الأكثر قراءة

أوروبا وروسيا ـ صراع الإرادة ومأزق التسوية في أوكرانيا

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

تواجه أوروبا معضلة استراتيجية متزايدة بشأن حرب أوكرانيا، في ظل تمسكها بالتفاوض من “موقع قوة” واستمرار دعم كييف عسكريًا واقتصاديًا. وفي المقابل، تراهن موسكو على قدرتها على تحمل العقوبات والاستنزاف العسكري، معتبرة أن عامل الوقت قد يعمل لصالحها. ويكشف هذا التباين عن فجوة متنامية بين موازين القوة في ساحة المعركة وفرص تحقيق تسوية دبلوماسية.

دعم كييف عسكريًا، وإضعاف روسيا اقتصاديًا

أصر القادة الأوروبيون منذ العام 2023 على أن أي تسوية نهائية محتملة لحرب أوكرانيا يجب أن يتم التفاوض بشأنها من موقع قوة. وكان المنطق واضحًا ومباشرًا: دعم كييف عسكريًا، وإضعاف روسيا اقتصاديًا من خلال العقوبات، وزيادة الضغوط إلى أن تخلص موسكو إلى أن التسوية أفضل من استمرار الصراع. قد قدم الكرملين تقييمًا صريحًا لهذه الاستراتيجية، وهو تقييم تفضل صانعة القرار الأوروبية عدم سماعه.

فقد وصف المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، متحدثًا باسم الرئيس فلاديمير بوتين، إصرار أوروبا على التفاوض من “موقع قوة” بأنه أحد أكبر الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة “كييف بوست” تصريحاته، التي اتسمت بنبرة رافضة، إذ صوّرت بروكسل على أنها تتمسك برؤية متقادمة بصورة متزايدة لنفوذها. وبغض النظر عن قبول رواية موسكو من عدمه، فإن هذه التصريحات تستحق دراسة أعمق، لأنها تكشف كيفية رؤية الكرملين لتطور موازين القوى الاستراتيجية.

المعادلة العسكرية المتغيرة

لا يزال المشهد العسكري متغيرًا. وتواصل أوكرانيا إظهار قدرة لافتة على الصمود، لا سيما من خلال الضربات بعيدة المدى بالطائرات المسيّرة ضد البنية التحتية الروسية للطاقة والخدمات اللوجستية العسكرية. وقد فرضت هذه الهجمات تكاليف حقيقية على موسكو، في الوقت الذي أظهرت فيه قدرة كييف على الابتكار رغم محدودية مواردها.

لكن روسيا تكيفت كذلك. فقد توسعت صناعتها الدفاعية بصورة كبيرة منذ عام 2022، وأصبحت تنتج قذائف المدفعية والصواريخ والطائرات المسيّرة بوتيرة قلل العديد من المحللين الغربيين من تقديرها. كما نقلت موسكو اقتصادها بصورة متزايدة إلى حالة اقتصاد الحرب، بالتزامن مع تطوير علاقات تجارية بديلة مع دول خارج نظام العقوبات الغربية.

ولا يعني ذلك أن الاقتصاد الروسي خال من الضغوط. فما زال التضخم مرتفعًا، ويستمر نقص العمالة، بينما تواصل العقوبات تعقيد الوصول إلى التقنيات والاستثمارات المتقدمة. ومع ذلك، فإن الانهيار الاقتصادي الذي توقعه العديد من المراقبين الغربيين لم يتحقق.

وهذا الواقع يؤثر حتمًا في الدبلوماسية. فالمفاوضات نادرًا ما تتحدد بالاستناد إلى الحجج القانونية أو المطالب الأخلاقية وحدها، وإنما تعكس موازين القوة النسبية، والزخم العسكري، والقدرة على الصمود السياسي.

المعضلة الاستراتيجية الأوروبية

تواجه الحكومات الأوروبية الآن عملية موازنة صعبة. فمن ناحية، فإن التخلي عن دعم أوكرانيا سيقوض الأمن الأوروبي ومصداقية الردع الذي يقدمه حلف شمال الأطلسي على الجبهة الشرقية. كما أن السماح بتحقيق مكاسب إقليمية من خلال القوة سيؤسس سابقة خطيرة، مع تداعيات تتجاوز أوروبا الشرقية بكثير. ومن ناحية أخرى، فإن استمرار المساعدات العسكرية إلى أجل غير مسمى يفرض تكاليف سياسية ومالية متزايدة.

وترتفع ميزانيات الدفاع في مختلف أنحاء أوروبا بصورة حادة، مع إعادة الحكومات بناء قدرات أهملت لعقود. كما أصبح الناخبون أكثر وعيًا بالتكاليف الاقتصادية البديلة، ولا سيما في ظل تباطؤ النمو واستمرار التضخم. لكن هذا لا يعني بالضرورة تراجع التصميم الأوروبي.

بل إن التهديد الروسي ربما حقق عكس الهدف الذي سعت إليه موسكو في الأصل. فقد توسع حلف شمال الأطلسي، وتسارعت وتيرة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، وأعادت دول مثل ألمانيا تقييم سياساتها الأمنية بصورة جوهرية. غير أن الوحدة الاستراتيجية لا تتحول تلقائيًا إلى نفوذ دبلوماسي.

