الأكثر قراءة

أوروبا ـ الأمن السيبراني أحد ركائز الأمن والدفاع

جريدة الحرة

خاص ـ تفاقمت الخلافات بين أوروبا وروسيا، التي اتّسمت بإغلاق متبادل للقنصليات واتهامات بالتخريب، لتُصبح نموذجًا مصغّرًا للتوترات الأوسع بين حلف الناتو وروسيا. وتبرز أوروبا اليوم كمركزٍ جاذب للاستثمار في شركات الدفاع، والأمن السيبراني، ومشاريع البنية التحتية، وهي قطاعات من المتوقع أن تستفيد من تمويل الاتحاد الأوروبي، واستراتيجية الناتو الدفاعية المتقدمة، والطلب المتزايد على المرونة في مواجهة الحروب الهجينة.

الأمن السيبراني: ركيزة الدفاع في شرق أوروبا

يُعدّ الأمن السيبراني إحدى الركائز الأساسية لبناء القدرات الدفاعية في أوروبا الشرقية، حيث تعمل الشركات على تأمين شبكات الطاقة والاتصالات ضد التهديدات المدعومة من دول، وهي تهديدات تُعد بالغة الأهمية ضمن خطة الاتحاد الأوروبي “للاستعداد 2030”. وبموجب قانون الأمن السيبراني الصادر عام 2023، يُلزِم الاتحاد الأوروبي باستخدام حلول معتمدة للبنية التحتية الحيوية. ونظرًا لكون شبكات الطاقة في أوروبا الشرقية تُعد هدفًا رئيسيًا لمجموعات مثل ELECTRUM، لم يَعُد الأمن السيبراني ترفًا، بل أصبح ضرورة وجودية.

تمديد نظام العقوبات السيبرانية

في 12 مايو/أيار 2025، مدّد المجلس الأوروبي نظام العقوبات الموجهة ضد الهجمات السيبرانية لمدة عام إضافي حتى 18 مايو 2026، كما جرى تمديد الإطار القانوني الذي يتيح هذه التدابير ثلاث سنوات إضافية حتى 18 مايو 2028. وقد أُنشئ هذا الإطار في عام 2019، ويُمكّن الاتحاد من فرض تدابير تقييدية على الأفراد والكيانات المسؤولين عن هجمات إلكترونية تُشكّل تهديدًا جسيمًا للاتحاد أو لدوله الأعضاء. وتشمل العقوبات أيضًا الهجمات التي تستهدف دولًا ثالثة أو منظمات دولية، عندما تقتضي ضرورات السياسة الخارجية والأمنية المشتركة.

تضم القائمة الحالية للعقوبات 17 فردًا وأربعة كيانات، تشملهم تدابير تجميد الأصول، وحظر توفير الأموال أو الموارد الاقتصادية، بالإضافة إلى حظر السفر إلى دول الاتحاد الأوروبي. ويؤكد قرار التمديد التزام الاتحاد بردع الأنشطة السيبرانية الهجينة، ودعم النظام الدولي القائم على القواعد، وتعزيز فضاء سيبراني مفتوح وآمن ومستقر.

حماية سيادة الفضاء الرقمي

تأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد المخاوف من التهديدات السيبرانية، لاسيما الهجمات الأخيرة التي نُسبت إلى جهات مدعومة من دول، واستهدفت بنى تحتية حيوية ومؤسسات ديمقراطية داخل الاتحاد الأوروبي. ويوفر الإطار الموسّع أدوات أكثر فاعلية للاتحاد لمواجهة هذه التحديات، والدفاع عن سيادته الرقمية.

ويمثّل هذا التوجه جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز قدرة الاتحاد الأوروبي على الصمود السيبراني، وتكثيف التعاون الدولي لمواجهة التهديدات الرقمية المتزايدة. وسيواصل الاتحاد ودوله الأعضاء التنسيق مع شركائهم العالميين لضمان أمن بيئاتهم الرقمية.

التشفير ما بعد الكَمّ: استعداد لمستقبل الأمن السيبراني

بالتوازي مع هذه الخطوات، أصدرت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بدعم من المفوضية الأوروبية، خارطة طريق وجدولًا زمنيًا لاعتماد مستوى متقدم من الحماية السيبرانية يُعرف بـ”التشفير ما بعد الكم”. ويعتمد هذا النوع من التشفير على خوارزميات رياضية معقدة تُصعّب على الحواسيب الكمية المستقبلية فك تشفيرها، ويُعد إنجازًا أساسيًا لمواجهة التهديدات السيبرانية المتقدمة.

تقول هينا فيركونن، نائبة الرئيس التنفيذي للسيادة التكنولوجية والأمن والديمقراطية: “مع دخولنا عصر الكم، يُصبح التشفير ما بعد الكم ضروريًا لضمان مستوى عالٍ من الأمن السيبراني، وتحصين أنظمتنا ضد التهديدات المستقبلية. وتقدّم خارطة الطريق اتجاهًا واضحًا لتعزيز أمن البنية التحتية الرقمية بشكل راسخ”.

تتميّز تقنيات الكم بقدرتها على تنفيذ مهام معقدة والمساهمة في معالجة تحديات عالمية مثل تغيّر المناخ، ورصد الكوارث الطبيعية، وإيجاد حلول مبتكرة في قطاع الرعاية الصحية. ومع ذلك، فإن هذه القدرات قد تُستغل لتقويض أمن الاتصالات. وهنا تبرز أهمية تبنّي التشفير ما بعد الكم، بوصفه حاجزًا وقائيًا ضد تلك التهديدات المستقبلية.

