جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

ليس من السهل فهم السلوك الجيوسياسي للدولة العبرية بعملا العدواني الحالي من خلال زاوية واحدة فقط. فالدولة التي تبدو، في ظاهرها، قوةً عسكرية واستخباراتية فائقة التنظيم، تحمل في داخلها أيضًا ذاكرة تاريخية مثقلة بالخوف والهواجس الوجودية. ولهذا تبدو إسرائيل، في كثير من الأحيان، وكأنها تعيش في منطقة رمادية بين البراغماتية الباردة وصدمات الماضي الثقيلة؛ بين عقل الدولة الحديثة وغرائز البقاء المصاغ على تاريخ طويل من الاضطهاد والحروب.
بين عقيدة الأمن وهاجس الذاكرة التاريخية
في أدبيات العلاقات الدولية، يمكن قراءة الاستراتيجية الإسرائيلية من خلال مستويين متداخلين:
-الأول هو المستوى الواقعي، حيث تتحرك الدول وفق حسابات القوة والأمن والمصلحة.
-الثاني هو المستوى البنائي، الذي يمنح أهمية للهوية والذاكرة الجماعية والروايات التاريخية في تشكيل السياسة الخارجية.
وفي الحالة الإسرائيلية، يبدو هذان المستويان متشابكين بصورة يصعب فصلها.
من منظور الواقعية السياسية، تبدو إسرائيل دولة رفعت مفهومي الأمن والسيطرة إلى مرتبة العقيدة شبه المطلقة بعد عملية طوفان الاقصى في 8 اكتوبر 2023. فالجغرافيا الضيقة، والبيئة الإقليمية العدائية، والإحساس الدائم بإمكانية التعرض للخطر، كلها عوامل دفعت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى تبني عقلية تقوم على منع التهديد قبل أن يولد.
أما من منظور البنائية، فإن الوعي الإسرائيلي الحديث لا يزال مشبعًا بذاكرة قرون من الاضطهاد، وصولًا إلى الهولوكوست، التي تحولت في المخيال السياسي الإسرائيلي إلى نقطة تأسيس نفسية وأخلاقية للدولة نفسها.
لماذا تعتمد إسرائيل على الحروب الاستباقية؟
ورغم أن الحسابات الأمنية تبقى العامل الأكثر حسمًا في سلوك الدول العبرية ، فإن تجاهل أثر الذاكرة التاريخية على إسرائيل سيكون تبسيطًا مخلًا. فالدول، حتى الأكثر عقلانية، لا تتحرك فقط وفق المصالح المادية، بل أيضًا وفق تصوراتها عن الخطر، وصورتها عن نفسها، ومخاوفها العميقة.
ومن هنا يمكن فهم أحد أهم عناصر العقيدة الإسرائيلية: الضربات الاستباقية. فكثير من التحليلات تربط هذه العقيدة بالسرديات التوراتية أو بالتقاليد الدينية، لكن التفسير الجيوسياسي يبدو أكثر واقعية وبساطة. فإسرائيل دولة تفتقر إلى العمق الاستراتيجي، وأراضيها الضيقة لا تمنحها رفاهية امتصاص الهجمات أو التراجع إلى الداخل كما تفعل الدول الكبرى. فالحل ببساطة يمكن في الاعتراف بدولة فلسطين الى جانبها مما يساعدها على حل عقدتها الدائمة .
فإذا كانت روسيا، مثلًا، قادرة تاريخيًا على الانسحاب إلى مساحات شاسعة واستنزاف خصومها حتى الانهيار، فإن إسرائيل لا تملك هذه الميزة. فأي اختراق عسكري واسع قد يضع الخصم، خلال وقت قصير، على مقربة من المراكز السياسية والاقتصادية الحيوية. لا توجد مسافات آمنة، ولا مدن بعيدة عن خطوط النار. ولهذا يتشكل داخل العقل الأمني الإسرائيلي شعور دائم بأن أي خطأ قد يكون قاتلًا.
ولا يتعلق الأمر بالجغرافيا وحدها، بل بالديموغرافيا أيضًا. فعدد سكان إسرائيل، مقارنة بمحيطها الإقليمي، يبقى محدودًا، ما يعمّق الإحساس بالهشاشة، ويجعل النخب السياسية والعسكرية ترى في أي تهديد محتمل خطرًا وجوديًا لا يمكن المجازفة حياله.
ولهذا السبب، تبدو الضربات الاستباقية بالنسبة لإسرائيل ليست خيارًا هجوميًا بقدر ما هي ضرورة استراتيجية. فالدولة العبرية تعتمد على التفوق التكنولوجي، والهيمنة الجوية، وشبكات استخبارات واسعة، لأنها تدرك أنها لا تستطيع تحمل حرب استنزاف طويلة أو هزيمة ميدانية مباشرة.
وبهذا المعنى، تبدو إسرائيل أشبه بما يسميه بعض المنظرين العسكريين “المدفع الزجاجي”: قوة قادرة على إلحاق أضرار هائلة بخصومها، لكنها في الوقت نفسه شديدة الحساسية تجاه أي ضربة مباشرة.
الأمن الاستباقي الإسرائيلي بين الردع النووي وهاجس البقاء
تجسد هذا المنطق بوضوح في عملية “أوبرا” عام 1981، حين دمرت إسرائيل مفاعل تموز النووي في العراق. فبالنسبة لصناع القرار الإسرائيلي، لم يكن السؤال متعلقًا بما إذا كان العراق يمتلك سلاحًا نوويًا بالفعل، بل بما إذا كان قد يمتلكه مستقبلًا. وكان مجرد احتمال ظهور قوة إقليمية معادية قادرة على امتلاك الردع النووي كافيًا لإثارة خوف وجودي داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
بالرغم من الجدل اللاحق حول طبيعة المفاعل، وما إذا كان مخصصًا لأغراض عسكرية أو مدنية، فإن إسرائيل تصرفت وفق منطق بسيط: “لا يمكن انتظار التهديد حتى يكتمل”.
