الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

إسرائيل تواجه خطر العقوبات الأوروبية بسبب تصرفات وزيرها اليميني المتطرف

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تتجه العلاقات بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي نحو مرحلة جديدة من التوتر السياسي والدبلوماسي، بعدما تحولت تصرفات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى مصدر إحراج متزايد للحكومة الإسرائيلية، وسبب مباشر لتصاعد الدعوات الأوروبية لفرض عقوبات على تل أبيب. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بمواقف سياسية متشددة أو تصريحات مثيرة للجدل، بل باتت تتعلق باتهامات أوروبية لإسرائيل بإهانة مواطنين أوروبيين وانتهاك كرامتهم خلال التعامل مع نشطاء مؤيدين للفلسطينيين شاركوا في محاولة لكسر الحصار عن غزة، في وقت تعاني فيه إسرائيل أصلًا من تراجع صورتها الدولية بسبب الحرب المستمرة على القطاع.

بن غفير يفجر أزمة دولية

الأزمة انفجرت بعد نشر مقطع فيديو على حساب بن غفير في منصة “إكس”، ظهر فيه عدد من نشطاء “أسطول الحرية العالمي” وهم راكعون وأيديهم مقيدة، بينما أُجبروا على الاستماع إلى النشيد الوطني الإسرائيلي ورؤوسهم منحنية نحو الأرض. وفي المشهد نفسه، ظهر بن غفير مبتسمًا وهو يتجول بين المعتقلين حاملًا العلم الإسرائيلي، في لقطة أثارت غضبًا واسعًا داخل العواصم الأوروبية، واعتُبرت لدى كثير من الأوساط السياسية والإعلامية الأوروبية مشهدًا مهينًا يتجاوز حدود التعامل الأمني التقليدي مع المتظاهرين أو النشطاء.

ولم تتوقف تداعيات الفيديو عند الجانب الإنساني أو الحقوقي فقط، بل تحولت سريعًا إلى قضية سياسية مرتبطة بصورة إسرائيل أمام الرأي العام الغربي. فالمشاهد التي انتشرت على نطاق واسع في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي عززت الانتقادات الأوروبية المتزايدة للحكومة الإسرائيلية، وخصوصًا تجاه التيار اليميني المتطرف الذي بات يلعب دورًا أساسيًا في رسم السياسات الأمنية والسياسية داخل حكومة بنيامين نتنياهو.

الغضب الأوروبي من التصرفات الإسرائيلية

ولأن بين المعتقلين مواطنين من عدة دول أوروبية، من بينهم عشرات الفرنسيين، تحولت القضية بسرعة إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة. فقد سارعت فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا إلى استدعاء السفراء الإسرائيليين للاحتجاج، فيما طالبت روما رسميًا باعتذار، معتبرة أن ما جرى يمثل “معاملة تنتهك الكرامة الإنسانية”. كما انضمت كندا إلى موجة الاحتجاج بعد تأكيد وجود مواطنين كنديين ضمن المشاركين في الأسطول.

وفي باريس، دعا وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى فرض عقوبات أوروبية مباشرة على بن غفير، بينما دعمت إسبانيا هذا التوجه، في حين دفعت أيرلندا نحو توسيع النقاش ليشمل فرض عقوبات أوسع على إسرائيل نفسها، وليس فقط على الوزير الإسرائيلي. كما عادت داخل الاتحاد الأوروبي الدعوات إلى حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، في مؤشر واضح على أن الحادثة أعادت إحياء ملفات سياسية كانت مجمدة داخل المؤسسات الأوروبية بسبب الانقسامات الداخلية بين الدول الأعضاء.

ويعكس هذا التصعيد الأوروبي تحولًا تدريجيًا في المزاج السياسي داخل أوروبا تجاه إسرائيل، إذ لم تعد الانتقادات تقتصر على المنظمات الحقوقية أو الأحزاب اليسارية، بل بدأت تمتد إلى حكومات أوروبية تعتبر تقليديًا أكثر قربًا من تل أبيب. كما أن استمرار الحرب في غزة، وتزايد أعداد الضحايا المدنيين، جعلا من الصعب على كثير من الحكومات الأوروبية الاستمرار في تقديم دعم سياسي غير مشروط لإسرائيل دون مواجهة ضغوط داخلية متزايدة.

