د. محمد حلاوي
جريدة الحرة ـ بيروت
في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، جاء قرار مجلس الأمن الدولي بإدانة الغارة الإسرائيلية على الدوحة ليؤكد أنّ الاعتداء لم يكن مجرد حادث عابر، بل جريمة مكتملة الأركان ضد سيادة دولة مستقلة.
هذا القرار الأممي جاء استجابة للتحرّك الذي قادته الجزائر وباكستان، مدعومتين من قطر، في ما يعكس ولادة وعي عربي – إسلامي جديد يرفض الصمت أمام عربدة إسرائيل.
فالغارة لم تكن ضربة عسكرية عادية، بل رسالة إسرائيلية واضحة بأن لغة المفاوضات لم تعد تعنيها، وأن القوة والاغتيالات هي وسيلتها الوحيدة.
لكن ردّ الجزائر وباكستان في مجلس الأمن، وما تبعه من موقف جماعي تُوّج بالقرار الأممي، حمل دلالة معاكسة: أنّ العالم العربي والإسلامي بدأ يتعامل مع إسرائيل كخطر وجودي يهدد المنطقة بأسرها، لا فلسطين وحدها.
الجزائر وباكستان: تحرّك استراتيجي
المبادرة إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن جاءت من الجزائر وباكستان، وهو أمر ذو رمزية ودلالة بالغة.
- الجزائر: الدولة العربية الأكبر مساحة، وصاحبة جيش مصنَّف ضمن أقوى الجيوش الإقليمية، طالما وقفت إلى جانب القضايا العربية، وعلى رأسها فلسطين.
- باكستان: ثاني أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، وأول قوة نووية في العالم الإسلامي بترسانة تقدَّر بنحو 170 رأساً نووياً، ما يجعل صوتها ثقيلاً في الساحة الدولية.
ولا يتحرك البلدان في فراغ، فلكل منهما علاقات مميزة مع قطر:
- الجزائر عززت شراكتها الاستراتيجية مع الدوحة في مجالات الطاقة والصناعة والتعليم، ونسجت معها توافقاً سياسياً بارزاً بشأن القضايا العربية والدولية.
- باكستان ترتبط بقطر بعلاقات اقتصادية وثيقة، خصوصاً في مجال الطاقة، فضلاً عن وجود جالية باكستانية كبيرة تسهم في نهضة الدوحة.
تحرك الجزائر وباكستان في مجلس الأمن، إذن، ليس مجرد موقف تضامني، بل خطوة استراتيجية تُترجم تحالفاً عربياً – إسلامياً دفاعاً عن قطر، ورسالة بأن العالم الإسلامي بدأ يخرج من دائرة الصمت إزاء عربدة إسرائيل.
التحرك القطري
إلى جانب التحرّك الجزائري – الباكستاني في مجلس الأمن، جاء الموقف القطري ليؤكد أنّ الدوحة لا تنوي ترك جريمة استهدافها تمرّ من دون ردّ دبلوماسي منظّم.
فقد طلبت قطر تأجيل الجلسة الطارئة إلى يوم الخميس 11 أيلول/سبتمبر، في خطوة هدفت إلى إتاحة المجال لحضور رئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بما يرفع من مستوى التمثيل ويضفي على الجلسة زخماً سياسياً أكبر.
وفي رسالة رسمية وجهتها إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، أعربت الدوحة عن إدانتها بأشدّ العبارات للاعتداء الإسرائيلي، واعتبرته “انتهاكاً صارخاً لكافة القوانين والأعراف الدولية، وتهديداً خطيراً لأمن وسلامة المواطنين القطريين والمقيمين على أراضيها”.
كما وصف رئيس الوزراء القطري الهجوم بأنّه “إرهاب دولة”، مضيفاً: “لقد تعرضنا للخيانة، ولا أجد كلمات تعبّر عن مدى غضبنا من هذا العمل”.
وأكد أنّ الغارة قضت على أيّ أمل في صفقة تبادل الأسرى، محمّلاً رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المسؤولية المباشرة، ومشدّداً على وجوب مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية.
لكن الأهم أنّ قطر أعلنت عن قمة عربية – إسلامية مرتقبة في الدوحة يومي الأحد والاثنين 14 و15 أيلول/سبتمبر، تهدف إلى بلورة ردّ جماعي يردع إسرائيل ويوحّد الموقفين العربي والإسلامي. هذه الدعوة تعكس إدراكاً قطرياً بأن ما جرى ليس استهدافاً لقطر وحدها، بل تهديداً للأمة الإسلامية جمعاء، وأن الرد لا بد أن يكون شاملاً وموحّداً في مواجهة سياسة العدوان الصهيوني.
