جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ فتح المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان حاسوبه في مايو/أيار 2025، ليجد أن بريده الإلكتروني قد اختفى بالكامل، ليس اختراقا ولا عطلا تقنيا، بل عقوبات أمريكية حوّلت “مايكروسوفت” من مزود خدمة إلى أداة ضغط سياسي.
وفي تلك اللحظة أدركت أوروبا بجميع مؤسساتها أن السيادة الرقمية لم تعد ترفا فكريا، بل حالة طوارئ تشغيلية، يجب حمايتها والسيطرة عليها. ورصد برنامج “حياة ذكية” هذا التحول غير المسبوق في المشهد التقني الأوروبي، الذي انطلقت شرارته حين أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين، فجاء الرد الأمريكي بأمر تنفيذي أسقط حساب المدعي العام على مايكروسوفت وقطع وصوله إلى ملفات قضايا حساسة.
وتصرفت المحكمة بحزم فتخلت عن حزمة “مايكروسوفت أوفيس” كاملة وانتقلت إلى منصة “أوبن ديسك” الأوروبية مفتوحة المصدر. وأشعلت هذه الحادثة ثورة أوروبية أشمل، فقد تخلى الجيش النمساوي بالكامل عن خدمات “مايكروسوفت”، واستبدلت مدينة ليون الفرنسية أدواتها بأنظمة مفتوحة المصدر، في حين نقلت الحكومة الفرنسية 5 ملايين و700 ألف موظف حكومي إلى منصة “فيزيو” الحكومية بديلا عن “زووم”.
ذكاء اصطناعي أوروبي
وعلى جبهة الذكاء الاصطناعي، تقدمت شركة “ميسترال إيه آي” الفرنسية كرأس حربة أوروبية، وأطلقت الشركة تطبيق “لو شات” للهواتف، فخرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على التلفاز الوطني يحث المواطنين على تحميله بدلا من “شات جي بي تي”، ليتجاوز التطبيق مليون تحميل في أسبوعين فقط.
وبحلول سبتمبر/أيلول الماضي، جمعت “ميسترال” مليارا و700 مليون يورو عند تقييم بلغ 11.7 مليار يورو، ثم أعلنت استثمار 1.2 مليار يورو في مراكز بيانات سويدية تُفتح عام 2027. وفي إطار التحالف الأوسع، أسست فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا كيانا قانونيا غير مسبوق أُطلق في لاهاي تحت اسم “تحالف البنية التحتية الرقمية الأوروبية للمشاعات الرقمية”، يملك شخصية قانونية مستقلة وصلاحية إبرام عقود وامتلاك ملكية فكرية.
مهمته بناء مشاعات رقمية مفتوحة تغطي 5 قطاعات:
- الذكاء الاصطناعي.
- الحوسبة السحابية.
- الأمن السيبراني.
- الجيوماتكس – علم وتقنية تجميع، تحليل، تفسير، وتوزيع البيانات الجغرافية المكانية باستخدام المساحة الرقمية.
- الشبكات الاجتماعية.
تحديات جسيمة
ومن جهة أخرى، امتدت الثورة إلى الساحات الاجتماعية، إذ أطلقت المفوضية الأوروبية خادمها الرسمي على شبكة “ماستودون” اللامركزية، خالية من “خوارزميات الاستفزاز” ومن بيع البيانات للمعلنين. وتعمل بروتوكولات مفتوحة تجمع تحتها منصات تنافس “إكس” و”إنستغرام” و”يوتيوب” و”واتساب”. وتبقى التحديات جسيمة، إذ لا تزال أكثر من 70% من التقنيات الرقمية المستخدمة في أوروبا مستوردة، وتستحوذ أمريكا على 80% من القيمة السوقية التقنية العالمية مقابل 4% لأوروبا.
ورغم تقييم “ميسترال” الذي تصفه بعض التقارير بالمبهر، فإنها تظل قزما أمام عمالقة لديهم ميزانيات تشغيل تفوق اقتصادات دول بأكملها. غير أن ما تبنيه أوروبا ليس نسخة من وادي السيلكون، بل معمارية مختلفة جوهريا: اتحادية لا مركزية، مفتوحة المصدر لا مغلقة، مبنية على المعايير لا على الاحتكار، وتبقى المعركة الحقيقية ليست في استبدال تطبيق بتطبيق، بل في بناء بنية تحتية لا يملك أحد مفتاح إغلاقها.
في ضوء هذه التطورات، يبدو أن أوروبا بدأت إعادة تعريف مفهوم السيادة الرقمية على نحو عملي وحذر، بعيدًا عن أي شعارات سياسية، مع التركيز على بناء قدرات مستقلة وقابلة للتحكم داخليًا. فإجراءات المحكمة الجنائية الدولية بالتحول إلى منصة مفتوحة المصدر، واستجابة المؤسسات الحكومية والمدنية، تعكس إدراكًا بأن الاعتماد على مزوّدين خارجيين يمكن أن يتحول إلى عامل ضغط أو تهديد. وفي الوقت ذاته، يمثل مشروع “ميسترال إيه آي” والتحالف القانوني الأوروبي لتطوير البنى التحتية الرقمية خطوة استراتيجية نحو تأسيس منظومة تقنية أوروبية متكاملة، تشمل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني والجيوماتكس والشبكات الاجتماعية، مع مراعاة المبادئ الاتحادية والمفتوحة. ومع ذلك، تبقى التحديات كبيرة، إذ ما زالت أوروبا تعتمد بشكل كبير على التقنيات المستوردة، مما يجعل الانتقال إلى استقلالية رقمية حقيقية عملية طويلة ومعقدة، تتطلب تنسيقًا سياسيًا وتقنيًا متواصلاً.