ثقة موسكو

يبدو أن تصريحات بيسكوف موجهة إلى عدة أطراف. فعلى المستوى الدولي، تعزز هذه التصريحات الرواية الروسية القائلة إن العقوبات الغربية فشلت في إجبار موسكو على تقديم تنازلات جوهرية. وعلى المستوى الداخلي، تعزز رواية الكرملين التي تقول إن روسيا تنجح في مقاومة جهد غربي منسق لاحتوائها. ولا ينبغي قبول أي من الرسالتين دون تمحيص. فما زالت روسيا تتكبد خسائر عسكرية كبيرة، بينما تقيد العقوبات التنمية التكنولوجية والاستثمارات على المدى الطويل.

ومع ذلك، من الواضح أن موسكو تعتقد أن عامل الوقت لا يزال في صالحها. وقد تكون هذه الثقة في غير محلها. فالتاريخ يضم أمثلة عديدة على حروب تغير فيها الزخم الظاهري بصورة مفاجئة نتيجة الاستنزاف الاقتصادي، أو التغير السياسي، أو الابتكار التكنولوجي. ومع ذلك، يمكن للثقة بحد ذاتها أن تصبح عاملًا استراتيجيًا مهمًا. فإذا كان القادة الروس يعتقدون بالفعل أن موقفهم يتحسن، فإن استعدادهم لتقديم تنازلات يتراجع حتمًا.

الجمود الدبلوماسي

تكمن المشكلة الأساسية التي تواجه جميع الأطراف في أن المنطق العسكري والمنطق الدبلوماسي يتجهان بصورة متزايدة نحو مسارين مختلفين. تسعى أوكرانيا، بصورة مفهومة، إلى الحصول على ضمانات أمنية قبل قبول أي تسوية. وتسعى روسيا إلى الاعتراف بالمكاسب الإقليمية التي حققتها بالقوة العسكرية.

وتصر أوروبا على أن القانون الدولي لا يمكن ببساطة إعادة صياغته من خلال الحرب. وتترك هذه المواقف مساحة ضيقة للغاية أمام أي مفاوضات ذات مغزى. وطالما يعتقد كل من كييف وموسكو أن التطورات المستقبلية في ساحة المعركة قد تحسن موقفيهما التفاوضيين، فإن حوافز التسوية ستظل ضعيفة. وهذا يساعد على تفسير سبب تعثر مبادرات السلام بصورة متكررة، رغم تزايد القلق الدولي بشأن التداعيات الاقتصادية العالمية للصراع.

ما وراء الخطاب

ينبغي لصانعي السياسات الأوروبيين مقاومة إغراء تجاهل تصريحات بيسكوف باعتبارها مجرد دعاية، أو اعتبارها دليلًا على أن روسيا غير قابلة للهزيمة. وعوضًا عن ذلك، ينبغي النظر إليها باعتبارها مؤشرًا على الطريقة التي تنظر بها موسكو حاليًا إلى البيئة الاستراتيجية. فالدبلوماسية تعتمد على التصورات بقدر اعتمادها على الواقع الموضوعي.

وإذا كان الكرملين يعتقد أن أوروبا تفتقر إلى الوحدة أو القدرة على الاستمرار في فرض الضغوط، فمن الطبيعي أن يحسب أن إطالة أمد الصراع تخدم المصالح الروسية. وبالنسبة إلى أوروبا، فإن التحدي يتجاوز توفير الأسلحة أو تشديد العقوبات.

إذ يتعين عليها إثبات أن التماسك السياسي يمكن أن يصمد لسنوات وليس لأشهر فقط. وسيتطلب ذلك قدرة أكبر على الإنتاج الدفاعي، وتنسيقًا أكثر اتساقًا للسياسات، وتحديدًا أوضح للأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد.

صراع القدرة على الصمود

في نهاية المطاف، فإن التبادل بين بروكسل وموسكو يتجاوز بكثير حدود الخطاب السياسي. فهو يعكس تقييمين مختلفين بصورة جوهرية للاتجاه الذي يسير فيه التاريخ. ويرى القادة الأوروبيون أن استمرار الضغوط الاقتصادية، والدعم العسكري لأوكرانيا، والوحدة السياسية، ستجبر روسيا في نهاية المطاف على الدخول في مفاوضات جادة. بينما يرى الكرملين العكس تمامًا، إذ يعتقد أن أوروبا بالغت في تقدير نفوذها، وقللت من قدرة روسيا على تحمل الضغوط.

ولم يثبت أي من الطرحين بصورة حاسمة حتى الآن. لكن ما أصبح واضحًا بصورة متزايدة هو أن الدبلوماسية لا يمكن فصلها عن الأحداث في ساحة المعركة. وإلى أن يخلص أحد الطرفين إلى أن استمرار القتال يوفر مزايا أقل من التسوية، فمن المرجح أن تظل المفاوضات طموحًا أكثر منها عملية جوهرية.

وقد يكون انتقاد بيسكوف لموقف أوروبا القائم على “موقع القوة” أقل ارتباطًا برفض الدبلوماسية، وأكثر تعبيرًا عن حقيقة غير مريحة، وهي أن تصورات القوة في الحروب الحديثة غالبًا ما تحدد ما إذا كانت الدبلوماسية ستبدأ أصلًا.

https://hura7.com/?p=83199

الأكثر قراءة