
جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
استأنفت إسرائيل غاراتها على سوريا، في تطور يعكس تصاعد التوتر الإقليمي وتداخل المصالح الأمنية بين إسرائيل وتركيا وسوريا. فقد أعلنت إسرائيل مسؤوليتها عن الغارات التي استهدفت، في 18 أغسطس/آب، مطار أبو الظهور في محافظة إدلب شمال سوريا، مبررةً ذلك بمخاوفها من خطط تركية لإنشاء مواقع عسكرية في القاعدة الجوية، في محاولة لمنع تركيا من ترسيخ وجودها العسكري.
وتُعد تركيا الداعم الأجنبي الرئيسي لسوريا وأحد أبرز الخصوم الإقليميين لإسرائيل. وقد أدانت الولايات المتحدة هذه الضربات، محذرةً من مخاطر تحولها إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا وسوريا.
وجاء الإعلان الإسرائيلي عبر مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي نشر بيانًا على منصة «إكس» بتاريخ 19 أغسطس/آب، أكد فيه أن إسرائيل قصفت القاعدة السورية بحجة منع تغيير الوضع الأمني القائم. وأشار البيان إلى أن إسرائيل وسوريا كانتا قد اتفقتا، بموجب اتفاق السادس من يناير/كانون الثاني، على الحفاظ على الوضع الأمني الراهن، معتبرًا أن موافقة دمشق على نشر قوات تركية في قاعدة جوية قرب حلب تمثل، من وجهة النظر الإسرائيلية، انتهاكًا لهذا التفاهم.
وأعلن مكتب نتنياهو أن إسرائيل سبق أن حذرت سوريا من أن نشر قوات تركية في قاعدة أبو الظهور سيشكل تهديدًا لأمنها، وأن دمشق اختارت تجاهل تلك التحذيرات. وبذلك، حاولت إسرائيل تقديم الضربة باعتبارها إجراءً وقائيًا يهدف إلى منع قيام وجود عسكري تركي يمكن أن يغير ميزان القوى في شمال سوريا، وليس باعتبارها عملية عسكرية منفصلة عن التطورات الإقليمية.
قصف قاعدة أبو الظهور
وقعت الغارة على قاعدة أبو الظهور الجوية، الواقعة في ريف إدلب بالقرب من الحدود التركية، خلال ليلة 18 أغسطس/آب. وبحسب المعلومات الواردة في النص، أطلقت الطائرات الإسرائيلية ما لا يقل عن ثمانية صواريخ استهدفت مدارج القاعدة وعددًا من الحظائر، وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية العسكرية التي كانت قد خضعت لأعمال إعادة تأهيل وتجديد حديثة.
ولم تؤد الغارة، وفق المعلومات نفسها، إلى وقوع إصابات بشرية. إلا أن أهمية الهجوم لا تكمن فقط في الأضرار المادية التي لحقت بالقاعدة، وإنما في الرسالة السياسية والعسكرية التي حملها، إذ جاء في وقت تتزايد فيه التحركات التركية داخل سوريا، بينما تحاول إسرائيل منع أي ترتيبات عسكرية جديدة ترى أنها يمكن أن تؤثر في أمنها ومجالها الحيوي.
وأفادت مصادر نقل عنها موقع «أكسيوس» أن إدارة الرئيس السوري أحمد الشرع كانت على علم بالمخاوف الإسرائيلية المتعلقة بقاعدة أبو الظهور، لكنها حاولت إبلاغ المسؤولين الإسرائيليين بأن القاعدة لا تشكل تهديدًا لإسرائيل، وأن أعمال الترميم التي تجري فيها لا تستهدف تعزيز قدراتها العسكرية. ومع ذلك، لم تنجح هذه الاتصالات في منع الضربة الإسرائيلية.
إسرائيل وتركيا أمام خطر المواجهة المباشرة
تكمن خطورة التطور في احتمال أن يؤدي أي احتكاك عسكري في الأجواء السورية إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا. فوجود قوات أو طائرات تركية في منطقة تتعرض لهجوم إسرائيلي يرفع احتمال سوء التقدير، خصوصًا إذا لم تكن القوات التركية على علم مسبق بالهدف الإسرائيلي.
