جريدة الحرة بيروت

بقلم : حازم سعيد مدونة الكاتب حازم سعيد
أعادت الزيارة المفاجئة لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، جون راتكليف، إلى موسكو، النقاش حول طبيعة الدور الأمريكي في أمن أوروبا ومستقبل العلاقة بين واشنطن وحلف الناتو. ورغم أن تفاصيل الزيارة بقيت محدودة، فإنها جاءت في توقيت حساس، وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد المخاوف الأوروبية من أن تسعى روسيا إلى اختبار تماسك الحلف.
أكدت موسكو أن راتكليف أجرى محادثات مع مسؤولين في الاستخبارات الروسية، بينما قلل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أهمية الزيارة ووصفها بأنها “شبه روتينية”. في المقابل، أفادت تقارير أمريكية بأن الزيارة تضمنت تحذيرًا لروسيا من مهاجمة دول أعضاء في الناتو، ولا سيما دول البلطيق. كما رجحت تقديرات أخرى أن تكون ملفات الحرب في أوكرانيا وإيران والعلاقات الأمريكية الروسية حاضرة في المحادثات.
أهمية الزيارة لا ترتبط فقط بما قيل خلالها، وإنما كذلك بالرسالة التي يمكن أن تحملها. فإرسال مسؤول استخباراتي أمريكي رفيع إلى موسكو في ظل التوترات الحالية يشير إلى أن واشنطن لا تزال تعتبر قنوات الاتصال مع روسيا ضرورية لإدارة المخاطر ومنع سوء التقدير. وفي الوقت نفسه، فإن التحذير المحتمل بشأن الناتو يعكس حرصًا على إبقاء الردع قائمًا، حتى مع استمرار النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن تقليص أو إعادة توزيع أعباء الدفاع الأوروبي.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في السياسة الأمريكية الحالية. فواشنطن تضغط على الدول الأوروبية لتحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة للتخلي عن دورها داخل منظومة الأمن الأطلسية. ويشير استمرار الاتصالات العسكرية والاستخباراتية والتعاون مع الحلفاء إلى أن انتقال جزء أكبر من العبء الدفاعي إلى أوروبا لا يعني بالضرورة انسحاب الولايات المتحدة من القارة.
في المقابل، ينبغي الحذر من المبالغة في تفسير التهديد الروسي. فقد أكد مسؤول في الناتو مؤخرًا أن الحلف لا يرى تهديدًا وشيكًا بشن هجوم روسي مباشر على إحدى دوله، رغم تزايد الأنشطة الهجينة والهجمات على أوكرانيا. كما أفادت تقارير بأن مسؤولين أوروبيين لا يرون أدلة على استعداد روسيا لشن هجوم تقليدي على الناتو أو إحدى دول البلطيق، ما يفتح المجال أمام تفسيرات متعددة لأهداف زيارة راتكليف.
مع ذلك، لا يعني غياب تهديد عسكري وشيك أن المخاطر الأوروبية محدودة. فالهجمات السيبرانية وأعمال التخريب والتدخلات السياسية وحملات التضليل تمثل تحديات مستمرة، وقد تكون وسيلة لاختبار قدرة الحكومات والمجتمعات على الصمود دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
قد تكون الرسالة الأهم من زيارة موسكو أن العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة وأوروبا تمر بمرحلة إعادة تنظيم، وليس بالضرورة مرحلة انفصال. وبينما تريد واشنطن من الأوروبيين تحمل مسؤولية أكبر، تظل مصالح الطرفين مرتبطة بقدرة الناتو على الردع والحفاظ على قنوات الاتصال مع موسكو. وفي النهاية، ستحدد التطورات في أوكرانيا وسلوك روسيا ومدى التزام الولايات المتحدة بأوروبا ما إذا كان هذا التحول سيؤدي إلى تحالف أطلسي أكثر توازنًا أم إلى فجوة أمنية جديدة.


