جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تطرح العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة في المرحلة الراهنة مجموعة من التساؤلات حول طبيعة التحالف القائم بين الطرفين، ومدى قدرة الدول الأوروبية على اتخاذ مواقف مستقلة تجاه السياسات الأمريكية. فمهما بلغ رفض الأوروبيين لبعض سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومهما تنامى شعورهم بثقل الاعتماد على الولايات المتحدة، فإنهم ما زالوا يجدون أنفسهم أمام واقع يفرض عليهم التعامل مع واشنطن، في انتظار تغير محتمل في السياسة الأمريكية بعد انتهاء ولاية ترامب.
الدعاية والبروباغندا الروسية
ومن المنظور الروسي، تحظى هذه العلاقة باهتمام خاص، إذ يرى عدد من الكتاب والمثقفين والإعلاميين الروس أن أوروبا أصبحت تعاني من ضعف واضح أمام الهيمنة الأمريكية، وأن اعتمادها على الولايات المتحدة، ولا سيما في المجالين الأمني والعسكري، جعل قدرتها على اتخاذ مواقف مستقلة محدودة. ولذلك تُقدَّم العلاقة بين الطرفين في بعض الخطابات الروسية باعتبارها علاقة بين حليف قوي يمتلك أدوات التأثير، في مقابل حلفاء أوروبيين يجدون صعوبة في الخروج عن الإطار الذي تفرضه واشنطن.
وقد بدت هذه الصورة واضحة، وفق النص، خلال قمة حلف الناتو في أنقرة، حيث ظهر القادة الأوروبيون وكأن هدفهم الأساسي هو تجنب إغضاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واسترضاؤه. فقد حاول المشاركون الأوروبيون مراعاة مواقفه وتجنب الدخول في مواجهة مباشرة معه، في الوقت الذي أعلن فيه ترامب لدى وصوله خيبة أمله من التحالف، وأكد أن أحد أسباب حضوره القمة يعود إلى استضافة صديقه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لها.
الروس يصبون الزيت على النار
أثار ترامب قضية غرينلاند، وهي إقليم تابع للدنمارك، وأعلن رغبته في ضمها إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي وضع دولة عضوًا في حلف الناتو أمام موقف حساس. كما اتخذ موقفًا تجاه إسبانيا بسبب رفضها السماح لواشنطن باستخدام قواعد أمريكية على أراضيها في العملية ضد إيران، واصفًا مدريد بأنها شريك سيئ للغاية.
وأمام هذه المواقف، يبرز السؤال حول قدرة القادة الأوروبيين على مواجهة الرئيس الأمريكي بصورة علنية ووضع حدود لسياساته. فالقادة الأوروبيون يوجهون مواقف قوية تجاه روسيا وإسرائيل، وأحيانًا تجاه الصين، إلا أنهم، بحسب النص، يتعاملون مع ترامب بحذر واضح، حتى عندما تكون مواقفه تجاههم صريحة وحادة. ورغم أن بعض القادة الأوروبيين عبّروا عن مواقف رافضة، مثل رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن في قضية غرينلاند، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني التي أكدت أن إيطاليا لا تتوسل إلى أحد، فإن هذه المواقف لم تتحول إلى مواجهة أوروبية موحدة ومباشرة مع واشنطن.
السلوك الأوروبي الضعيف من وجهة نظر روسيا
ويفسر النص هذا السلوك الأوروبي بالخوف من الفوضى والنتائج التي يمكن أن تترتب على الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. ويستند في ذلك إلى رأي وزير العمل الأمريكي السابق روبرت رايش، الذي يرى أن قوة ترامب ترتبط باستعداده لتجاوز الأعراف والقواعد والقوانين التي حكمت سلوك الرؤساء الأمريكيين سابقًا، الأمر الذي دفع قادة الدول الأوروبية إلى التعامل معه بحذر خشية ما يمكن أن يفعله إذا لم يحصل على ما يريد.
غير أن هذا الخوف يأتي في ظل تراجع واضح في وحدة الغرب الجماعي. فقد أعلن ترامب حربًا تجارية على حلفائه، ورفض تقديم الدعم لهم في أوكرانيا، في حين اتخذ الأوروبيون مواقف مختلفة تجاه الحرب الأمريكية مع إيران. كما أظهر الرئيس الأمريكي موقفًا سلبيًا تجاه المؤسسة الأوروبية، ووصف الاتحاد الأوروبي بأنه عدو، بينما أقام علاقات مع أحزاب اليمين واليمين المتطرف في أوروبا.