لقد عبّر توم باراك، المبعوث الرئاسي الأمريكي إلى سوريا والعراق، والذي يرأس أيضًا البعثة الدبلوماسية الأمريكية في تركيا، عن هذا القلق بوضوح. فقد اعتبر أن الضربة الإسرائيلية حملت خطرًا حقيقيًا يتمثل في تصعيد سريع يمكن أن يتحول إلى صراع عسكري مباشر بين إسرائيل وتركيا وسوريا.
وأشار باراك إلى أن القوات التركية لم تكن على علم بأن الطائرات الإسرائيلية كانت متجهة إلى قاعدة أبو الظهور تحديدًا، ولم تكن تعرف طبيعة الهدف الذي تستهدفه إسرائيل. وبالتالي، كان من الممكن أن تفسر تركيا تحرك الطائرات الإسرائيلية باعتباره هجومًا عليها، وأن تدفع بطائراتها المقاتلة للتعامل معه، وهو سيناريو كان من شأنه أن يفتح الباب أمام مواجهة خطيرة وغير محسوبة.
ولذلك، اعتبرت الإدارة الأمريكية عدم وقوع قتلى وعدم تحول الحادث إلى مواجهة عسكرية مباشرة تطورًا إيجابيًا، رغم أن الضربة كشفت حجم المخاطر التي تحيط بالساحة السورية.
واشنطن تخشى انهيار المسار الدبلوماسي في سوريا
وتبدو الولايات المتحدة في موقف بالغ الحساسية، إذ تعتبر عودة سوريا إلى الساحة الدولية أحد الإنجازات المهمة في سياستها الخارجية، ولذلك فإن أي تصعيد عسكري واسع يمكن أن يقوض هذا المسار. وقد أبدت القيادة الأمريكية، بحسب المصادر الواردة في النص، خيبة أمل شديدة من العملية الإسرائيلية، خصوصًا أنها جاءت في وقت كانت فيه واشنطن تسعى إلى تثبيت وضع أكثر استقرارًا في سوريا وتشجيع الأطراف المختلفة على اعتماد قنوات الحوار بدل المواجهة العسكرية.
إذًا، لا تنظر واشنطن إلى الضربة باعتبارها مجرد عملية إسرائيلية ضد منشأة عسكرية سورية، وإنما باعتبارها تطورًا يمكن أن يهدد الترتيبات السياسية والأمنية التي تحاول الولايات المتحدة بناءها في سوريا.
تعطل آلية منع الصدام بين إسرائيل وسوريا
وتشير تصريحات المبعوث الأمريكي إلى أن آلية منع الصدام بين سوريا وإسرائيل، التي كان يفترض أن تبدأ بعد توقيع اتفاق أمني محدود في السادس من يناير/كانون الثاني، أصبحت معطلة عمليًا. وكان الهدف من هذه الآلية الحد من احتمالات سوء الفهم والاحتكاك العسكري، وفتح قنوات اتصال مباشرة بين الأطراف المعنية عند وقوع أي حادث أمني. إلا أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتزايد التحركات الإقليمية في سوريا أظهرا هشاشة هذه الترتيبات.
وبحسب المصادر التي نقل عنها «أكسيوس»، كانت دمشق قد حاولت خلال الأسابيع السابقة التنسيق لإنشاء مركز اتصال مع إسرائيل بهدف خفض مستوى التوتر العسكري. وهذا يعكس إدراكًا سوريًا لحجم المخاطر الناتجة عن غياب قنوات اتصال فعالة، خصوصًا في ظل وجود أطراف متعددة على الأرض وفي الأجواء السورية.
مركز تنسيق متعدد الأطراف
ويرى توم باراك أن الحل لا يكمن فقط في الاتفاقات السياسية، وإنما في إنشاء آلية دائمة لمنع الصدام تعمل على مدار الساعة. ويمكن، بحسب التصور الذي طرحه، إنشاء مركز تنسيق يضم موظفين قادرين على التواصل بالعبرية والعربية والإنجليزية والتركية، سواء في إطار رسمي أو من خلال قناة أكثر مرونة وغير رسمية. وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة بسبب تعدد الأطراف الموجودة في المشهد السوري. فإلى جانب الحكومة السورية وإسرائيل، هناك تركيا والولايات المتحدة وقوى أخرى ذات مصالح مباشرة أو غير مباشرة في المنطقة. وكلما ارتفع عدد الأطراف، ازدادت الحاجة إلى قنوات اتصال تمنع سوء الفهم وتتيح معالجة الحوادث قبل أن تتحول إلى أزمات عسكرية.
