004 بهدف تعزيز التعاون الدفاعي في أوروبا، وتعمل كمركز رئيس للدول الأعضاء الراغبة في تطوير قدراتها الدفاعية بصورة مشتركة. وتشمل أنشطة الوكالة توحيد المتطلبات، وتطوير القدرات العملياتية، ودعم البحث العلمي، والتكنولوجيا، والابتكار، والتدريب، ومساندة عمليات السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي. كما تعمل الوكالة بشكل وثيق مع الصناعات الدفاعية الأوروبية بهدف تعزيز القاعدة التكنولوجية والصناعية الدفاعية للقارة الأوروبية.


