جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تكثف المفوضية الأوروبية جهودها لحماية شبكات الكابلات البحرية التي تنقل معظم بيانات الإنترنت العالمية في ظل تزايد المخاوف الأوروبية من تهديدات البنية التحتية الحيوية البحرية. وتأتي هذه الخطوات على خلفية اتهامات متكررة لروسيا بالوقوف وراء حوادث استهدفت كابلات الاتصالات في بحر البلطيق منذ اندلاع حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2022.
“مراكز إقليمية” تُكلف بمراقبة الكابلات البحرية
أعلنت المفوضية الأوروبية، في 23 يونيو من العام 2026، أنها ستخصص 8.3 ملايين يورو لإنشاء “مراكز إقليمية” تُكلف بمراقبة الكابلات البحرية وإصلاحها، في أحدث خطوة تتخذها منذ أن قررت التصدي لأعمال التخريب المزعومة التي تنفذها سفن روسية في بحر البلطيق.
ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تعرض عدد من الكابلات البحرية في بحر البلطيق للقطع، مع توجيه الاتهامات إلى روسيا بشن حرب هجينة. وجعلت مفوضة السيادة التكنولوجية هينا فيركونن، المنحدرة من فنلندا، وهي من أكثر الدول تضررًا من حوادث قطع الكابلات البحرية، هذه القضية أولويةً سياسيةً منذ توليها منصبها في عام 2024.
رصد التهديدات التي تستهدف البنية التحتية
يمر نحو 98% من إجمالي بيانات الإنترنت العالمية عبر الكابلات البحرية. ووفقًا للبيان الصحفي الصادر عن المفوضية الأوروبية، ستُخصص 5.8 ملايين يورو لمركز بحر البلطيق و3.3 ملايين يورو لمركز البحر المتوسط. وسيتولى المركز الأول التنسيقَ بقيادة فنلندا، بمشاركة الدنمارك وإستونيا وألمانيا ولاتفيا والسويد، بينما سيتولى المركز الثاني التنسيقَ بقيادة إيطاليا وبمساعدة قبرص واليونان ومالطا. وذكرت المفوضية أن هذه المراكز ستعمل على “رصد التهديدات التي تستهدف البنية التحتية للكابلات البحرية ومنعها”.
تعزيز قدرات إصلاح الكابلات
أعلنت المفوضية الأوروبية عن إطلاق دعوة لتقديم مقترحات بقيمة 40 مليون يورو لتعزيز قدرات إصلاح الكابلات في حوضي البحر المتوسط والمحيط الأطلسي. ويأتي ذلك بعد دعوات سابقة لتقديم مقترحات أطلقتها المفوضية الأوروبية بقيمة إجمالية بلغت 200 مليون يورو، بهدف تمويل كابلات بحرية إضافية لتعزيز مرونة الشبكات وتحسين قدرات الإصلاح. وبشكل إجمالي، تخطط المفوضية الأوروبية لإنفاق 347 مليون يورو على أمن الكابلات البحرية وتعزيز قدرتها على الصمود، من خلال إعادة توجيه أموال من مرفق “توصيل أوروبا”.
الهجمات الهجينة تمثل تهديدًا للكابلات البحرية
تتميز البنية الدفاعية الأيرلندية بحيادها المطلق، لكن النشاط الهجين المزعوم لروسيا ضد الكابلات البحرية يُرسخ درسًا : قد لا يُبقي الحياد دبلن خارج قائمة أهداف موسكو. تبنت دبلن الحياد باعتباره الضمانة الأمثل ضد أي تهديدات خارجية. لكن حرب أوكرانيا تُشكّل تحديًا لاستراتيجية الدفاع في بلدٍ لطالما كان إنفاقه الدفاعي أقل بكثير من 1% من الناتج المحلي الإجمالي، حيث بلغ حوالي 0.2% العام 2026. يقول سيان فيتزجيرالد، الباحث الرئيسي في معهد الشؤون الدولية والأوروبية في دبلن: “هناك اعتراف متزايد في أيرلندا بأن موقعك الجغرافي ووضعك المحايد لا يوفران الحماية”.
