يوسف ناصر
جريدة الحرة ـ بيروت
تُستخدم كلمة “أقليات” لوصف مجموعة من الناس داخل دولة أو مجتمع، يكون عددهم أقل من بقية السكان، ويختلفون عن الأغلبية من حيث الدين أو المذهب أو العرق أو اللغة أو الثقافة أو حتى الانتماء السياسي. لكن المعنى ليس عدديًا فحسب، بل سياسي واجتماعي أيضًا. فقد تكون المجموعة أقل عددًا لكنها قوية سياسيًا أو اقتصاديًا، كما قد تكون كبيرة نسبيًا لكنها تُعامل كـ”أقلية” بسبب ضعف نفوذها أو التمييز ضدها.
من الناحية الديموغرافية، يُشكّل المسيحيون في لبنان اليوم أقلية عددية مقارنة بالمسلمين، إلا أنّهم كانوا تاريخيًا شركاء أساسيين في إدارة الدولة. فمنذ الاستقلال عام 1943 وحتى اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، لعب المسيحيون دورًا قياديًا في الحكم وأسّسوا مؤسسات الدولة. لاحقًا، انتقلت زمام القيادة السياسية إلى الطائفة السنية في عهد الرئيس الشهيد رفيق الحريري (1992–2005)، وهي فترة تميّزت بنهضة عمرانية واقتصادية وبقدر من الاستقرار الاجتماعي. أما الدروز، فرغم كونهم أقلية مذهبية، فقد احتفظوا بتمثيل سياسي وحضور مؤثر في الحياة الوطنية.
أما العراق، فمنذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، شهد تصاعدًا حادًا في الانقسامات الطائفية، خصوصًا بين العرب السنّة والعرب الشيعة، إضافة إلى الأقليات مثل الكرد والتركمان والمسيحيين والأيزيديين. هذه الانقسامات، التي غذّتها التدخلات الإقليمية والدولية، دفعت بالكثير من الأقليات إلى حمل السلاح لحماية وجودها ومناطقها.

بدأت أولى موجات العنف الطائفي الكبرى عام 2006 بعد تفجير مرقد الإمام العسكري في سامراء، ما أدّى إلى حرب شوارع في بغداد ومحافظات أخرى، وبلغت ذروتها حتى عام 2008. قُتل في تلك المرحلة وحدها نحو 100 ألف شخص، بحسب تقديرات الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية، وتهجّر أكثر من مليوني عراقي داخليًا، فيما لجأ نحو مليون ونصف إلى خارج البلاد.
لكن المأساة لم تتوقف هناك؛ فمع اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من العراق عام 2014، تعرضت الأقليات لعمليات إبادة وتهجير ممنهجة. الأيزيديون في سنجار مثلًا فقدوا ما لا يقل عن 5 آلاف قتيل في أيام قليلة، فيما تعرضت آلاف النساء للاسترقاق الجنسي. أما المسيحيون، الذين كان عددهم يُقدَّر بمليون ونصف قبل 2003، فقد تراجعوا إلى أقل من 300 ألف بعد موجات النزوح المتكررة.
وفي سوريا، سقط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024 إثر هجوم شنّته هيئة تحرير الشام وفصائل أخرى ومرتزقة عقائديون وماديون، كان أبرزهم الإيغور. أحمد الشرع، الملقب بـ”أبو محمد الجولاني”، المولود في 29 تشرين الأول 1982 بالرياض لعائلة سورية من الجولان المحتل ونشأ في دمشق، انضمّ إلى تنظيم القاعدة في العراق عام 2003، ثم إلى جبهة النصرة عام 2012، ولاحقًا إلى هيئة تحرير الشام عام 2017. وقد تم تعيينه فعليًا رئيسًا للسلطة الانتقالية في كانون الأول 2024، ثم رئيسًا للجمهورية في 29 كانون الثاني 2025.
منذ اليوم الأول، سارعت الولايات المتحدة ودول القرار، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، إلى رفع منسوب خطابها بحجة “حماية الأقليات”. غير أنّ هذه الدول لا يعنيها مصير الأقليات أو الأكثريات بقدر ما تسعى إلى فرض سياساتها وتحقيق مصالحها، أسوةً ببقية القوى الكبرى. فقد رسمت واشنطن خطابًا خبيثًا أوحت من خلاله بأن الأقليات في سوريا لا مكان لها في النظام الجديد؛ وكأنها تدفع الدروز — المتمثلين بالشيخ حكمت الهجري — إلى التحصّن، والأكراد — ممثلين بقوات سوريا الديمقراطية ذات الولاء الكامل لأميركا والعداء المستمر مع تركيا — إلى الاستعداد للقتال تحت ذريعة “الخطر الوجودي”. وفي الوقت نفسه، منحت إيران ذريعة لتبني خطاب مشابه، همسًا في آذان الطائفة العلوية والشيعية، بهدف كسب ولائهم والسيطرة عليهم بالتنسيق مع بقايا النظام السابق. وهو ما تواصل إيران العمل عليه حتى اليوم.