تحول زمني حرج: موعد التنفيذ 2030

بحسب التوصية الصادرة عن المفوضية في 11 أبريل/نيسان 2024، يتعين على جميع الدول الأعضاء البدء بالتحول إلى التشفير ما بعد الكم بحلول نهاية عام 2026. أما بالنسبة لحماية البنى التحتية الحيوية، فينبغي الانتقال الكامل إلى التشفير الكمي بحلول نهاية عام 2030. وقد قامت مجموعة NIS للتعاون الاستراتيجي بتطوير الإطار التنفيذي المتعلق بذلك في 25 يونيو/حزيران 2025، بما ينسجم مع وتيرة التقدم السريع في الحوسبة الكمومية.

التكامل السيبراني لدول غرب البلقان

تعيش أوروبا مرحلة من الضعف الرقمي والتوترات الجيوسياسية، ما يجعل الأمن السيبراني أولوية تتجاوز البُعد الوطني لتُصبح جزءًا حاسمًا من عملية التكامل الأوروبي. وبالنسبة لدول غرب البلقان الست، فإن مواءمة سياساتها مع الإطار الأوروبي للأمن السيبراني تُعدّ ضرورة وجودية لا مجرّد إجراء تقني.

وفي هذا السياق، نُظّمت خلال عام 2025 حلقات نقاشية في تيرانا وبرلين وبروكسل لبحث سُبل تقريب دول غرب البلقان من آليات الاتحاد الأوروبي في هذا المجال. وقد دعا المشاركون إلى خطوة استراتيجية تمنح دول WB6 صفة مراقب في وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني (ENISA)، مع وضع خارطة طريق واضحة نحو العضوية الكاملة.

مراجعةً لقانون الأمن السيبراني للاتحاد الأوروبي

تُجري المفوضية الأوروبية مراجعةً لقانون الأمن السيبراني للاتحاد الأوروبي، الذي يُحدد اختصاصات ونطاق عمل وهيكلية وكالة الأمن السيبراني الأوروبية (ENISA). وتُشكّل هذه المراجعة فرصةً سانحة لإدخال الأحكام القانونية اللازمة التي تُمكّن الدول المُرشّحة للانضمام إلى الاتحاد من الحصول على صفة “مراقب”. ولن يعكس هذا التغيير الواقع الجيوسياسي المتغيّر لعملية التوسيع الأوروبية فحسب، بل سيُتيح لمجموعة دول غرب البلقان (WB6) الإسهام بفعالية في تعزيز مرونة أوروبا السيبرانية، منذ الآن، لا بعد انضمامها الرسمي.

لا تقف دول غرب البلقان على هامش المشهد الرقمي الأوروبي، بل تقع في صلب أولوياته. فالحوادث السيبرانية التي تقع في أيّ جزء من القارة لا تقتصر آثارها على النطاق المحلي فقط. وقد شكّلت الهجمات السيبرانية التي استهدفت ألبانيا عام 2022 جرس إنذار، إذ أظهرت كيف يمكن للجهات المعادية استغلال الثغرات المؤسسية ونقاط الضعف الإقليمية. وتؤدي تجزئة قدرات الأمن السيبراني في منطقة غرب البلقان إلى زيادة هشاشة الأمن الرقمي الأوروبي ككل.

ما تحتاجه المنطقة اليوم هو تكامل تشغيلي فعلي. وفي ما يتعلق بالعلاقات المتقدمة مع وكالة الأمن السيبراني الأوروبية (ENISA)، فإن ذلك يعني المشاركة في شبكات المعرفة التابعة للوكالة، والمساهمة في تطوير أطر الاعتماد، والتوافق مع معايير الاتحاد الأوروبي الخاصة بالاستجابة للحوادث السيبرانية.

ويُعدّ التكامل التدريجي مع وكالة (ENISA) المسار الأكثر فعالية لتطوير وتعزيز قدرة المنطقة على الوقاية من التهديدات السيبرانية، وكشفها، والاستجابة لها. كما يساهم في ترسيخ التوافق القانوني والمؤسسي مع معايير الاتحاد. وقد عبّر كلٌّ من قيادة الاتحاد الأوروبي وقادة الدول الأعضاء عن دعمهم لهذا التوجّه. وفي هذا السياق، تُعدّ وكالة (ENISA) الشريك المنطقي والطبيعي لقيادة هذا المسار.

أنشأت معظم دول المنطقة بالفعل هيئات وطنية للأمن السيبراني، كما اعتمدت استراتيجيات تتماشى مع توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن أمن الشبكات والمعلومات. لكن التوافق مع قانون الأمن السيبراني الأوروبي، والمشاركة الفعالة في عمل وكالة (ENISA)، يتطلّبان ما يتجاوز الإصلاحات المحلية، إذ يتطلبان الوصول المنتظم إلى المعلومات والآليات الأوروبية ذات الصلة.

ما الذي تحتاج إليه أوروبا لتعزيز التعاون السيبراني مع دول البلقان؟

ينبغي على الاتحاد الأوروبي تعديل قانون الأمن السيبراني للسماح بمنح صفة “مراقب” لدول WB6 التي تستوفي المعايير القانونية والمؤسسية الأساسية. ويُطبّق هذا النموذج حاليًا في دول من المنطقة الاقتصادية الأوروبية، مثل النرويج وآيسلندا. كما ينبغي على وكالة (ENISA) والمفوضية الأوروبية إجراء تقييمات للجدوى، وتوفير الدعم الفني لمساعدة دول WB6 في بلوغ معايير التكامل.

وينبغي كذلك وضع خارطة طريق رسمية للعضوية الكاملة، تُربط بتقدّم كل دولة على مسار الانضمام إلى الاتحاد، ومدى امتثالها للمعايير المعتمدة لدى وكالة (ENISA).

https://hura7.com/?p=61366

الأكثر قراءة