وأكد باراك أن الاتصالات الموثوقة تظل ذات أهمية كبيرة، مشددًا على أنه لا توجد عوائق كبيرة تمنع الأطراف من الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة. وبحسب هذا التصور، يبقى الحوار الدبلوماسي الوسيلة الأفضل لمنع الاشتباكات والتوصل إلى حل مستقر ومستدام للوضع المعقد في سوريا.
تركيا ترفض الاتهامات الإسرائيلية
لقد رفضت تركيا الاتهامات الإسرائيلية التي تتحدث عن محاولة أنقرة ترسيخ وجود عسكري في شمال سوريا. وتأتي هذه التصريحات في ظل وجود مذكرة تفاهم طويلة الأمد للتعاون العسكري بين تركيا وسوريا، الأمر الذي يجعل الوجود التركي المحتمل في بعض المواقع السورية مصدر قلق متزايد لإسرائيل.
وقالت وزارة الخارجية التركية إن إسرائيل تواصل، وفق موقفها، هجماتها على البنية التحتية والقدرات السورية، فضلًا عن انتهاكها سلامة الأراضي السورية ووحدتها. ودعت أنقرة المجتمع الدولي إلى التحرك إزاء هذه الهجمات. بينما تحاول تركيا تقديم المسألة باعتبارها انتهاكًا للسيادة السورية، بينما تنظر إسرائيل إليها من زاوية أمنية مختلفة، معتبرةً أن أي وجود عسكري تركي قريب من مناطق نفوذها يمكن أن يتحول إلى تهديد مستقبلي.
صراع النفوذ في سوريا
يكشف التطور الأخير أن سوريا أصبحت مرة أخرى ساحة لتداخل المصالح الإقليمية والدولية. فتركيا تسعى إلى حماية مصالحها الأمنية وتعزيز نفوذها في سوريا، بينما تحاول إسرائيل منع ظهور ترتيبات عسكرية تعتبرها تهديدًا لأمنها. أما الولايات المتحدة فتسعى إلى منع تحول هذه التنافسات إلى مواجهة مفتوحة، مع الحفاظ على المسار السياسي الذي يدعم عودة سوريا إلى المجتمع الدولي.
وبذلك، فإن الضربة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور لا يمكن قراءتها باعتبارها حادثًا عسكريًا منفصلًا، وإنما باعتبارها جزءًا من صراع أوسع حول مستقبل النفوذ العسكري والسياسي في سوريا. فالخلاف حول قاعدة جوية واحدة يعكس في جوهره خلافًا أوسع حول من يمتلك القدرة على التحرك عسكريًا داخل الأراضي السورية، ومن يحدد طبيعة الترتيبات الأمنية فيها.
الخلاصة
إن استئناف إسرائيل غاراتها على سوريا، واستهدافها قاعدة أبو الظهور تحديدًا، يضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من التوتر، خصوصًا مع احتمال تداخل المصالح الإسرائيلية والتركية والسورية. وبينما ترى إسرائيل أن منع أي انتشار عسكري تركي محتمل بالقرب من حدودها ضرورة أمنية، تعتبر تركيا أن العمليات الإسرائيلية تمثل اعتداءً على السيادة السورية وتهديدًا للاستقرار الإقليمي.
وفي المقابل، تحاول الولايات المتحدة منع تحول هذا التوتر إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا، من خلال إعادة تفعيل قنوات الاتصال وإنشاء آلية دائمة لمنع الصدام. ولذلك، تبدو الدبلوماسية والاتصالات المباشرة وإدارة الأزمات في المرحلة المقبلة أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن خطأً واحدًا في الحسابات قد يحول حادثًا محدودًا في سوريا إلى مواجهة إقليمية أوسع يصعب احتواؤها.


