الأكثر قراءة

أوكرانيا: احتجاجات على أزمة التعبئة أم صراع داخل مؤسسات الدولة؟

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تشهد أوكرانيا مرحلة جديدة من التوتر السياسي والعسكري، بعدما تحولت إقالة وزير الدفاع ميخائيل فيودوروف إلى شرارة لاحتجاجات شعبية في عدد من المدن الأوكرانية، وسط مطالب بإصلاحات عميقة داخل الجيش ونظام التعبئة العسكرية، وفي ظل تصاعد الحديث عن وجود خلافات داخل القيادة العسكرية والسياسية في كييف.

وجاءت هذه التطورات بعد موافقة البرلمان الأوكراني في 16 تموز على تعيين سيرغي كورتسكي رئيسًا جديدًا للحكومة خلفًا ليوليا سفيريدينكو. وكان كورتسكي، الرئيس السابق لشركة “نافتوغاز”، يُصنّف ضمن فئة المسؤولين التكنوقراط الذين يمتلكون خبرة إدارية واقتصادية بعيدًا عن الانتماءات السياسية التقليدية.

إلا أن تغيير الحكومة لم يمرّ بهدوء، إذ أثارت إقالة وزير الدفاع ميخائيل فيودوروف موجة من الاحتجاجات في العاصمة كييف وعدد من المدن الأوكرانية، حيث خرج محتجون يحملون مطالب مكتوبة على لافتات ورقية، وأطلق عليهم في بعض وسائل الإعلام اسم “أصحاب الكرتون”، في إشارة إلى استخدامهم بطاقات صغيرة لعرض مطالبهم.

أزمة التعبئة العسكرية في صلب الاحتجاجات

بحسب عدد من المحللين الأوكرانيين، فإن الاحتجاجات لا ترتبط فقط بشخص وزير الدفاع المقال، بل تعكس حالة أوسع من الاستياء الشعبي تجاه ملف إصلاح نظام التعبئة العسكرية، المعروف بمراكز التجنيد والتعبئة والخدمات الاجتماعية، والتي كانت تعرف سابقًا بمكاتب التجنيد العسكري. وشهدت مدن عدة، بينها كييف، لفيف، بولتافا، لوتسك، دنيبرو، أوديسا، ميكولايف، إيفانو فرانكيفسك، ترنوبل، تشيرنيهيف، كريفوي روغ وزابوريجيا، تحركات احتجاجية تعبر عن مطالب بتغيير طريقة إدارة الجيش ومعالجة الاختلالات المرتبطة بملف التعبئة.

ويرى بعض المحللين أن هذه التحركات لا تخضع لتوجيه سياسي مباشر، بل تعكس شعورًا متزايدًا لدى المواطنين بأن استمرار الحرب لفترة طويلة فرض أعباء كبيرة على المجتمع، وأن ملف التعبئة أصبح من أكثر القضايا حساسية داخل الدولة الأوكرانية. فمع استمرار الحرب، باتت عملية تجنيد الجنود وإدارة الموارد البشرية داخل الجيش مرتبطة بشكل مباشر بثقة المواطنين بالدولة، خصوصًا في ظل شكاوى تتعلق بالبيروقراطية والفساد وضعف الشفافية في بعض المؤسسات.

خلاف بين وزارة الدفاع والقيادة العسكرية

كان من أبرز الملفات التي ظهرت بعد إقالة فيودوروف الخلاف بين وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية، وعلى رأسها القائد العام للجيش أولكسندر سيرسكي. وأكد فيودوروف وجود خلافات مع سيرسكي، مشيرًا إلى أن هيئة الأركان، بحسب قوله، عرقلت بعض المبادرات التي طرحتها وزارة الدفاع. وأضاف أنه بعد قرار الرئيس فولوديمير زيلينسكي الإبقاء على سيرسكي في منصبه، وافق على مواصلة العمل معه، لكنه واجه لاحقًا مقاومة لمشاريعه.

وقال فيودوروف إن معالجة مشاكل الجيش، وخاصة ملف التعبئة، تحتاج إلى تغييرات واسعة داخل المؤسسة العسكرية، بما في ذلك إعادة النظر في طريقة إدارة هيئة الأركان ومراكز التعبئة. كما أكد أن حل أزمة التعبئة لا يمكن أن يتم من دون “عقد اجتماعي جديد” بين الدولة والمواطنين، يوضح العلاقة بين الواجبات العسكرية وحقوق المواطنين، ويعيد بناء الثقة بين الطرفين.

زيلينسكي بين الجيش والسياسة والإصلاحات

تشير تقارير إعلامية أوكرانية إلى أن الرئيس فولوديمير زيلينسكي وجد نفسه أمام أزمة ثلاثية الأبعاد. فمن جهة، هناك المؤسسة العسكرية والجنرالات الذين لا يرغبون في الدخول في مواجهة داخلية في ظل استمرار الحرب، ومن جهة أخرى هناك الحاجة إلى إصلاحات عميقة داخل الجيش تتعلق بالشفافية والإدارة. أما الجانب الثالث فيرتبط بالمجمع العسكري والصناعي في الغرب، الذي أصبح شريكًا أساسيًا لأوكرانيا من خلال الدعم العسكري واللوجستي، لكنه يرتبط أيضًا بملفات تتعلق بإدارة المساعدات والموارد القادمة إلى أوكرانيا.

