جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
يتجه الاتحاد الأوروبي نحو إعادة صياغة منظومته الأمنية والدفاعية، مع طرح إنشاء مجلس أوروبي للأمن وربطه بتطوير اتحاد دفاع أوروبي أكثر تكاملًا. ويتزامن ذلك مع توجه لتعزيز المشتريات الدفاعية المشتركة وتحديث الصناعة البحرية الأوروبية، في ظل تصاعد التهديدات الهجينة والمخاطر التي تواجه البنية التحتية وسلاسل الإمداد. وتعكس هذه التحركات مساعي أوروبية لتعزيز الجاهزية الدفاعية والصناعية، وتوسيع التعاون مع شركاء أوروبيين ودوليين في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.
مجلس أوروبي للأمن قد يقود الدفاع
دافع أندريوس كوبليوس، مفوض الدفاع الأوروبي، في الأول من أكتوبر من العام 2026 أمام أعضاء البرلمان الأوروبي عن مقترحات رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بشأن الدفاع الأوروبي الواردة في خطاب حالة الاتحاد، معتبرًا أن الخطاب يمثل اختراقًا مهمًا رغم عدم منح قضايا الدفاع مساحة أكبر. وقال مفوض الدفاع إن فون دير لاين فتحت الباب أمام تغيير مؤسسي كبير، مشيرًا إلى دعوتها لإنشاء مجلس أوروبي للأمن.
وتابع كوبليوس أمام لجنة الدفاع في البرلمان الأوروبي: “من وجهة نظري، يمثل بيان رئيسة المفوضية اختراقًا مهمًا في مجال الدفاع الأوروبي، خصوصًا فيما أسميه الجاهزية الدفاعية المؤسسية”. وقدم كوبليوس تصورًا أكثر تفصيلًا للشكل الذي يمكن أن تبدو عليه البنية المقترحة. وقال: “من وجهة نظري الشخصية، فإن إنشاء مجلس أوروبي للأمن واتحاد دفاع أوروبي يرتبطان ارتباطًا وثيقًا للغاية”.
وأضاف أن مجلس الأمن “يمكن أن يكون هيئة قيادية لاتحاد الدفاع الأوروبي”، إلى جانب جمعية عامة أوسع تضم جميع الأعضاء. وأوضح أن البنية المقترحة ستحتاج إلى تجاوز حدود الاتحاد الأوروبي، من خلال إشراك شركاء مثل المملكة المتحدة وأوكرانيا والنرويج وكندا، مع إنشاء آلية أكثر فاعلية لاتخاذ القرارات. لكن كوبليوس شدد على أن النموذج لم يتم الانتهاء منه بعد.
وقال: “ستأتي، بالطبع، المزيد من الوضوح مع استراتيجية الأمن الأوروبية، على الأرجح بحلول نهاية أكتوبر. علينا الانتظار حتى ذلك الحين لرؤية الشكل الدقيق للبنية الجديدة”. كما قال المفوض لأعضاء البرلمان الأوروبي إن السلطة التنفيذية للاتحاد الأوروبي ستقدم مراجعة لتوجيه المشتريات الدفاعية في أواخر نوفمبر أو أوائل ديسمبر 2026، مؤكدًا بذلك وثيقة جرى توزيعها على المشرعين الأوروبيين قبل كلمته واطلعت عليها “Rapporteur”.
وتطرق كوبليوس إلى ما قدمه باعتباره إنجازات للمفوضية، لكنه أعرب عن أسفه لأن برنامج “الإجراء الأمني لأوروبا” (SAFE)، الذي تبلغ قيمته 150 مليار يورو، لم يؤد حتى الآن إلى التأثير المطلوب. وقال: “هذا لا يترجم إلى تغيير حقيقي في سلوك الدول الأعضاء”.
وأضاف أن إقناع العواصم الأوروبية بتنفيذ عمليات شراء مشتركة كان “مهمة صعبة للغاية”. وكانت المفوضية قد قالت في وقت سابق إن نحو 65% من خطط العمل الوطنية مخصصة للمشتريات المشتركة. وقال كوبليوس إن مبلغ 20 مليار يورو المتبقي من الأموال سيُوجه إلى مشاريع مشتركة مع أوكرانيا، مشيرًا إلى مشروع “Freyja”، وهو مشروع أوروبي واسع النطاق للدفاع ضد الصواريخ الباليستية تقوده أوكرانيا.
تحديث توجيهات المشتريات الدفاعية
من المقرر الكشف عن تحديث توجيهات الاتحاد الأوروبي بشأن المشتريات الدفاعية في أواخر نوفمبر أو أوائل ديسمبر من العام 2026، وفقًا لما أعلنه أندريوس كوبليوس أمام أعضاء البرلمان الأوروبي أمس، في الوقت الذي دعا فيه هو والجنرال البولندي بيورتر بواشوش إلى تعزيز استجابة أوروبا لروسيا وقال كوبليوس إن المراجعة ستأتي في الوقت الذي يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى تحسين المشتريات المشتركة،
وقال الجنرال البولندي بيورتر بواشوش، برتبة فريق، بشكل منفصل أمام أعضاء لجنة الأمن والدفاع في البرلمان الأوروبي، إن الدول الأوروبية ينبغي أن “تشدد” لهجتها تجاه موسكو، وأن تستخدم العقوبات بصورة أكثر حسمًا، مع تجنب المواجهة المباشرة. ودعا بدلًا من ذلك إلى أن تعمل أوروبا على خلق “معضلات استراتيجية” أمام روسيا، من خلال استهداف نقاط الضعف لديها، بما في ذلك أسطول الظل والثغرات في نظام العقوبات.
