جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تسعى أوكرانيا جاهدةً إلى تعزيز موقعها داخل منظومة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ليس فقط عبر مطلب الانضمام الرسمي إلى الحلف، بل أيضًا من خلال ما تسميه “البوابة الأمامية”، وهي آلية تهدف إلى تسهيل وصولها إلى الأسلحة وتعزيز التعاون الدفاعي مع الدول الأعضاء.
وقد أظهرت أعمال اليوم الأول من قمة الناتو التي عُقدت على مدى يومين في أنقرة أن طبيعة العلاقة بين الحلف وأوكرانيا قد تشهد تغييرات مهمة، في ظل التوتر المتزايد بين بعض الدول الأوروبية والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب الرغبة في رفع مستوى الدعم العسكري المقدم لكييف.
ومن أبرز التحولات المتوقعة تزايد دور الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو في تزويد أوكرانيا بالأسلحة، بحيث يتم تصنيع وصيانة جزء كبير من المعدات العسكرية في أوروبا. ورغم أن الولايات المتحدة ستبقى المورد العسكري الرئيسي لأوكرانيا، فإن هذا التوجه قد يساهم في تخفيف حدة الاحتكاكات بين واشنطن والعواصم الأوروبية بشأن ملف الدعم العسكري.
أجواء متوترة قبل وصول ترامب
بحسب تقارير إعلامية، من بينها شبكة CNN، وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أنقرة في أجواء اتسمت بالتوتر. وأشارت تلك التقارير إلى أن أسباب ذلك تضمنت استياء ترامب من مواقف بعض حلفائه في الناتو، إضافة إلى قضايا أخرى أثرت في مزاجه السياسي. ويُقال إن هذه الأجواء كانت أحد أسباب إلغاء خطاب فولوديمير زيلينسكي أمام اجتماع قادة الحلف، إذ كان من الممكن أن يتضمن مواقف لا تنسجم مع توجهات الرئيس الأمريكي.
لكن زيلينسكي ألقى كلمة خلال فعالية سبقت اجتماع قادة الحلف الـ32، ضمن منتدى الصناعات الدفاعية. وخلال كلمته، أعاد طرح قضية انضمام أوكرانيا إلى الناتو، رغم وجود معارضة داخل عدد من دول الحلف، وكذلك من جانب إدارة البيت الأبيض.
وأشار زيلينسكي إلى أن أوكرانيا تمتلك قدرات دفاعية كبيرة، متسائلًا أمام قادة الحلف، بمن فيهم الأمين العام للناتو مارك روته، عن إمكانية استبعاد دولة وشعب يتمتعان بهذا المستوى من القدرات العسكرية. ومن خلال هذا الموقف، بدا أن الرئيس الأوكراني يسعى إلى التأكيد على أن بلاده تحظى بدعم واسع داخل الناتو، وأن مستقبل العلاقة مع الحلف لا ينبغي أن تحدده الولايات المتحدة وحدها.
تعاون دفاعي جديد بين أوروبا والولايات المتحدة
أكد الأمين العام للناتو مارك روته أن الحلف مستعد للارتقاء بعلاقاته مع كييف إلى مستوى جديد، مشددًا على أن روابط الوحدة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين ما تزال قوية. ورحب روته باتفاقات التعاون الصناعي الدفاعي بين شركات أمريكية وأوروبية، والتي تشمل شركات مثل أندوريل وبوينغ وجنرال دايناميكس لاند سيستمز ولوكهيد مارتن ورايثيون من الجانب الأمريكي، وشركات أوروبية مثل ديهل وبي جي زد وراينميتال.
وأوضح أن هذا التعاون سيسمح بإنتاج ودعم تطوير أنظمة عسكرية أمريكية داخل أوروبا، بما في ذلك دبابة أبرامز، وصواريخ أتاكمس وأمرامز، وأنظمة باراكودا-500 إم، والقنابل الصغيرة، ونظام ستينغر للدفاع الجوي. كما تقرر تعزيز إنتاج الطائرات المسيّرة، مع تخصيص دول التحالف نحو 40 مليار دولار خلال خمس سنوات لهذا المجال، على أن يتم إنفاق الجزء الأكبر من هذه الأموال في أوروبا.
وخلال القمة، جرى التذكير بقدرات الصناعات الجوية الأوروبية، ومنها طائرة النقل العسكرية إيرباص A400M، التي دخلت الخدمة في دول الناتو عام 2010، وطائرة التزود بالوقود إيرباص A330 MRTT التي تستخدمها الولايات المتحدة أيضًا منذ أكثر من عقد.
مبادرة “البوابة الأمامية” وتسريع وصول الأسلحة
وشدد مارك روته إطلاق مبادرة “البوابة الأمامية للناتو”، وهي خدمة موحدة تهدف إلى توفير نافذة واحدة للصناعات الدفاعية من أجل معالجة قضايا المشتريات العسكرية. وقد سعى زيلينسكي منذ عام 2022 إلى إنشاء مثل هذه الآلية، لأنها قد تساعد أوكرانيا في الحصول بشكل أسرع على الأسلحة الضرورية، خصوصًا أنظمة الدفاع الجوي.
