د. خالد العزّي
جريدة الحرة ـ بيروت
شهدت الأسابيع الماضية من الشهر الجاري تصعيداً كبيراً في هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية داخل عمق الأراضي الروسية، بما في ذلك موسكو، بيلغورود، وكورسك، إضافة إلى استهداف منشآت نفطية وبُنى تحتية حيوية. وقد جاء الرد الروسي بالمثل، عبر هجمات تصعيدية على الأراضي الأوكرانية.
هذا التصعيد شمل زيادة ملحوظة في العمليات العسكرية الميدانية، حيث تتبادل القوات الأوكرانية والروسية الهجمات، لا سيما في مناطق مثل دونباس وجنوب أوكرانيا. كما رُصدت تعزيزات عسكرية روسية قرب الحدود الأوكرانية، إلى جانب تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة والهجمات الصاروخية على البنية التحتية المدنية والعسكرية داخل أوكرانيا.
في هذا السياق، عبّر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، عن موقف الحلف من التصعيد الحاصل، مؤكداً دعم الناتو لأوكرانيا وسعيه لإحلال السلام. وقال: “الناتو لا يزال حلفاً دفاعياً، لكن أي اعتداء علينا سيقابَل بردّ قوي، سواء من روسيا أو من غيرها. وروسيا قد تهاجم الحلف خلال خمسة أعوام”. وأضاف روته: “تعهّد الناتو في قمة واشنطن بأن تصبح أوكرانيا عضواً في الحلف في المستقبل”.
بدوره، أعلن رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، أن قادة مجموعة الدول السبع سيناقشون خلال القمة المرتقبة ملف “السلام العادل” في أوكرانيا.
من جهة أخرى، فإن دعوة الناتو لأوكرانيا لحضور القمة المقبلة في لاهاي، أواخر هذا الشهر، تُعدّ انعكاساً لعدة أبعاد استراتيجية وسياسية مهمة. ومن أبرز ما يمكن استنتاجه:
- سياسي قوي لأوكرانيا: تشير هذه الدعوة إلى تأكيد الدعم السياسي والعسكري من حلف شمال الأطلسي لأوكرانيا، خصوصاً في ظل الصراع القائم مع روسيا. ويُعزز حضور كييف في القمة من مكانتها كشريك استراتيجي رئيسي.
- رسالة ردع إلى روسيا: يشكل قبول كييف للدعوة رسالة واضحة من الحلف بأنّه يدعم سيادة أوكرانيا ولا يقبل المساس بها، وهو ما قد يشكّل عامل ضغط إضافي على موسكو.
- تعزيز التعاون العسكري والأمني: يمكن أن تفتح المشاركة الأوكرانية أبواباً لمزيد من الدعم العسكري والتدريب والتنسيق الأمني، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والدفاع الصاروخي.
- أبعاد دبلوماسية أوسع: وجود أوكرانيا على طاولة النقاشات الإقليمية والدولية يمنحها فرصاً أكبر لتعزيز حضورها الدبلوماسي والحصول على دعم إضافي من الحلفاء.
- تأثير على العلاقة بين الناتو وروسيا: قد تُسهم هذه الخطوة في زيادة التوتر بين الناتو وروسيا، إذ تراها موسكو جزءاً من سياسة توسع تهدد مصالحها، ما قد يدفعها إلى ردود فعل أكثر حدة.

موقف الاتحاد الأوروبي من التصعيد الأخير
رداً على التصعيد العسكري الأخير، أدان الاتحاد الأوروبي بشدة التصرفات الروسية، معتبِراً إياها انتهاكاً صارخاً لسيادة أوكرانيا ولمبادئ القانون الدولي. وأكد قادة الدول الأوروبية دعمهم الكامل لأوكرانيا في مواجهة هذا العدوان، معبّرين عن استعدادهم لتقديم جميع أشكال الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري، بهدف تعزيز قدرة كييف على الدفاع عن أراضيها.
