جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تكشف الخلافات بين قادة الاتحاد الأوروبي حول التواصل مع موسكو عن استمرار الانقسام بشأن إدارة الملف الأوكراني. وبينما تدفع بعض العواصم نحو قيادة جماعية للمسار الدبلوماسي، يتمسك آخرون بدور مؤسسات الاتحاد، ما يعيد طرح خلاف قديم حول من يمثل أوروبا في القضايا الدولية الكبرى.
الاتحاد الأوروبي منقسم حول مفاوضات حرب أوكرانيا
مد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا جسور التواصل مع موسكو، لكنه واجه اعتراضًا حادًا من المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ولم يلق ذلك ترحيبًا لدى جميع الدول الأعضاء الـ27. فمَن سيكون صوت أوروبا في نهاية المطاف الذي ينبغي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاتصال به إذا أراد التفاوض بشأن إنهاء الحرب في أوكرانيا؟.
يبدو أن الاتحاد الأوروبي منقسم حول هذه المسألة. فقد تعرض رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا لانتقادات خلال قمة الاتحاد الأوروبي بعد أن أجرى فريقه اتصالات مع موسكو، حيث سارع كل من المستشار الألماني فريدريش ميرز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى كبح هذه المبادرة.
يرغب الزعيمان، إلى جانب المملكة المتحدة التي لم تعد عضوًا في الاتحاد الأوروبي، في الاحتفاظ بدور القيادة في الجهود الأوروبية لتحقيق السلام. ومع ذلك، يحظى كوستا كذلك بدعم بعض القادة الأوروبيين.
أكد ميرز عقب القمة إنه من المبكر تحديد من سيجلس في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات. وأضاف: “يجب أولًا الاتفاق على المضمون، ثم مناقشة الأطر والصيغ المناسبة”. وأكد أن أوكرانيا طلبت صراحةً أن تؤدي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، المعروفة باسم مجموعة “E3″، دورًا في العملية الدبلوماسية. كما أشار إلى أن إيطاليا وبولندا ستكونان منخرطتين بشكل وثيق في هذه الجهود، بينما يؤدي كوستا “دورًا مهمًا” في تنظيم المشاورات داخل الاتحاد الأوروبي.
كوستا يدافع عن مبادرته
برر كوستا اتصالاته مع موسكو قائلًا: “لا يمكننا الاعتماد فقط على الآخرين في تفسير الرسائل الروسية، ويجب أن نكون قادرين على إيصال رسائلنا مباشرة إلى روسيا”. وأضاف كوستا أن سوء الفهم الذي نشأ حول هذه القضية أمكن توضيحه خلال المناقشات.
وأكد أنه لا يرى أي تناقض أو منافسة بين مختلف الجهات الفاعلة، بل إنها تكمل بعضها البعض. وأوضح أن الدول الأعضاء و”تحالف الراغبين” بقيادة فرنسا وبريطانيا سيكون لهما دور في تقديم الضمانات الأمنية، لكن مصالح الاتحاد الأوروبي يجب أن تدافع عنها مؤسساته وفقًا للمعاهدات الأوروبية.
اتصالات مع موسكو تشعل الخلاف
بدأت الأزمة بعد إجراء مستشار كوستا الرئيسي، بيدرو لورتي، محادثتين مع موسكو. وقد كُشف عن هذه الخطوة غير المنسقة مسبقًا مع قادة الدول والحكومات عبر تقرير لوكالة بلومبرغ، بينما كانت دول مجموعة السبع تحتفي بوحدتها بشأن أوكرانيا.
وكان ميرز قد تحدث آنذاك عن “وحدة أوروبية وأطلسية كبيرة”. وأكد مقربون من كوستا أن الهدف كان فقط فتح قنوات دبلوماسية دون الخوض في القضايا الجوهرية، أي أنها كانت خطوة تقنية بحتة. وخلال مناقشات القمة، دافع كوستا عن هذه المبادرة باعتبارها استعدادًا لتمثيل مصالح الاتحاد الأوروبي عندما يحين الوقت المناسب.
لم يشارك ميرز وماكرون، وهما من أبرز قادة الاتحاد الأوروبي، هذا الرأي. فقد وصفت الأوساط الألمانية مبادرة كوستا بأنها “غير منسقة” و”غير مهنية”، بل اعتبرها البعض “إهانة سياسية”. وخلال مناقشات القمة، رفض ميرز منح كوستا أي تفويض تفاوضي، مؤكدًا أن رئيس المجلس الأوروبي يمثل الاتحاد الأوروبي لكنه ليس وسيطًا في النزاع الأوكراني.
أما ماكرون فلم ينتقد كوستا علنًا، واكتفى بالقول إن معرفة تفاصيل المبادرة ليست القضية الأساسية، مشددًا على أن العمل يجري في إطار من الثقة المتبادلة بين القادة الأوروبيين ومؤسسات الاتحاد. في المقابل، دافع رئيس الوزراء الإيرلندي عن خطوة كوستا، معتبرًا أن فتح قناة حوار مع موسكو ليس خطأ، ومؤكدًا ثقته في رئيس المجلس الأوروبي. وأضاف رئيس الوزراء الإيرلندي أنه إذا بدأت مفاوضات رسمية، فمن الطبيعي أن يمثل كوستا الاتحاد الأوروبي ضمن صلاحياته المؤسسية.
مشكلة أوروبية قديمة
تكشف هذه الأزمة مجددًا عن إحدى المشكلات المزمنة داخل الاتحاد الأوروبي، وهي غياب صوت موحد في السياسة الخارجية. فهناك تباينات واضحة بين الدول الأعضاء بشأن عدد من القضايا الدولية، من بينها الحرب في أوكرانيا والعلاقة مع إسرائيل. كما تعيد إلى الواجهة السؤال الشهير المنسوب إلى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كسنجر: “من الذي يجب أن أتصل به إذا أردت التحدث إلى أوروبا؟”
انتكاسة لمبادرة ميرتس وماكرون وستارمر
يرى ميرز وماكرون أن الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب الأوكرانية يجب أن تقودها الدول الأكثر دعمًا لكييف، أي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. وكانت هذه الدول قد أطلقت مؤخرًا مبادرة جديدة خلال اجتماع في لندن بدعوة من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وبمشاركة الرئيس الأوكراني فولديمير زيلينيسكي بهدف تنشيط المسار الدبلوماسي المتعثر.
لكن الخلاف الذي ظهر خلال قمة الاتحاد الأوروبي يمثل انتكاسة لهذه المبادرة، كما طغى على قرار مهم اتخذه القادة الأوروبيون لإرسال رسالة حزم إلى موسكو، حيث اتفقوا لأول مرة على تمديد العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا لمدة 12 شهرًا بدلًا من 6 أشهر فقط. ويُعد ذلك تحولًا لافتًا بعد أن كان رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان يعارض التمديد السنوي للعقوبات في السنوات الماضية.