شبكة الكابلات البحرية لربط جانبي المحيط الأطلسي
قبل بدء حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2022، حملت مراجعة الدفاع الخاصة بدبلن رسالة: يجب أن تخضع القوات المسلحة للبلاد لإصلاح شامل لتكون قادرة على الدفاع عن البلاد، بدءًا من التوظيف وحتى التمويل وأهداف القدرات. يكمن جوهر المخاوف في شبكة الكابلات البحرية التي تعبر المياه الأيرلندية لربط جانبي المحيط الأطلسي.
في نوفمبر 2024، رُصدت سفينة “يانتار” – وهي سفينة استخبارات روسية وهي تقوم بدوريات فوق كابلات بحرية وتُشغّل ثلاث طائرات مسيّرة في البحر الأيرلندي. وفي أبريل 2026، رصد الجيش الأيرلندي وخفر السواحل قافلة من ناقلات النفط التابعة لأسطول الظل الروسي وهي تعبر المنطقة الاقتصادية الخالصة لأيرلندا. على الرغم من عدم وجود حادثة قطع مزعومة، إلا أن الاضطرابات السابقة في بحر البلطيق تثير المخاوف.
شراكة مع قوة التدخل السريع المشتركة (JEF+)
وإدراكًا للتهديد، قدمت الحكومة الأيرلندية أول استراتيجية أمنية بحرية لها على الإطلاق في فبراير 2026، حيث حددت خططًا لتعزيز الوعي بالمجال البحري الأيرلندي وإجراء اختبارات الضغط وتمارين محاكاة مع مالكي ومشغلي الكابلات البحرية. تسعى الحكومة الأيرلندية أيضًا إلى تعزيز الشراكات مع الدول المجاورة، بما في ذلك الدول العشر الأعضاء في شراكة قوة التدخل السريع المشتركة (JEF+).
وتنص الوثيقة على أن هذه الشراكة ستتيح لأيرلندا فرصًا “للاستفادة من تجاربها وأفضل ممارساتها”. أوضح فيتزجيرالد: “لقد وضعنا تلك الاستراتيجية البحرية قبل وضع استراتيجية الأمن القومي العادية كما فعلت العديد من الدول الأخرى”، مشيرًا إلى أن أيرلندا ليس لديها استراتيجية أمن جوي ولا استراتيجية أمنية هجينة.
الشرق الأوسط يضم أهم مسارات الكابلات البحرية إلى أوروبا
تضم منطقة الشرق الأوسط بعضًا من أهم مسارات الكابلات البحرية في العالم، حيث تمر الخطوط الرئيسية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب وقناة السويس ومضيق هرمز، وهي ممرات توصف بأنها “نقاط اختناق رقمية” تربط المراكز الاقتصادية في أوروبا وآسيا وأفريقيا. تسببت حوادث كابلات بحرية في البحر الأحمر خلال عام 2024 في تعطيل نحو 25% من حركة الإنترنت بين أوروبا وآسيا، ما أبرز حجم المخاطر المرتبطة بأي اضطرابات في هذه الممرات الحيوية.
تدرك إيران الأهمية الاستراتيجية للكابلات البحرية، وأن أي ضرر قد يلحق بها، سواء كان عرضيًا أو متعمدًا، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد الأوروبي والاتصالات الدولية. كما اعتبر أن البنية التحتية الرقمية أصبحت جزءًا أساسيًا من الأمن القومي والاقتصادي، بعدما كانت الأهمية سابقًا تتركز على خطوط النفط والموانئ وشبكات الطاقة.
الكابلات البحرية تمثل نقطة ضعف استراتيجية لاقتصادات أوروبا
زادت المخاوف الأوروبية بشأن أمن الكابلات البحرية للإنترنت، بعد تقارير إيرانية تحدثت عن مقترحات لفرض رسوم على مشغلي الكابلات العابرة لمضيق هرمز، مقابل السماح بمرورها عبر ما تصفه طهران بمياهها الإقليمية. وتأتي هذه التطورات في ظل تحذيرات إيرانية متزايدة من أن الكابلات البحرية في المنطقة تمثل نقطة ضعف استراتيجية لاقتصادات الشرق الأوسط وأوروبا.