وقد شهدت العلاقة بين روسيا وأوكرانيا تصعيداً عسكرياً حاداً في الآونة الأخيرة، مما أثار قلقاً واسعاً في المجتمع الدولي، لا سيما داخل أوروبا، التي تُعدّ من أكثر المناطق تأثراً بالأزمة. وفي هذا السياق، اتخذت الدول الأوروبية موقفاً واضحاً وحاسماً يعكس التزامها بدعم أوكرانيا ورفضها القاطع للسياسات الروسية.
من هنا، يتّضح أنّ العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا تمرّ في الوقت الراهن بواحدة من أسوأ مراحلها منذ نهاية الحرب الباردة، نتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا، التي دفعت الطرفين إلى مسارين متناقضين بالكامل.
فأوروبا، التي كانت تسعى في السابق إلى بناء شراكة استراتيجية مع روسيا في مجالات الطاقة والتجارة والأمن، أصبحت اليوم فاعلاً رئيسياً في دعم أوكرانيا على المستويين السياسي والعسكري، كما فرضت حُزَماً غير مسبوقة من العقوبات الاقتصادية على موسكو، طالت قطاعات الطاقة، والقطاع المالي، والنقل.
في المقابل، لجأت روسيا إلى استخدام سلاح الطاقة كورقة ضغط على أوروبا، من خلال تقليص إمدادات الغاز، في محاولة لضرب التماسك الداخلي للاتحاد. كما عززت موسكو علاقاتها مع خصوم الغرب التقليديين مثل الصين وإيران، في إطار مسعاها لإعادة تشكيل ميزان القوى العالمي.
ولا يقتصر تدهور العلاقات على الخلاف بشأن أوكرانيا، بل يعكس صراعاً أعمق حول طبيعة النظام الدولي وحدود النفوذ الروسي في أوروبا الشرقية. وفي ظل غياب الحوار المباشر، وتصاعد وتيرة التسلّح، تتجه العلاقة نحو مرحلة طويلة من القطيعة والتوتر الاستراتيجي، يُرجّح أن تستمر لسنوات حتى بعد انتهاء الحرب.
العلاقات الأوروبية-الروسية المتوترة
تتسم العلاقة بين أوروبا وروسيا حالياً بالتوتر والصدام، نتيجة الحرب في أوكرانيا. إذ تفرض أوروبا عقوبات مشددة على موسكو، وتقدم دعماً عسكرياً وسياسياً كبيراً لكييف، فيما تردّ روسيا باستخدام أدوات الطاقة والضغط السياسي، في ظل انقطاع شبه كامل للحوار الاستراتيجي بين الطرفين.
لذلك، يمكن قراءة الموقف الأوروبي من التصعيد الأخير بين روسيا وأوكرانيا بوصفه موقفاً يتسم بالجدّية والحرص على دعم أوكرانيا واحتواء التوترات، ويمكن تلخيصه في النقاط التالية:
- الإدانة القوية للتصعيد: أدان الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء بشدّة التصعيد العسكري الروسي، واعتبروه انتهاكاً صارخاً لسيادة أوكرانيا ومبادئ القانون الدولي. كما تم التأكيد على ضرورة احترام الحدود الدولية، وحلّ النزاعات بالوسائل السلمية والدبلوماسية.
- تقديم الدعم السياسي والعسكري لأوكرانيا: عبّر الاتحاد الأوروبي عن دعمه الكامل لأوكرانيا، بما في ذلك تقديم المساعدات المالية والعسكرية. وقد قامت بعض الدول الأوروبية بزيادة شحنات الأسلحة وتكثيف برامج تدريب القوات الأوكرانية بهدف تعزيز قدرتها الدفاعية.
- تشديد العقوبات على روسيا: فرض الاتحاد الأوروبي حزماً جديدة من العقوبات الاقتصادية على روسيا، استهدفت قطاعات الطاقة، والبنوك، والشركات المرتبطة بالحكومة الروسية. وتهدف هذه العقوبات إلى الضغط على موسكو لوقف العمليات العسكرية، والعودة إلى طاولة الحوار.
