الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

أوروبا تُعيد إحياء القرصنة في البحر الأبيض المتوسط

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تتهم روسيا الاتحاد الأوروبي بتحويل طبيعة البحر الأبيض المتوسط إلى منطقة يهيمن عليها ما يشبه القراصنة، في خطوة تعكس تصعيد التوترات الجيوسياسية في المنطقة. ويأتي هذا بعدما قرر الاتحاد الأوروبي توسيع صلاحيات مهمة “إيريني” البحرية لتشمل احتجاز ومصادرة ناقلات النفط التي يُشتبه في نقلها النفط الروسي. وبينما تصف بروكسل هذه الخطوة بأنها جزء من جهودها لتشديد العقوبات على موسكو وتقليص عائداتها المالية، ترى روسيا وعدد من الخبراء أن ما يجري ليس سوى محاولة لإضفاء الشرعية على ممارسات تشبه القرصنة البحرية تحت غطاء قانوني وسياسي، مسترجعين بذلك أساليب السيطرة البحرية التي استخدمت في العصور الوسطى.

المهام التي تقوم بها أوروبا في البحر

أُطلقت مهمة “إيريني” عام 2020 بهدف مراقبة تنفيذ حظر الأمم المتحدة على توريد الأسلحة والنفط إلى ليبيا، ضمن مساعي المجتمع الدولي لمنع تفاقم الأزمة الليبية وتحجيم تدفق الأسلحة إلى الجماعات المسلحة في البلاد. إلا أن الاتحاد الأوروبي قرر اليوم توظيف هذه المهمة في إطار مختلف تمامًا. ووفقًا لرئيسة الدبلوماسية الأوروبية كايا كالاس، فإن المهمة ستُستخدم لمواجهة ما تصفه بروكسل بـ”الأسطول الخفي” الروسي، وهو شبكة من الناقلات التي تنقل النفط الروسي متجاوزةً العقوبات الغربية المفروضة على موسكو منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

وبموجب الصلاحيات الجديدة، لن تقتصر مهمة السفن الأوروبية على تفتيش الناقلات المشتبه بها، بل ستشمل أيضًا احتجازها ومصادرتها عند الضرورة. وترى بروكسل أن هذه الإجراءات تمثل تطويرًا طبيعيًا لآليات الرقابة البحرية، مستندةً إلى خبرات وتجارب دول أوروبية مختلفة في تطبيق العقوبات البحرية. ومن خلال هذه الخطوة، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز دوره كفاعل أساسي في ضبط تدفق النفط والطاقة في البحر الأبيض المتوسط، مستفيدًا من وجود القوات البحرية الأوروبية في المنطقة، والتي تشمل سفنًا وطائرات من عدة دول أعضاء.

اعتقال سفن أسطول الظل الروسي

القصة بدأت بعد أن اعترضت القوات الفرنسية في نهاية مارس/آذار ناقلة النفط “دينا” التي ترفع علم موزمبيق في طريقها من مورمانسك، وصرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن السفينة انتهكت القانون البحري وحاولت التهرب من العقوبات، قبل أن يُرفع الاحتجاز لاحقًا. ولم تكن هذه الخطوات مفاجئة بالكامل، إذ سبقتها سلسلة من عمليات الاحتجاز التي نفذتها فرنسا ضد ناقلات مرتبطة بالنفط الروسي. ففي نهاية مايو/أيار، احتجزت البحرية الفرنسية ناقلة النفط “تاغور”، معللة ذلك بخضوعها للعقوبات الدولية. وحدث ما يشبه هذا في يناير/كانون الثاني، عندما احتجزت البحرية الفرنسية ناقلة النفط “غرينش” التي كانت تبحر تحت علم مزيف، وبقيت في مرسى فوس سور مير قرب مرسيليا أقل من شهر قبل إطلاق سراحها. وفي خريف عام 2025، أفادت التقارير باحتجاز ناقلة النفط “بوراكاي” التي ترفع علم بنين قبالة سواحل سان نازير، في خطوة أخرى تعكس استعداد بعض الدول الأوروبية لاتخاذ إجراءات فردية صارمة ضد ناقلات النفط الروسية قبل تبني استراتيجية أوروبية موحدة.

توضح هذه العمليات كيف أن بعض الدول الأوروبية، وخصوصًا فرنسا، مستعدة لاتخاذ إجراءات عدائية، بينما تحرص دول أخرى على تبني نهج أكثر حذرًا أو التزام الصمت، مما يعكس التباين الداخلي في الاتحاد الأوروبي حول السياسة البحرية تجاه روسيا.

أوروبا تخنق روسيا بعقوباتها الاقتصادية

وتأتي هذه الإجراءات في سياق أوسع من العقوبات الأوروبية المتصاعدة على روسيا. فقد أقر الاتحاد الأوروبي الحزمة العشرين من العقوبات، التي تضمنت قيودًا إضافية على الخدمات البحرية المرتبطة بالنفط الروسي وعلى حركة الناقلات، فيما تجري مناقشات بشأن حزمة جديدة قد تتضمن إجراءات أكثر تشددًا على السفن التي تنقل المواد الهيدروكربونية الروسية. وتطرح هذه التطورات تساؤلات حول قدرة الاتحاد الأوروبي على فرض موقف موحد في مواجهة موسكو، خاصة في ظل تباين المصالح الوطنية بين الدول الأعضاء وتفاوت قدراتها العسكرية والاقتصادية. وهكذا يتحول البحر الأبيض المتوسط تدريجيًا إلى ساحة جديدة للصراع غير المباشر بين روسيا والاتحاد الأوروبي، حيث تتداخل الاعتبارات القانونية والاقتصادية والعسكرية في معركة مفتوحة حول حرية الملاحة والعقوبات الدولية وحدود القوة البحرية. وفي ظل غياب توافق دولي واضح بشأن هذه الإجراءات، يبقى الجدل قائمًا بين من يراها تطبيقًا مشروعًا للعقوبات ومن يعتبرها شكلًا جديدًا من أشكال القرصنة السياسية في القرن الحادي والعشرين، بينما تبقى المنطقة على وقع التوتر، متأثرة بالتحركات الاستراتيجية لكل طرف، ومستقبلها مرتبط بمدى التصعيد أو التهدئة في التعامل مع ناقلات النفط الروسية.