قطر: الوسيط المستهدف
منذ عقود، لعبت قطر دور الوسيط في أزمات عدة: من لبنان ودارفور واليمن إلى المفاوضات بين واشنطن وحركة طالبان، فضلاً عن استضافتها المكتب السياسي لحركة حماس في الدوحة.
هذا الدور جعلها عاصمةً للوساطات الدولية، وصوتاً معتمداً لدى أطراف إقليمية وعالمية.
إسرائيل التي اعتادت المناورة على طاولة التفاوض لإطالة أمد الصراع، تلجأ في النهاية إلى الحسم بالقوة والاغتيالات. واستهدافها الدوحة رسالة واضحة: لا مكان لحوار خارج شروط القوة الإسرائيلية، ولا حصانة حتى للوسطاء.
الرسائل الإسرائيلية
- أولاً: من الخليج إلى العالم: اختيار الدوحة لم يكن اعتباطياً، إذ أرادت إسرائيل توجيه رسائل مركبة:
- ضرب الوساطات: أي محاولة لإحياء التفاوض أو التهدئة عبر قطر ستواجه بالقصف.
- إحراج واشنطن أو التنسيق معها: الضربة وقعت في بلد يستضيف أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة (العديد)، لتظهر إسرائيل كقوة منفلتة من أي ضوابط حتى أمام حلفائها، أو كمن يملك “تفويضاً أبيض” لممارسة همجيتها.
- ترهيب الخليج: قطر أول دولة خليجية فتحت خطوط اتصال مع إسرائيل، ورغم ذلك لم تسلم من عدوانها، ما يفضح وهم الحماية عبر التطبيع.
- رسالة إقليمية: ما صرّح به رئيس الكنيست الإسرائيلي بعد الضربة مباشرة جاء واضحاً: “ضرب الدوحة رسالة للشرق الأوسط بأكمله”.
- ثانياً: رسائل موجّهة إلى تركيا وحماس
- لم تقتصر الرسائل الإسرائيلية على قطر وحدها. فقد صرّح مسؤولون إسرائيليون بعد الضربة مباشرة بأن “الهدف الثاني هو أنقرة”. بهذا أرادت تل أبيب أن تُسمع تركيا – الدولة التي برز اسمها في الأشهر الأخيرة كوجهة محتملة لقيادة حماس – إنذاراً مبطناً: ما جرى في الدوحة يمكن أن يتكرر في أنقرة أو إسطنبول.
- إسرائيل تقول للأتراك بوضوح: إن استضافة قيادة المقاومة لن تمر بلا ثمن، وإن يدها قادرة على الوصول إلى أي عاصمة في المنطقة مهما بلغت أهميتها الاستراتيجية. وضربها الدوحة بالأمس وطهران في حزيران الماضي خير دليل على ذلك.
- أما قادة حماس أنفسهم، فقد تلقوا الرسالة الأكثر قسوة: “لا مأمن لكم بعد اليوم”.
فالدوحة التي مثّلت لعقدين قاعدة سياسية آمنة لهم، لم تعد بمنأى عن الاستهداف. الضربة الإسرائيلية تعني أن سياسة الاغتيالات لن تتوقف، وأن إسرائيل لن تعترف بأي خطوط حمراء، جغرافية كانت أم دبلوماسية. الهدف هو دفع الحركة إلى العزلة، وتقييد حركتها الدولية، وإيصالها إلى قناعة بأن الساحة الوحيدة المتاحة أمامها هي ساحة المواجهة العسكرية لا غير.
استفاقة العالم العربي والإسلامي
هذا العدوان قد يشكّل نقطة تحول وجرس إنذار. فإسرائيل لم تعد تهدد فلسطين وحدها أو دول الجوار فقط، بل باتت تتحرك وفق مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي يستهدف السيادة العربية والإسلامية مجتمعة.
وبترسانتها النووية، والدعم الأميركي غير المحدود، وصمت الغرب والمجتمع الدولي، فإنها تمثل خطراً وجودياً على المنطقة بأكملها.
إن تحرك الجزائر وباكستان في مجلس الأمن قد يكون بداية تشكّل وعي جماعي عربي – إسلامي، ورسالة بأن زمن التغاضي عن الاغتيالات والاعتداءات قد ولّى.
لكن التحدي المطروح اليوم هو: هل يتحول هذا الوعي إلى مشروع مواجهة فعلي يوقف إسرائيل عند حدّها، أم يظل محصوراً في بيانات الإدانة والشجب؟