لكن رغم الغضب الأوروبي، تبدو مسألة فرض عقوبات شاملة على إسرائيل معقدة سياسيًا، لأن أي قرار من هذا النوع يحتاج إلى إجماع الدول الأعضاء السبع والعشرين. وهنا تظهر الانقسامات الأوروبية التقليدية بشأن إسرائيل، إذ أعلنت دول مثل التشيك والمجر رفضها فرض أي عقوبات على تل أبيب. ومع ذلك، فإن اتساع موجة الانتقادات الشعبية والإعلامية داخل أوروبا يجعل من الصعب تجاهل تداعيات القضية على المدى الطويل، خاصة إذا تكررت حوادث مشابهة خلال الفترة المقبلة.

الارتباك داخل الحكومة الإسرائيلية

أما داخل إسرائيل، فقد وضعت الأزمة حكومة بنيامين نتنياهو في موقف حرج ومعقد. فبن غفير لا يُعد مجرد وزير عادي، بل يمثل أحد الأعمدة الأساسية للائتلاف اليميني الحاكم، ويتمتع بقاعدة شعبية متماسكة داخل التيار القومي والديني المتطرف. ولذلك حاول نتنياهو الموازنة بين الدفاع عن حق إسرائيل في منع ما وصفه بـ”الاستفزازات”، وبين النأي بنفسه عن الطريقة التي تعامل بها بن غفير مع النشطاء.

أما وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، فذهب أبعد من ذلك عندما اعتبر أن تصرفات بن غفير أضرت بالجهود الدبلوماسية الإسرائيلية لتحسين صورة الدولة العبرية داخل أوروبا، وأضعفت العمل الذي تقوم به المؤسسات الدبلوماسية والإعلامية الإسرائيلية في مواجهة الانتقادات الدولية المتصاعدة.

ويكشف هذا التباين داخل الحكومة الإسرائيلية حجم التناقض بين المؤسسة الدبلوماسية الإسرائيلية، التي تحاول احتواء الغضب الأوروبي، وبين التيار اليميني المتطرف الذي يرى أن إظهار القوة والتشدد يمثلان جزءًا من المعركة السياسية الداخلية، حتى لو أدى ذلك إلى خسائر دبلوماسية خارجية.

عنجهية بن غفير وتصاعد اليمين المتطرف

ويبدو أن بن غفير نفسه لا يُبدي اهتمامًا كبيرًا بالكلفة الدبلوماسية لهذه الأزمة. فالرجل، الذي بنى شعبيته على الخطاب القومي المتشدد، يدرك أن مواقفه الصدامية تعزز مكانته داخل الشارع اليميني الإسرائيلي، حتى لو أدت إلى توتر متزايد مع أوروبا والمجتمع الدولي. كما أن وجوده داخل الائتلاف الحاكم يمنحه هامشًا واسعًا للمناورة، ويجعل نتنياهو أكثر حذرًا في التعامل معه خشية انهيار الحكومة أو فقدان الأغلبية البرلمانية.

ويعكس صعود شخصيات مثل بن غفير التحول العميق الذي يشهده المجتمع السياسي الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة، حيث بات اليمين القومي والديني أكثر تأثيرًا في صناعة القرار، وأكثر استعدادًا للدخول في مواجهة مفتوحة مع الانتقادات الغربية، انطلاقًا من قناعة بأن الأولوية يجب أن تبقى للحسابات الأمنية والأيديولوجية الداخلية، لا للعلاقات الدولية أو صورة إسرائيل الخارجية.

أزمة مرشحة للتصاعد

في المحصلة، تكشف هذه الأزمة حجم التناقض المتزايد بين توجهات اليمين الإسرائيلي المتطرف وبين المزاج السياسي السائد داخل أوروبا. كما تعكس أن الحرب على غزة لم تعد مجرد ملف أمني أو عسكري، بل تحولت إلى قضية تؤثر مباشرة على صورة إسرائيل الدولية وعلاقاتها بحلفائها الغربيين.

ولذلك، فإن استمرار شخصيات مثل بن غفير في تصدر المشهد السياسي الإسرائيلي قد يدفع العلاقات بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي نحو مرحلة أكثر توترًا، وربما نحو مواجهة دبلوماسية مفتوحة تتجاوز حدود الانتقادات التقليدية إلى أدوات ضغط وعقوبات فعلية، خاصة إذا تصاعدت الضغوط الشعبية داخل أوروبا للمطالبة بمواقف أكثر صرامة تجاه الحكومة الإسرائيلية وسياساتها الحالية.

https://hura7.com/?p=79498

الأكثر قراءة