جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اعتمد الاتحاد الأوروبي لعقود طويلة، على الولايات المتحدة الأمريكية في منظومة الدفاع والأمن، في إطار شراكة عبر الأطلسي نجحت حين كانت المصالح السياسية والعسكرية متقاربة. إلا أن هذا النموذج يواجه الأعوام الأخيرة اختبارات متزايدة، في ظل تباينات متصاعدة حول ملفات استراتيجية، من بينها حرب في إيران، وقضايا التجارة، إضافة إلى الجدل المستمر بشأن مدى التزام واشنطن المستقبلي تجاه حلف شمال الأطلسي. وتشير هذه التطورات إلى أن الحليفين التقليديين قد يجدان نفسيهما في مواقف متباينة أكثر من أي وقت مضى، ما يعيد طرح سؤال الاعتماد المتبادل داخل المنظومة الغربية.
هل تتحكم التكنولوجيا في قرار أوروبا العسكري؟
بحسب التقرير السياسي الخاص الصادر عن البرلمان الأوروبي بعنوان “إطلاق العنان للاستثمار من أجل القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي”، فإن المشكلة الأساسية لا تتعلق بضعف الإنفاق الدفاعي الأوروبي، بل بطبيعة القدرات التقنية نفسها. فرغم أن الإنفاق العسكري في أوروبا يشهد ارتفاعًا ملحوظًا، وتضم القارة بعضًا من أكبر اقتصادات العالم، إلا أن الإنفاق لا يترجم تلقائيًا إلى استقلالية عسكرية، إذ إن التكنولوجيا التي يتم شراؤها هي التي تحدد مستوى القدرة الفعلية.
يشير التقرير إلى أن أنظمة الدفاع الحديثة تعتمد بشكل متزايد على البرمجيات، ووصلات الأقمار الصناعية، والتشفير، وإدارة البيانات. كما أن جزءًا كبيرًا من هذه المكونات يتم تصميمه أو التحكم فيه من قبل شركات أمريكية، وفي بعض الحالات قد يتضمن قيودًا تشغيلية تعرف بـ”مفاتيح الإيقاف”، أو يتطلب أذونات خارجية لتفعيل كامل وظائفه.
ووفقًا للتقرير، فإن أي نظام يمكن تقييده أو تعطيله من طرف خارجي لا يمكن اعتباره نظامًا ذا سيادة كاملة، ما يجعل مفهوم “الاستقلالية التشغيلية” مرتبطًا بالسيطرة الكاملة على العتاد والبرمجيات ومفاتيح التشفير.
من يتحكم فعليًا في القرار العسكري الأوروبي؟
يضيف التحليل أن هذا الواقع يعكس منطق سلاسل التوريد الحديثة، حيث تتحكم الجهة المصممة والمشغلة للبنية التحتية في مستوى الأداء والسيادة الفعلية للنظام، وهو ما يخلق فجوة هيكلية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وقد اختار الاتحاد الأوروبي هذا التوازن المعقد بسبب تفوق التكنولوجيا الأمريكية من حيث الحجم والسرعة والتكامل، خصوصًا في مجالات الفضاء والفضاء الإلكتروني والأنظمة الدقيقة، في مقابل رفض الاعتماد الاستراتيجي على الصين لأسباب سياسية وأمنية.
لكن هذا الاعتماد يفرض كلفة متزايدة، إذ تشير التجارب الأخيرة في السياسة الخارجية الأمريكية، بما في ذلك تأخيرات تسليم الأسلحة إلى أوكرانيا، إلى أن الدعم الأمريكي ليس مضمونًا دائمًا، ما يحول الاعتماد التكنولوجي إلى مخاطرة عملياتية مباشرة.
يسلط التقرير الضوء على تحدٍ إضافي يتمثل في بيئة الابتكار، حيث ترتبط الولايات المتحدة بعلاقات وثيقة بين الحكومة ورأس المال الاستثماري والصناعة، عبر نماذج مثل وحدة الابتكار الدفاعي التابعة للبنتاغون، التي تتيح تسريع شراء التكنولوجيا من خلال عقود تجريبية وإجراءات مرنة.
التكنولوجيا الأوروبية تتجه نحو بيئة أكثر مرونة
يؤدي ذلك إلى جذب الشركات الناشئة، بما فيها الأوروبية، نحو النظام الأمريكي، قبل أن تنتقل إلى الولايات المتحدة حيث تتوفر بيئة تمويل أسرع وبنية تنظيمية أكثر مرونة، وهو ما ينتج عنه انتقال تدريجي للمواهب والتكنولوجيا خارج أوروبا. وفي المقابل، يواجه الاتحاد الأوروبي تحديات مرتبطة بتشتت الأسواق وبطء إجراءات الشراء، رغم امتلاكه قاعدة علمية وصناعية قوية وجامعات مرموقة.
ووفقًا للأرقام الواردة في التقرير، ارتفع الإنفاق على البحث والتطوير في الاتحاد الأوروبي بشكل طفيف من 2.09% إلى 2.24% من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2014 و2024، في حين تبقى برامج مثل “هورايزون أوروبا” محدودة الأثر بسبب بطء التكيف وضعف الاستجابة للمتغيرات السريعة.
إعادة هيكلة الاستراتيجية الأوروبية في مجال الدفاع
في مواجهة هذه التحديات، يدعو التقرير إلى إعادة هيكلة الاستراتيجية الأوروبية في مجال الدفاع، من خلال الاستثمار في التكنولوجيا الدفاعية المحلية، وتسريع عمليات الشراء، ودعم الشركات الناشئة العاملة في مجالات الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي والاتصالات الآمنة والمواد المتقدمة.
كما يشدد على أهمية تطوير أدوات تمويل جديدة، بما في ذلك صناديق نمو متخصصة وآليات استثمار مشترك سيادية، إلى جانب تعزيز الشراكات بين الجامعات والصناعة والمستثمرين لتحويل البحث العلمي إلى مشاريع اقتصادية قابلة للنمو داخل أوروبا.
كما يدعو إلى تعاون صناعي أوسع بين الدول الأعضاء لتقليل الازدواجية وتسريع الإنتاج، في ظل أن المبادرات الحالية مثل برامج القتال الجوي المستقبلية لا تزال غير كافية لسد الفجوة التكنولوجية مع الولايات المتحدة. ويؤكد التقرير كذلك ضرورة الحفاظ على الملكية الفكرية داخل أوروبا، وتطوير معايير موحدة تسمح بدمج الشركات وتوسيع نطاق عملها داخل السوق الأوروبية الموحدة.
رغم هذه التوجهات، يشدد التحليل على أن الهدف ليس القطيعة مع الولايات المتحدة، بل إعادة توازن العلاقة داخل حلف شمال الأطلسي، بحيث يصبح الاتحاد الأوروبي أكثر قدرة على الاعتماد على نفسه، بما يعزز قوة التحالف بدلًا من إضعافه، ويضمن قدرة أوروبا على التحرك بشكل مستقل عند الضرورة ضمن بيئة أمنية عالمية أكثر تقلبًا.