تعزيز الصناعة البحرية
أكد المركز الأوروبي للسياسات في الأول من أكتوبر من العام 2026 أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى تنفيذ استراتيجيته الصناعية البحرية الأوروبية بسرعة، وضمان دعم مالي مستدام للقطاع ضمن موازنته المقبلة، في ظل تصاعد التهديدات التي تواجه الشحن والبنية التحتية البحرية وسلاسل الإمداد في أوروبا. وأدت الاضطرابات في البحر الأسود والبحر الأحمر والخليج إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية ومنتجات الطاقة، بينما كشفت أعمال التخريب في بحر البلطيق مدى هشاشة البنية التحتية البحرية.
وأظهرت هذه التطورات مجتمعة مدى اعتماد أوروبا اقتصاديًا على البحار، ومحدودية قدرتها على حمايتها. وقال مركز الأبحاث، الذي يتخذ من بروكسل مقرًا له، في أحدث موجز للسياسات، إن الأسلحة الدقيقة منخفضة التكلفة والطائرات المسيرة وغيرها من الأنظمة غير المأهولة تعمل على تغيير طبيعة الحرب البحرية، وتتيح للقوات العسكرية والجهات من غير الدول تحقيق تأثيرات نارية واسعة النطاق.
تحتاج القوات البحرية الأوروبية إلى الجمع بين المنصات التقليدية وأعداد أكبر من الأنظمة المترابطة وغير المأهولة والوحدات القابلة للتعديل، إلى جانب قاعدة صناعية قادرة على دعم العمليات طويلة الأمد. لكن القطاع البحري الأوروبي يواجه تحديات متعددة، وفقًا للمركز الأوروبي للسياسات، من بينها ضعف التعاون والتنسيق الصناعي، وغياب نهج مشترك لتصميم الأساطيل، مع استمرار هيمنة السفن التقليدية مرتفعة التكلفة على أساطيل القوات البحرية، إلى جانب الاعتماد على المعدات المصنعة في الخارج، ونقص الموظفين، وغياب الأولوية الشاملة للقطاع. ويعد المجال البحري واحدًا من تسعة مجالات ذات أولوية حددتها المفوضية الأوروبية باعتبارها تحتاج إلى تطوير وإنفاق مشتركين.
ولمعالجة هذه التحديات، يدعو المركز الأوروبي للسياسات إلى أن يوفر صندوق التنافسية الأوروبي، المقترح ضمن الإطار المالي متعدد السنوات للفترة 2028-2034، تمويلًا موثوقًا للصناعات البحرية والتقنيات البحرية العسكرية، مع اعتبار قدرات أحواض بناء السفن وسلاسل الإمداد البحرية والتصنيع مزدوج الاستخدام بنية تحتية دفاعية حيوية.
كما يدعو المركز إلى تحديد حد أدنى مضمون للاستثمار في البحث والتطوير الدفاعي، بما يشمل دعمًا مخصصًا للحرب البحرية وتحت سطح البحر، إلى جانب الأنظمة البحرية التي تعمل عبر مجالات متعددة. ويحذر التقرير من أنه “من دون حد أدنى مالي محمي ومعايير أهلية قوية، فإن القاعدة التكنولوجية والصناعية البحرية الأوروبية قد لا تكون قادرة على تلبية الطلب على المشتريات الضرورية لتحقيق أهداف الجاهزية الدفاعية لعام 2030”.
كما اقترح المركز الأوروبي للسياسات إنشاء وحدة متخصصة للأمن الاقتصادي البحري داخل المفوضية الأوروبية، في إطار منظومة الأمن الاقتصادي للاتحاد الأوروبي. وستتولى هذه الوحدة مراقبة نقاط الضعف في أسواق بناء السفن العالمية، ورصد المنافسة المدعومة من حكومات أجنبية، وتحديد أوجه الاعتماد في سلاسل الإمداد البحرية الحيوية ونقاط الاختناق الاستراتيجية.
وينبغي للاتحاد الأوروبي أيضًا أن يستخدم بصورة أكبر أدوات الدفاع التجاري، وفقًا للتقرير، بما في ذلك إجراءات مكافحة الإغراق والدعم الحكومي عندما تهدد تشوهات السوق القدرة الصناعية البحرية الأوروبية. ويقترح التقرير كذلك وضع إطار للملكية الفكرية في المجال البحري لحماية التكنولوجيا البحرية والعسكرية الأوروبية من السرقة والنقل غير المصرح به.


