جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
بات واضحًا بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يخطط لزيارة واشنطن في الأسبوع المقبل، وفقًا لما أعلنه دونالد ترامب، الذي أضاف أن رئيس الحكومة هو من طلب عقد اللقاء. وتُعد هذه الزيارة أول لقاء بين ترامب ونتنياهو منذ اجتماعهما في فبراير الماضي لمناقشة بدء عملية عسكرية مشتركة ضد إيران. ومنذ ذلك الحين، تدهورت العلاقات بين الطرفين، حيث أبدى الرئيس الأمريكي بحسب مقربين منه ندمه على الانخراط في الحملة ضد طهران، بينما ندم نتنياهو على التوصل إلى تسوية بين واشنطن وطهران.
أهمية عقد اللقاء بين الطرفين
ووفقًا لتصريحات ترامب لصحيفة “أكسيوس”، فإن تنظيم الزيارة جرى على الأرجح خلال المكالمة الهاتفية الأخيرة التي هنأ فيها نتنياهو الرئيس الأمريكي بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة. وقال ترامب: “نحن نتفاهم جيدًا. هو يعرف من هو الرئيس هنا”، في إشارة إلى نتنياهو. لكن لا يزال غير واضح ما إذا كانت الزيارة ستتم قبل توجه ترامب إلى قمة الناتو في تركيا (7–8 يوليو) أو بعدها. ومن المقرر أن يناقش الطرفان الوضع في الشرق الأوسط بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية– الإيرانية في 17 يونيو.
وكان آخر لقاء مباشر بين نتنياهو وترامب في فبراير، عندما زار رئيس الوزراء الولايات المتحدة لبحث تفاصيل العملية المخططة ضد إيران. ومنذ ذلك الحين، تراجعت الثقة بين الجانبين، خصوصًا بسبب فشل الحملة العسكرية التي لم تؤدِ إلى إنهاك القدرات الإيرانية أو تغيير النظام.
الثقة المتزعزعة بين الطرفين
وكشفت مصادر لصحيفة “نيويورك تايمز” عن حجم انعدام الثقة بين واشنطن وتل أبيب، حيث أفادت بأن البيت الأبيض كان قلقًا من أن إسرائيل كانت تخطط لعمليات سرية محتملة تستهدف فريق المفاوضين الإيرانيين، ومن بينهم وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. وذكرت المصادر أن إيران طلبت ضمانات أمريكية بعدم تنفيذ عمليات إسرائيلية سرية. وفي إحدى الحالات، اكتشفت أجهزة الأمن الإيرانية مخططًا لاستهداف طائرة كانت تقل قاليباف أثناء عودته من باكستان إلى إيران، ما أدى إلى إفشال العملية.
إسرائيل تنتظر تصاعد الضغط الأمريكي ضدها
وفي هذا السياق، أفادت صحيفة “إسرائيل اليوم” بأن نتنياهو أصدر توجيهات لوزارة الدفاع الإسرائيلية للاستعداد لاحتمال توقف كامل للمساعدات العسكرية الأمريكية بحلول نهاية العقد المقبل، أي خلال نحو 12 عامًا، مع العمل على تقليل الاعتماد على الصناعات الدفاعية الأمريكية.
ورغم ذلك، يؤكد نتنياهو علنًا أن العلاقات مع واشنطن لا تزال قوية. وفي رسالة تهنئة بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، قال: “بيننا رابط قوي لأننا نشترك في المصير نفسه. نحن نعلم أن الحرية لا تُمنح مجانًا، بل يجب الدفاع عنها باستمرار. أمريكا كانت أعظم قوة للحرية في العالم الحديث، وإسرائيل تفخر بالوقوف إلى جانبها”. وأضاف أن “القيم المشتركة بين البلدين تتعرض لهجمات”، مشيرًا إلى أن “الطغاة الذين نواجههم يرددون: الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”، على حد تعبيره.
إسرائيل لا تتأمل نتائج الاتفاق بين أمريكا وإيران
وفي المقابل، يرى العديد داخل القيادة الإسرائيلية أن إيران قد تطيل أمد المفاوضات مع الولايات المتحدة وتدفعها للغضب، ما قد يدفع الرئيس ترامب إلى استئناف العمليات العسكرية أو على الأقل إعادة فرض حصار بحري وعقوبات مشددة على طهران.
كما نقل موقع “أمواج ميديا” عن مسؤولين إسرائيليين كبار أن بعضهم يعتقد أن القيادة الإيرانية الحالية غير قادرة على التفاوض بشكل مستقر، وأنها أكثر تطرفًا وغير متوقعة. ويقول هؤلاء إن إيران “تعيش نشوة القوة وتعتقد أنها انتصرت على الولايات المتحدة وإسرائيل”.
ويرى مسؤولون إسرائيليون أن أي تقدم حقيقي في المفاوضات الأمريكية– لإيرانية قد يدفع واشنطن للضغط على نتنياهو من أجل سحب القوات الإسرائيلية بالكامل من جنوب لبنان ضمن تسوية أوسع، وهو ما قد يضعف موقعه السياسي. ويقول منتقدو نتنياهو إنه يحاول التأثير على الرأي العام قبل الانتخابات البرلمانية المقررة في الخريف، عبر تصوير المفاوضات الأمريكية– لإيرانية كجزء من تهديد وجودي. وبعد فشله في تحقيق “نصر كامل” على إيران ووكلائها في المنطقة، يسعى بحسب هؤلاء ، إلى إقناع الإسرائيليين بأنه وحده القادر على حمايتهم. وبحسب الخبراء والمتابعين، يرى أن نتنياهو “يحاول بناء مخرج سياسي مسبق لأزماته الداخلية”، رغم أن كثيرين لا يصدقون هذا الخطاب.
في النهاية، تعكس التطورات الجارية في مسار المفاوضات الأمريكية– لإيرانية، وتوتر العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، مرحلة إعادة تشكّل في توازنات الشرق الأوسط، حيث تتداخل الحسابات السياسية والأمنية، وتبقى نتائجها مرهونة بقدرة الأطراف على إدارة خلافاتها أكثر من قدرتها على فرض شروطها.