تسلط هذه التطورات الضوء على البنية التحتية غير المرئية التي يقوم عليها الإنترنت العالمي، والمتمثلة في شبكة تضم أكثر من 500 كابل بحري تنقل ما يزيد على 95% من حركة البيانات الدولية. ورغم التصور الشائع بأن الإنترنت يعمل عبر “سحابة رقمية”، فإن الواقع يكشف أن الشبكة العالمية والأوروبية تعتمد على بنية مادية شديدة الحساسية وقابلة للتعطل.
تعزيز التعاون بين الاتحاد الأوروبي وأيرلندا
تنامت المطالبات بأن يكون الأمن البحري جزءًا أساسيًا من استراتيجية الأمن المستقبلية للاتحاد الأوروبي، حسبما صرحت وزيرة الدفاع هيلين ماكنتي. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تزويد الاتحاد الأوروبي بمعلومات شاملة حول التهديدات الأمنية، بدءًا من الطاقة والديمقراطية وصولًا إلى سلاسل التوريد. يمر حوالي 75% من الكابلات العابرة للمحيط الأطلسي عبر المياه الأيرلندية، مما يجعل البلاد مسؤولة عن جزء كبير من الاتصال في أوروبا.
تستضيف أيرلندا شركات تقنية كبرى مثل جوجل وأمازون، والتي تعتمد على شبكة من مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة. ويعتمد قطاع التكنولوجيا على الكابلات البحرية للإنترنت والاتصالات، وكذلك للمعاملات المالية. وهذا يجعل الهجمات على الكابلات البحرية تهديدًا ملموسًا.
ما التداعيات الاقتصادية والعسكرية؟
تعتمد الأسواق المالية الأوروبية والدولية بصورة كبيرة على تدفقات البيانات فائقة السرعة، لدعم أنظمة التداول الإلكتروني وشبكات الدفع والتحويلات المصرفية الدولية. وبالتالي، فإن أي اضطراب ولو لفترة قصيرة قد يسبب تقلبات حادة في الأسواق وتأخيرًا في المعاملات وارتفاعًا في مستويات القلق لدى المستثمرين. كما أن تزامن اضطرابات الكابلات البحرية مع أزمات جيوسياسية أو توترات في ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز أو قناة السويس قد يضاعف الضغوط على أسواق التأمين والشحن والطاقة، ويرفع مستويات عدم اليقين الاقتصادي عالميًا.
وعلى المستوى العسكري، تعتمد القوات المسلحة الحديثة بصورة أساسية على الكابلات البحرية في أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات بعيدة المدى وإدارة عمليات الطائرات المسيّرة والخطط اللوجستية. وبالتالي، فإن أي استهداف لهذه الشبكات قد يضعف فعالية العمليات العسكرية ويعقد التنسيق بين الحلفاء.
لا يعتبر تخريب الكابلات البحرية هجومًا تقليديًا واضحًا، إذ يصعب في كثير من الأحيان تحديد الجهة المسؤولة عنه، كما حدث في حوادث انقطاع الكابلات في بحر البلطيق التي ارتبطت باتهامات غير مباشرة لروسيا.
ويزيد هذا الغموض من مخاطر التصعيد وسوء التقدير بين الدول. لم تؤثر حرب إيران فقط على الأمن الإقليمي، بل ساهمت كذلك في تعطيل مشاريع كابلات بحرية جديدة، حيث يعتمد العالم الرقمي يعتمد في النهاية على بنية مادية ملموسة ومعرضة للاختراق والاضطراب. وأن أي استهداف متعمد للكابلات البحرية لن يبقى أزمة محلية، بل قد يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي والاتصالات والأمن الدولي لسنوات طويلة.