وشدد الرئيس الأوكراني مرارًا، خلال اجتماعاته مع مسؤولي الناتو، على أن بلاده تعاني نقصًا حادًا في الصواريخ القادرة على حماية أجوائها. وخلال قمة أنقرة، ناقش زيلينسكي هذا الملف مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، حيث تم التوصل إلى اتفاق لتخصيص نحو 600 مليون دولار كمساعدات لأوكرانيا، من بينها أموال مخصصة لشراء أنظمة دفاع جوي.
وفي مؤتمر صحفي مشترك مع روته، أعرب زيلينسكي عن أمله في زيادة إمدادات صواريخ باتريوت، والوصول إلى اتفاق يسمح بإنتاجها في أوكرانيا. إلا أن روته لم يشر إلى إمكانية تحقيق ذلك ضمن مبادرة “البوابة الأمامية”، موضحًا أن المبادرة مخصصة للدول الأعضاء في الحلف.
صيغة “32+1” بدل العضوية الكاملة
وصف الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب التعاون بين أوكرانيا والناتو بأنه يمكن أن يسير وفق صيغة “32+1″، حيث لا تصبح أوكرانيا عضوًا رسميًا في الحلف، لكن يتم بناء نظام من الاعتماد المتبادل يسمح بتنفيذ مشاريع دفاعية مشتركة. وأشار ستوب إلى أن أوكرانيا لا تستفيد فقط من هذه المشاريع، بل تقدم أيضًا خبراتها، خصوصًا في مجال مواجهة هجمات الطائرات المسيّرة، حيث يجري تعاون بالفعل بين الخبراء الأوكرانيين وبعض جيوش دول البلطيق. وقال ستوب إن أوكرانيا بحاجة إلى الناتو بقدر حاجة الناتو إلى أوكرانيا.
ترامب وغرينلاند وخلافات الحلف
أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد عبر فور وصوله إلى أنقرة عن “خيبة أمله الشديدة” من بعض حلفائه، وجدد موقفه بشأن أهمية غرينلاند الاستراتيجية، قائلًا إن الجزيرة يجب أن تكون تحت سيطرة الولايات المتحدة وليس الدنمارك. لكنه أوضح أن ذلك يمثل رغبة فقط، وأن الإضرار بالعلاقات مع حلف الناتو ليس جزءًا من خططه. وبدا أن المشاركين في القمة، الذين كانوا يخشون أن يطغى نقاش غرينلاند على ملفات الصراع الروسي الأوكراني والشرق الأوسط، شعروا بالارتياح بعدما تبين أن ترامب كان في حالة مزاجية سيئة فقط.
ردود الفعل الروسية على القمة
أما القنوات الإعلامية الروسية المختلفة ذات التوجهات الاجتماعية والسياسية المعادية للغرب، فقد وجهت انتقادات حادة لمواقف زيلينسكي وخطاباته ومشاركته في قمة الناتو. ووصفت هذه القنوات تحركات الرئيس الأوكراني بأنها تكرار لمطالبه بالحصول على صواريخ دفاع جوي، معتبرة أن الضربات الجوية أثرت بشكل كبير على البنية التحتية الأوكرانية.
كما أشارت إلى تصنيف جودة الحياة الذي وضع كييف في مرتبة متأخرة عالميًا، معتبرة أن الوضع الحالي يتناقض مع الصورة التي يتم تقديمها عن الحياة في العاصمة الأوكرانية. ورأت تلك القنوات أن تصريحات زيلينسكي حول إمكانية حسم الأزمة الأوكرانية عبر “المعركة الجوية” لا تمثل تحليلًا عسكريًا دقيقًا، بل محاولة لتبرير المطالب بالحصول على أسلحة بعيدة المدى وأنظمة دفاع جوي جديدة، وصرف الانتباه عن التطورات غير المواتية على خطوط المواجهة.
بالنهاية ، تكشف قمة الناتو في أنقرة عن مرحلة جديدة في طبيعة العلاقة بين أوكرانيا والحلف، حيث يبدو أن مسألة العضوية الكاملة ما تزال تواجه عقبات سياسية كبيرة، في حين يتجه الطرفان إلى بناء نموذج بديل يقوم على التعاون العسكري والصناعي وتعزيز الترابط الدفاعي.
وفي الوقت الذي تسعى فيه كييف إلى ضمان تدفق مستمر للأسلحة والدعم الغربي، تحاول الدول الأوروبية زيادة دورها في الملف الأمني، سواء بسبب الحاجة إلى دعم أوكرانيا أو بسبب الرغبة في تعزيز استقلالية قدراتها الدفاعية عن الولايات المتحدة.
أما واشنطن، فتظل العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل هذا المسار، خصوصًا في ظل مواقف ترامب المتقلبة تجاه الحلفاء الأوروبيين وحرب أوكرانيا. وبينما يرى مؤيدو كييف أن دمج أوكرانيا تدريجيًا في المنظومة الدفاعية الغربية يمثل ضرورة استراتيجية، يرى منتقدو هذا الاتجاه أنه قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص التسوية السياسية.
وبذلك تبقى قمة أنقرة محطة تعكس التوازن الدقيق بين دعم أوكرانيا، والحفاظ على وحدة الناتو، وإدارة الخلافات داخل التحالف نفسه، في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية في أوروبا والعالم.