ويرى مؤيدو فيودوروف أن تحميله مسؤولية فشل إصلاح نظام مراكز التعبئة لا يعكس حقيقة المشكلة، لأن الأزمة أعمق من شخص الوزير، وترتبط بنظام بيروقراطي متراكم ومشكلات فساد داخل بعض المؤسسات.

ويشير هؤلاء إلى أن فيودوروف، خلال فترة توليه وزارة الدفاع، أحدث تغييرات واضحة، خصوصًا في مجال التكنولوجيا العسكرية والإمدادات وتطوير بعض القدرات الدفاعية، ما عزز شعبيته داخل شرائح من المجتمع والجيش. ومن هذا المنطلق، فإن إقالته لا تُقرأ فقط كقرار إداري، بل كجزء من توازنات سياسية داخل الدولة الأوكرانية.

ويرى مراقبون أن زيلينسكي لم يكن يريد فتح مواجهة مباشرة مع الجنرالات في هذا الوقت، لأن أي صراع داخلي داخل المؤسسة العسكرية قد ينعكس على أداء الجبهة. كما أنه لا يريد الدخول في مواجهة مع شركائه الغربيين في مرحلة تحتاج فيها أوكرانيا إلى استمرار تدفق الذخائر والدعم العسكري. ولهذا قد تكون إقالة الحكومة وإعادة تشكيلها محاولة لتجنب صراع مفتوح بين مراكز القوة المختلفة.

وفي هذا السياق، فإن مستقبل فيودوروف السياسي قد يكون مختلفًا، خصوصًا بعد رفضه عرض الرئيس الأوكراني بأن يصبح مستشارًا له، مفضلًا الاستمرار في العمل السياسي من موقع مستقل. وهذا قد يجعله شخصية مؤثرة في الحياة السياسية الأوكرانية المقبلة.

تعيين مسؤول أمني لقيادة وزارة الدفاع

بعد إقالة فيودوروف، تم تعيين رئيس جهاز الأمن الأوكراني يفغيني خمار قائمًا بأعمال وزير الدفاع. ويُنظر إلى خمار باعتباره شخصية أمنية وعسكرية بارزة، إذ سبق له قيادة مركز العمليات الخاصة “أ”، ويرتبط اسمه بعمليات خاصة نفذتها أوكرانيا خلال الحرب. ويأتي تعيين شخصية أمنية على رأس وزارة الدفاع في مرحلة تواجه فيها القوات الأوكرانية تحديات كبيرة على الجبهات، وسط الحاجة إلى إعادة تنظيم المؤسسات العسكرية وضبط العلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية.

حكومة جديدة وسط ضغوط داخلية

أما رئيس الوزراء الجديد سيرغي كورتسكي، فقد حذر خلال كلمته أمام البرلمان من أن الشتاء المقبل قد يكون أكثر صعوبة من الشتاء السابق، في إشارة إلى التحديات المرتبطة بالطاقة والبنية التحتية والاقتصاد. وكان زيلينسكي قد أعلن في 12 تموز 2026 نيته إقالة رئيسة الوزراء السابقة يوليا سفيريدينكو، قبل أن يصادق البرلمان على القرار ويبدأ تشكيل حكومة جديدة. ويرى بعض المراقبين أن كثرة التغييرات داخل السلطة الأوكرانية خلال فترة الحرب قد تؤثر على الاستقرار السياسي، خصوصًا إذا كانت نتيجة خلافات بين مراكز النفوذ أكثر مما هي نتيجة خطة إصلاحية واضحة.

صراع النخب ومستقبل المؤسسة العسكرية

تكشف التطورات الأخيرة في أوكرانيا عن وجود توتر داخل مراكز القرار، خصوصًا بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية. فالحرب الطويلة فرضت ضغوطًا كبيرة على الجيش والمجتمع، وأصبحت قضايا التعبئة، وإدارة الموارد، والشفافية داخل المؤسسات العسكرية، من الملفات التي تحدد قدرة الدولة على مواصلة الحرب. ويعتقد بعض المحللين أن الخلاف بين فيودوروف وسيرسكي لا يمثل مجرد خلاف شخصي، بل يعكس صراعًا أعمق حول طريقة إدارة الحرب ومستقبل المؤسسة العسكرية الأوكرانية.

وفي النهاية، فإن الاحتجاجات التي شهدتها المدن الأوكرانية لا تعبر فقط عن رفض قرار إقالة وزير الدفاع، بل تكشف عن قلق أوسع داخل المجتمع بشأن مسار الحرب، ومستقبل الجيش، والعلاقة بين الدولة والمواطن في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب المستمرة.

https://hura7.com/?p=81760

الأكثر قراءة