لكن هذه العقيدة تحمل مفارقة خطيرة. فالدولة التي تسعى إلى تعزيز أمنها عبر القوة الاستباقية قد تدفع خصومها، في المقابل، إلى مزيد من التسلح والتطرف. وهنا تظهر “مأساة سياسات القوى” التي تحدث عنها جون ميرشايمر؛ فكل طرف يرى خطواته دفاعية، بينما يراها الطرف الآخر تهديدًا يستوجب الرد.
وفي السياق نفسه، يمكن فهم بعض الطروحات المرتبطة بفكرة “إسرائيل الكبرى” باعتبارها محاولة لتعزيز العمق الاستراتيجي قبل أن تكون مجرد مشروع ديني أو أيديولوجي. فالتوسع الجغرافي، من منظور واقعي، يمنح الدولة قدرة أكبر على الدفاع والمناورة. أما الروايات التاريخية والدينية فتأتي لاحقًا لتوفير الشرعية الأيديولوجية وحشد الداخل، خصوصًا لدى التيارات القومية والدينية الأكثر محافظة.
وعند الحديث عن الأمن الإسرائيلي، لا يمكن تجاهل مسألة السلاح النووي. فرغم سياسة “الغموض النووي”، فإن امتلاك إسرائيل لقدرات نووية متقدمة يكاد يكون من المسلمات في الإدراك الدولي.
وفي هذا السياق يبرز ما يعرف إعلاميًا بـ”خيار شمشون”، في إشارة إلى الرواية التوراتية التي هدم فيها شمشون المعبد على نفسه وعلى أعدائه. وبمعنى أدق، إذا واجهت إسرائيل خطرًا وجوديًا، فإنها لن تسقط وحدها.
ورغم الطابع الرمزي والديني لهذه الإشارة، فإن جوهرها لا يختلف كثيرًا عن عقائد الردع النووي لدى القوى الكبرى الأخرى. فالسلاح النووي هنا ليس أداة حرب بقدر ما هو أداة لمنع الحرب عبر التخويف من كلفتها النهائية.
بين الردع النفسي واستخدام القوة المفرطة
لا يمكن تفسير الاستراتيجية الإسرائيلية بالواقعية وحدها. فهناك بُعد نفسي عميق يرتبط بالتجربة التاريخية لليهود في أوروبا، وبفكرة أن الاضطهاد يمكن أن يتكرر في أي لحظة إذا فقد اليهود دولتهم أو قوتهم.
ومن هنا جاء مفهوم “الجدار الحديدي” الذي طرحه زئيف جابوتنسكي، والقائم على بناء قوة تجعل أي محاولة للقضاء على إسرائيل تبدو مستحيلة.
كما يعكس شعار “لن يتكرر ذلك مرة أخرى” جوهر هذا الوعي الجمعي، حيث تتحول الذاكرة التاريخية إلى جزء من العقيدة الأمنية ذاتها. ويمكن فهم الملاحقات التي قامت بها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ضد مجرمي الحرب النازيين في هذا السياق أيضًا، ليس فقط كعمل انتقامي، بل كرسالة تؤكد أن الدولة اليهودية الجديدة لن تسمح بتكرار تجربة العجز القديمة.
لكن المشكلة الكبرى في بناء الاستراتيجيات على الصدمات التاريخية تكمن في الميل إلى تضخيم التهديدات واستخدام القوة بصورة قد تتجاوز الحسابات البراغماتية البحتة. ولهذا تبدو بعض السياسات الإسرائيلية، خصوصًا تجاه المدنيين والبنية التحتية، الفلسطينية وكأنها تحمل بُعدًا عقابيًا أو انتقاميًا يتجاوز مجرد المنطق العسكري.
وتبرز “عقيدة الضاحية” مثالًا واضحًا على ذلك. فهذه العقيدة، التي ارتبطت باستخدام القوة التدميرية الواسعة ضد البنية التحتية المدنية في لبنان ، حيث تقوم على فكرة خلق ردع نفسي واجتماعي ورفع كلفة المواجهة على البيئة الحاضنة للخصوم. غير أن هذا النهج، بدلًا من إضعاف العداء لإسرائيل، يساهم غالبًا في تعميق الكراهية وتعزيز السرديات المعادية لها داخل المنطقة.
وفي النهاية، تبدو إسرائيل دولة تعيش تناقضًا دائمًا بين الشعور بالقوة والشعور بالهشاشة. فهي تمتلك تفوقًا عسكريًا واستخباراتيًا هائلًا، لكنها في الوقت نفسه تتصرف أحيانًا كدولة تخشى الانهيار في أي لحظة.
وربما يكون هذا التناقض تحديدًا هو المفتاح الحقيقي لفهم سياستها الخارجية: دولة قوية تتصرف بعقلية المحاصر، ودولة تمتلك الردع لكنها لا تشعر بالأمان الكامل أبدًا.
وربما تكمن المأساة الحقيقية في أن سعي إسرائيل المستمر إلى ضمان أمنها المطلق لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل إلى تكريس دائرة دائمة من الخوف والتسلح المتبادل في الشرق الأوسط، حيث يتحول أمن طرف إلى تهديد للطرف الآخر، وتصبح المنطقة بأسرها أسيرة لمنطق الردع والشك والصراع المفتوح.