التحديات العسكرية واللوجستية

غير أن الوضع في البحر المتوسط يختلف عن مناطق بحرية أخرى مثل بحر البلطيق، إذ تواجه روسيا قيودًا إضافية بسبب إغلاق مضيق البوسفور أمام مرور السفن الحربية، ما يحد من قدرتها على إرسال تعزيزات بحرية جديدة إلى المنطقة. لذلك تبقى خياراتها العسكرية أكثر تعقيدًا مقارنة بمسارح بحرية أخرى، وهو ما يزيد من أهمية الحلول اللوجستية والدفاعية على مستوى حماية الناقلات مباشرة.

وفي المقابل، تنظر موسكو إلى هذه التحركات باعتبارها تجاوزًا خطيرًا للقانون الدولي. ويرى عدد من المسؤولين الروس أن منح سفن الاتحاد الأوروبي حق احتجاز ناقلات أجنبية في المياه الدولية يمثل انتهاكًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ويصفون هذه الإجراءات بأنها عودة إلى أساليب القرصنة التي عرفتها البحار في عصور سابقة، وإن كانت هذه المرة مغطاة بقرارات سياسية ومبررات قانونية. وقد شدد المسؤولون الروس على أهمية الدفاع عن مصالح الناقلات الروسية، معتبرين أن أي استيلاء أوروبي على سفنها يمثل تحديًا مباشرًا للسيادة الوطنية الروسية ويستوجب اتخاذ إجراءات مضادة.

الخطوة الأوروبية تضغط روسيا

بحثت موسكو عن وسائل للرد على هذا التطور، بما في ذلك تعزيز مرافقة السفن التجارية الروسية بواسطة القطع البحرية العسكرية، إضافة إلى تكثيف الدوريات الجوية في شرق المتوسط، والاستفادة من القواعد والمنشآت العسكرية الروسية في المنطقة، مثل القاعدة في سوريا وبعض المنشآت في شرق ليبيا. كما طرح بعض الخبراء فكرة نشر عناصر أمنية أو عسكرية على متن ناقلات النفط لضمان قدرتها على مواجهة أي محاولة احتجاز أو استيلاء. هذه الاستراتيجيات توضح مدى الحرص الروسي على حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في البحر المتوسط، وتكشف أيضًا تعقيد المشهد الأمني البحري في المنطقة.

ويشير منتقدو الخطوة الأوروبية إلى أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى فرض واقع جديد في البحر الأبيض المتوسط، مستفيدًا من وجود البنية العسكرية واللوجستية لمهمة “إيريني” دون الحاجة إلى إنشاء قوة بحرية جديدة، في حين تحاول بروكسل تعويض محدودية نتائج المهمة الأصلية المتعلقة بليبيا بتوجيهها نحو هدف جديد يتمثل في زيادة الضغوط الاقتصادية على روسيا، وهو ما يفسر الاستراتيجية الأوروبية الحالية في البحر المتوسط كجزء من صراع أشمل على الطاقة والنفوذ السياسي في المنطقة.

الخاتمة

ومع استمرار النقاش داخل الاتحاد الأوروبي حول مستقبل العقوبات المفروضة على روسيا، يبقى السؤال الأساسي متعلقًا بمدى قدرة بروكسل على فرض موقف موحد بين الدول الأعضاء. فبينما تبدو فرنسا أكثر اندفاعًا نحو تبني الإجراءات الصارمة في مواجهة ما تصفه بـ”أسطول الظل” الروسي، تتبنى دول أخرى مواقف أكثر حذرًا خشية الانزلاق نحو مواجهة بحرية مباشرة مع موسكو أو تحمل تبعات اقتصادية إضافية قد تنعكس على أسواق الطاقة والتجارة الدولية. كما أن بعض الحكومات الأوروبية تفضل عدم الانخراط بشكل كامل في هذه السياسة، إدراكًا منها لحساسية البحر الأبيض المتوسط باعتباره أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

ويعكس هذا التباين حجم الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن كيفية التعامل مع روسيا، كما يكشف عن صعوبة تحويل العقوبات الاقتصادية إلى سياسة بحرية موحدة تحظى بإجماع كامل. وفي المقابل، تسعى موسكو إلى استثمار هذه الانقسامات الأوروبية عبر تصوير الإجراءات الجديدة على أنها انتهاك للقانون الدولي ومحاولة لفرض الهيمنة على حركة الملاحة في البحر المتوسط.

وبين الرؤية الأوروبية التي تعتبر هذه الإجراءات وسيلة مشروعة لتشديد العقوبات الاقتصادية على روسيا، والرؤية الروسية التي تصفها بأنها شكل جديد من أشكال القرصنة السياسية المقنعة بغطاء قانوني، يتحول البحر الأبيض المتوسط تدريجيًا إلى ساحة جديدة للمنافسة الاستراتيجية بين الطرفين. فالمعركة لم تعد تقتصر على الجبهات العسكرية في أوكرانيا، بل امتدت إلى خطوط التجارة والطاقة والممرات البحرية، حيث يحاول كل طرف توظيف أدواته

https://hura7.com/?p=80192

الأكثر قراءة