الغطرسة الأمريكية والتعامل مع أوروبا: وجهة نظر روسيا
بدأت تظهر داخل الولايات المتحدة نفسها توجهات تدعو إلى تقليل الانخراط الخارجي والتركيز على الشؤون الداخلية. ويتزايد عدد الأمريكيين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، الذين يرون أن على الولايات المتحدة الاهتمام بمشكلاتها الداخلية، واعتماد سياسات حمائية لحماية الصناعات المحلية، إلى جانب مطالبة أوروبا بتحمل مسؤولية الدفاع عن نفسها عسكريًا واستخدام مواردها الذاتية.
تباعد المصالح الأوروبية والأمريكية
ويعكس ذلك تباعدًا متزايدًا بين المصالح الأمريكية والأوروبية ورؤية كل طرف للعالم. ويبدو أن فترة ترامب سرعت هذا التباعد، وجعلت الخلافات القائمة بين الطرفين أكثر وضوحًا. وفي الوقت نفسه، بدأ الأوروبيون منذ أشهر الاستعداد لما يمكن وصفه بمرحلة أكبر من الاستقلال الاستراتيجي، من خلال زيادة الإنفاق العسكري، وتطوير برامجهم الصاروخية، واستحداث مواقع ومؤسسات أوروبية مرتبطة بالدفاع، إلى جانب تعزيز القدرات النووية الأوروبية.
وتبرز فرنسا في هذا السياق باعتبارها الدولة الأوروبية التي تمتلك قدرات نووية، وقد تبنت توجهات تهدف إلى حماية حلفائها في أوروبا الشرقية باستخدام مظلتها النووية. إلا أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، لا تعني أن أوروبا أصبحت قادرة على تحقيق استقلال كامل عن الولايات المتحدة.
سؤال روسيا حول عجز أوروبا عن المواجهة
ومن هنا يطرح النص سؤالًا أساسيًا: لماذا تعجز أوروبا، رغم حديثها المتكرر عن الاستقلال، عن اتباع سياسة مستقلة حتى في مواجهة ما تعتبره وقاحة أمريكية؟ وهل يعود ذلك إلى اعتقاد بعض السياسيين الأوروبيين بأن أوروبا غير مستعدة بعد للدفاع عن نفسها بصورة مستقلة؟
ويرى النص أن المشكلة لا ترتبط فقط بعدم الاستعداد العسكري، وإنما تتصل أساسًا بمسألة الوحدة الأوروبية. فالاستقلال الحقيقي يحتاج إلى وحدة سياسية واستراتيجية، وهو ما يتطلب تحول الاتحاد الأوروبي إلى كيان أكثر تكاملًا، تكون فيه المؤسسات الأوروبية قادرة على اتخاذ قرارات موحدة في السياسة الخارجية والدفاع والاقتصاد. غير أن هذا الأمر يصطدم برفض العديد من النخب الوطنية الأوروبية التخلي عن صلاحياتها لصالح المؤسسات الأوروبية، كما أن قطاعات واسعة من الشعوب الأوروبية لا تزال تصوت بصورة متزايدة للأحزاب المشككة في الاتحاد الأوروبي، بل إن بعضها يدعو صراحة إلى الخروج منه.
فشل أوروبا والانضواء تحت المظلة الأمريكية
ويعيد النص هذا الوضع إلى فشل عقود من التكامل الأوروبي في بناء هوية أوروبية فوق وطنية موحدة. ولذلك فإن أي دولة أوروبية منفردة، حتى ألمانيا، لا تستطيع تحقيق استقلال كامل عن الولايات المتحدة. كما أن الدول الأوروبية الأصغر ترى في الوجود الأمريكي داخل أوروبا عامل حماية من هيمنة القوى الأوروبية الكبرى، وضمانة لعدم تحول ألمانيا إلى قوة مهيمنة داخل الاتحاد الأوروبي، خصوصًا مع تنامي قدراتها العسكرية.
المفارقة الأوروبية من المنظور الروسي
في النهاية، تحاول روسيا القول إن العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة تكشف عن مفارقة واضحة بين الطرفين؛ فأوروبا تسعى إلى الاستقلال الاستراتيجي وتعمل على تطوير قدراتها الدفاعية، لكنها في الوقت نفسه لا تزال بحاجة إلى المظلة الأمريكية. ومن ثم، مهما بلغ رفض الأوروبيين لترامب، ومهما شعروا بثقل اعتمادهم على الولايات المتحدة، فإنهم يجدون أنفسهم مضطرين إلى التعامل مع الواقع القائم وانتظار تغير محتمل في السياسة الأمريكية بعد رحيله، على أمل أن يأتي رئيس أمريكي جديد يدير العلاقة مع أوروبا دون الأسلوب التصادمي والإهانات التي ميزت مرحلة ترامب.


