جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

كشف مسؤولون أوروبيون أن إسرائيل تعتقد أن استهداف مصادر دخل إيران الرئيسية، بما في ذلك حقول الغاز، وإسقاط قياداتها سيسهم في ما يُسمى “انهيار الدولة” الإيرانية. ومع ذلك، حذر هؤلاء المسؤولون من أن هذه الاستراتيجية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث قد تقوم إيران بتصعيد هجماتها باستخدام ما تبقى لها من طائرات مسيّرة وصواريخ لتدمير بنية جيرانها التحتية. الصراع المحتدم حول حقول الغاز الإيرانية يعكس تزايدًا في التوترات الإقليمية ويطرح تساؤلات حول استراتيجية إسرائيل والآثار المترتبة عليها.
وذكر تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز يوم الخميس أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اختلفا حول استهداف حقول الغاز الإيرانية، وهو ما يعكس انقسامًا بين الحلفاء الرئيسيين في المنطقة، وزيادة تعقيد المواقف الدولية تجاه إيران.
إستراتيجية إسرائيل: انهيار الدولة الإيرانية
وفقًا لما ذكرته نيويورك تايمز نقلاً عن مسؤولين أوروبيين لم يكشفوا عن هويتهم، فإن إسرائيل ترى أنه إذا تمكنت من تفكيك مصادر دخل إيران الرئيسية، مثل الغاز، وإسقاط قياداتها العسكرية والسياسية، فإن ذلك سيتسبب فيما يسمى “انهيار الدولة الإيرانية”. وقد قامت إسرائيل بالفعل بالهجوم على حقل الغاز الإيراني “بارس الجنوبي”، الذي يعد أحد أهم مصادر إيرادات الدولة، بهدف ضرب الاقتصاد الإيراني. إن هذه الاستراتيجية تعتبر إحدى محاولات إسرائيل لإضعاف النظام الإيراني، خصوصًا في ضوء المواجهات العسكرية المستمرة بين الطرفين.
حقل “بارس الجنوبي” هو جزء من أكبر حقل غاز مشترك بين إيران وقطر، ويعدّ من أضخم مصادر الغاز الطبيعي في العالم. تكمن أهمية هذا الحقل في أنه يمثل ركيزة أساسية للقطاع الاقتصادي الإيراني، ويشكل عصبًا مهمًا في مصادر إيراداتها. واستهدافه كان بمثابة رسالة قوية من إسرائيل بأنها تسعى إلى ضرب الاقتصاد الإيراني بشكل مباشر، مما قد يؤدي إلى تقليص القدرة الإيرانية على دعم قواتها العسكرية والتوسع في أنشطتها الإقليمية.
تحذير أوروبي: التصعيد سيؤدي إلى كارثة
لكن المسؤولين الأوروبيين حذروا من أن هذه الإستراتيجية قد تؤدي إلى نتائج معاكسة. ووفقًا لهم، فإن إيران قد ترد بتصعيد هجماتها، باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ المتبقية لتدمير بنية جيرانها التحتية. وقد كانت هذه الاستراتيجية هي السبب وراء الهجوم الصاروخي الإيراني على مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، والذي أسفر عن أضرار جسيمة في أحد مراكز الطاقة الرئيسية في البلاد. هذا الهجوم أظهر قدرة إيران على شن ضربات انتقامية بعيدة المدى، مما يزيد من تعقيد الحسابات العسكرية في المنطقة.
القلق الأوروبي لا يقتصر فقط على العواقب العسكرية، بل يمتد أيضًا إلى القضايا الاقتصادية. إذ إن التصعيد العسكري قد يؤدي إلى تعطيل إمدادات الطاقة في منطقة الخليج العربي، مما ينعكس سلبًا على أسواق النفط العالمية ويزيد من اضطرابات الشحن في مضيق هرمز، الذي يعد نقطة عبور حيوية للنفط الخام.
التناقض الأمريكي-الإسرائيلي: مواقف متباينة
وفي تطور لافت، كشف التقرير عن وجود خلاف بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول استهداف البنية التحتية الإيرانية. وأوضح ترامب أنه طلب من نتنياهو عدم تكرار الهجمات على حقول الغاز الإيرانية، قائلًا “لقد قلت له لا تفعل ذلك”، وأكد أنه لن يكرر هذه الهجمات في المستقبل. هذا الاختلاف في المواقف بين الحليفين يشير إلى تباين في استراتيجياتهما تجاه إيران، ويعكس التوتر المتزايد بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول كيفية التعامل مع النظام الإيراني.
لكن نيويورك تايمز أوردت تناقضًا بين الروايتين الأمريكية والإسرائيلية، حيث ذكر ترامب في منشور له على منصة “تروث سوشيال” أنه لم يكن على علم بالهجوم، في حين أفاد ثلاثة مسؤولين إسرائيليين أن الولايات المتحدة كانت قد أُبلغت بالهجوم قبل وقوعه. هذه الروايات المتضاربة تثير تساؤلات حول التنسيق بين الحليفين في التصعيد العسكري ضد إيران ومدى تأثير هذه الاختلافات على استراتيجياتهم المشتركة.
القلق الأمريكي: تأثير الهجمات على الأسعار
بالإضافة إلى ذلك، أشارت التقرير الصحيفة العالمية إلى أن ترامب كان قلقًا من أن الهجمات المتبادلة قد تؤدي إلى زيادة أسعار النفط والغاز، مما يعزز المخاوف المتعلقة بالوضع في مضيق هرمز. في هذا السياق، ذكر الوزير الأمريكي سكوت بيسنت أن إدارة ترامب كانت تدرس خيار تعليق العقوبات المفروضة على النفط الإيراني الموجود في البحر كوسيلة لخفض الأسعار في الأيام القادمة، مما يعكس تعقيدات الحسابات الاقتصادية والسياسية التي تؤثر على القرارات الأمريكية في هذا الصراع.
يعد مضيق هرمز نقطة حيوية في حركة النفط العالمية، حيث تمر من خلاله نسبة كبيرة من صادرات النفط الخام. ولذلك، فإن أي تهديد لأمن هذا الممر المائي يمكن أن يؤثر بشكل كبير على أسعار الطاقة العالمية، مما قد يترتب عليه تبعات اقتصادية غير متوقعة. ويسعى ترامب إلى تقليل تلك المخاطر من خلال الحفاظ على الاستقرار النسبي لأسواق النفط العالمية.
تحولات كبيرة في الإستراتيجيات
في خضم الحرب الدائرة في المنطقة، وفي وقت يبدو أن الأفق السياسي لا يزال ضبابيًا، تكشف التطورات الأخيرة عن تقاطع مصالح معقدة بين القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وإسرائيل. ورغم الرغبة الإسرائيلية في الضغط على إيران من خلال ضرب اقتصاداتها، فإن العواقب المحتملة لهذا التصعيد قد تؤدي إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها، ويُحتمل أن تعود بالضرر على المنطقة بأسرها. إن التحديات التي تطرحها هذه المقامرة العسكرية على الاستقرار الإقليمي والعالمي تشير إلى أن التداعيات المحتملة قد تكون أكبر من توقعات إسرائيل، وأن إيران قد تكون قادرة على الرد بأساليب غير تقليدية قد تزيد من تعقيد الصراع.
بينما يسعى المجتمع الدولي إلى تجنب مزيد من التصعيد في منطقة الخليج، تبقى المخاوف الأوروبية والقلق الأمريكي من تطور الأحداث عائقًا أمام تحركات حاسمة، مما قد يؤدي إلى مزيد من التوترات والانعكاسات السلبية على الأمن والاقتصاد العالمي.