- الجهود الدبلوماسية: يواصل الاتحاد الأوروبي دعم المبادرات الدبلوماسية، سواء من خلال قنواته الخاصة أو عبر المنظمات الدولية، بهدف تحريك عملية السلام رغم التصعيد المتواصل. لا تزال أوروبا تسعى إلى إيجاد حلول سياسية تنهي النزاع المستمر.
- القلق من تداعيات التصعيد: يعبّر الأوروبيون عن قلقهم المتزايد من تداعيات النزاع على الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي، لا سيما فيما يخص إمدادات الطاقة والغذاء. ويعمل الاتحاد الأوروبي على تنسيق الجهود داخلياً للتعامل مع هذه التحديات والتقليل من أثرها على المواطنين الأوروبيين.
الجهود الدبلوماسية والإنسانية
رغم تصاعد التوترات العسكرية، لم تتوقف أوروبا عن دعم المساعي الدبلوماسية الهادفة إلى إيجاد حل سلمي للنزاع، سواء عبر القنوات الرسمية أو من خلال دعم المنظمات الدولية. كما ضاعف الاتحاد الأوروبي من جهوده لتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة للمتضررين من الحرب، بمن فيهم النازحون واللاجئون.
تحدّيات وآفاق المستقبل
يواجه الموقف الأوروبي تحديات متعدّدة، أبرزها توحيد المواقف بين الدول الأعضاء، في ظل تباين مستويات الدعم والتفاعل مع الأزمة. كما أن التصعيد يؤثّر سلباً على الاقتصاد الأوروبي، لا سيما فيما يتعلق بأمن الطاقة والغذاء، مما يزيد من الضغوط الداخلية على الحكومات الأوروبية.
ومع ذلك، يظل الاتحاد الأوروبي ملتزماً بدعم أوكرانيا، والعمل على استقرار المنطقة، مع مراقبة مستمرة للتطورات، ودراسة كافة الخيارات المتاحة للحفاظ على الأمن والسلام في أوروبا.
العقوبات الأوروبية القادمة ضد روسيا
في إطار زيادة الضغط على موسكو، فرض الاتحاد الأوروبي حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية طالت قطاعات حيوية، من بينها الطاقة، والبنوك، والصناعات المرتبطة بالدولة الروسية. وتهدف هذه العقوبات إلى تقييد قدرة روسيا على تمويل عملياتها العسكرية، ودفعها إلى الانخراط في حوار جاد لإنهاء النزاع.
الولايات المتحدة والانضمام إلى العقوبات الأوروبية
تُعدّ الولايات المتحدة من أبرز الداعمين للموقف الأوروبي في ما يخصّ تشديد العقوبات على روسيا، خصوصاً بعد التصعيد الأخير في أوكرانيا. فمنذ بداية الأزمة، أظهرت واشنطن موقفاً حازماً تجاه موسكو، وفرضت عدة حزم من العقوبات الاقتصادية التي استهدفت قطاعات استراتيجية، مثل الطاقة، والمالية، والصناعات الدفاعية.
ومن المرجّح أن تواصل الولايات المتحدة تنسيقها الوثيق مع الاتحاد الأوروبي في مضمار العقوبات، لا سيما إذا استمر التصعيد العسكري الروسي. إذ ترى الإدارة الأميركية أن الضغط الاقتصادي يشكّل إحدى أبرز الأدوات لردع موسكو ودفعها إلى التراجع.
ومع ذلك، لا بد من الأخذ في الاعتبار جملة من العوامل، من بينها التأثيرات المحتملة للعقوبات على الاقتصاد العالمي والأسواق المالية، ولا سيّما في ما يتعلّق بأسعار الطاقة والغذاء. كما تبرز الحاجة إلى تنسيق دولي واسع النطاق لضمان فعالية العقوبات، وتفادي تكرار الثغرات التي قد تُفقدها جدواها.
الولايات المتحدة ليست فقط منضوية تحت الموقف الأوروبي، بل من المرجّح أن تكون شريكاً رئيسياً في توسيع وتعميق العقوبات، في حال استمر التصعيد.