بهذه الطريقة، يتحوّل ملف الأقليات إلى ذريعة للتدخل الخارجي في شؤون الدول، واستخدامها كأوراق مساومة في الصفقات السياسية. إذ تُستعمل حقوق الأقليات كورقة ضغط أثناء المفاوضات للحصول على تنازلات من الطرف الآخر. والأنظمة الاستبدادية، شأنها شأن الدول ذات الأطماع، تشجع الانقسام بين الأقليات والأغلبية بهدف إضعاف أي معارضة موحّدة. وهي تضخّم مشاعر الخوف بدل ترسيخ المواطنة، في ظل خطاب سياسي في الشرق الأوسط يركّز غالبًا على الطائفة أو المذهب باعتبارهما الضمانة، لا على المواطن باعتباره الأساس.
إنّ البعد الديموغرافي لدروز سوريا بعد خطاب “حماية الأقليات” جعلهم محاصرين من جهة إسرائيل، ومن جهة أخرى من قِبَل هيئة تحرير الشام. وقد بدأت إسرائيل عبر خطاب التخويف والتعبئة الفكرية ببث الرعب بأن نظام الشرع قد يرتكب المجازر ويسبي الأطفال والنساء والشيوخ ويجعلهم عبيدًا، لمجرّد كونهم “أقليات”. وبهذا، تطرح إسرائيل نفسها كـ”الحامي الأوحد” لهم، بحجة وجود روابط مع دروزها في الداخل. أما ما يحتاجه بنيامين نتنياهو من هذه التعبئة، فهو من منظور أول: تكريس مشروع “إسرائيل الكبرى” والسيطرة على المناطق الاستراتيجية المحاذية، وعلى رأسها جبل الشيخ. ومن منظور ثانٍ: استرضاء دروز الداخل الإسرائيلي، الذين يشكّلون طيفًا من أطياف المجتمع ويقدَّر عددهم بحوالي 145 ألف نسمة.
تولى الشيخ حكمت الهجري الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية خلفًا لشقيقه أحمد، الذي توفي في حادث مشبوه، وهو منصب يتوارث داخل العائلة. لكن المستغرب أنه مع تولّيه المنصب، كان على وفاق وثيق مع نظام الأسد، وكان أول الحاضرين في المناسبات الرسمية والوطنية. وعندما اندلعت الثورة السورية، قدمت السويداء دعمًا للنظام البعثي عبر القتال جنبًا إلى جنب ضد داعش وجبهة النصرة. غير أنّ هذا الوفاق سرعان ما تحوّل إلى نقمة، إذ أعلن الهجري مواقف جذرية معارضة، وطالب بسقوط نظام الأسد وبحوار لإعادة تشكيل الدولة، بدءًا بحكومة انتقالية. وفي شباط 2025 أصدر بيانًا أكد فيه أنّ سوريا يجب أن تبقى موحّدة، رافضًا أي شكل من أشكال التقسيم أو الانفصال. وفي آذار من العام نفسه، هاجم حكومة أحمد الشرع، واصفًا إياها بأنها حكومة متطرفة مطلوبة دوليًا لا يمكن التعامل معها.
إن دروز سوريا جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي السوري، ولهم تاريخ نضالي بارز مع قائدهم سلطان باشا الأطرش، الذي قاد الثورة السورية ضد الانتداب الفرنسي. وإذا عدنا إلى صفحات التاريخ، نجد أن دروز سوريا لا يسعون لا إلى الانفصال، ولا إلى الانقلاب، ولا حتى إلى الانضمام لإسرائيل.
في تموز 2025 اندلع صراع في السويداء بين الدروز المسلّحين من جهة، والبدو من جهة أخرى، مع دخول عشائر عربية دعمًا للبدو. وقد رافقت هذه الأحداث ممارسات أليمة، وصلت حدّ التصفية المتبادلة بدم بارد، والخطف والإذلال والعبث بالمقدرات، فضلًا عن ممارسات عنيفة وغير إنسانية. وأعطت هذه الأحداث صورة قاتمة عن “انطلاقة” الدولة السورية الجديدة، إذ رسّخت في عقول أبناء الوطن الواحد أبشع صور الاحتراب الداخلي، وكشفت بوضوح كيف تدار لعبة الأقليات على الأرض.

لقد أشرنا منذ البداية إلى أنّ الدول الكبرى والاستعمارية تتخذ من خطاب الأقليات مدخلًا لاستمالتهم، قبل أن تفرض ما تريده من مكاسب سياسية واقتصادية وجغرافية. ومن غير المعقول أن يُقدم أحمد الشرع على الزجّ بنفسه في مستنقع أحداث السويداء، بعدما بدأت العقوبات تُرفع، والاقتصاد يتنفس، ولا سيما بعد الاعتراف الدولي برئاسته لسوريا وحكومته الانتقالية، ووضع البلاد على سكة إعادة الإعمار. لكن خطاب “حماية الأقليات” طغى على المشهد، وأُرسِل إلى أذهان الأقليات السورية تحذير دائم من “سفّاح” قد يطرق أبوابهم في أي لحظة، ما لم يكونوا تحت جناح الحماية الدولية.
إن إسرائيل هي المستفيد الأكبر من أحداث السويداء، إذ تتوجه أصابع الاتهام إليها بأنها تقف ضمنيًا وراء إشعالها، وذلك لثلاثة أسباب:
- منح المجتمع الدولي ذريعة لبقاء إسرائيل في المنطقة بحجة حماية وجودها.
- توسيع نفوذها عبر دفع سوريا إلى التقسيم، بحيث تصبح السويداء درزية، الساحل علويًا–شيعيًا، الشمال للأكراد، والباقي للسنة؛ لتغرق البلاد في فوضى جديدة، ما يتيح لإسرائيل التدخل باعتبارها “المنقذ” تحت شعار حماية الأقليات.
- تحقيق مكاسب استراتيجية بالاقتراب أكثر من الحدود التركية، خصوصًا أن إسرائيل تراقب عن كثب التطور السريع في قدرات الجيش التركي الدفاعية والهجومية، وتعمل على تحريض الولايات المتحدة لمنع إتمام صفقة تزويده بطائرات F-35.
- التمدّد الخبيث وتقسيم الأوطان وهو مشروع إسرائيل خدمةً لقيام مشروع “إسرائيل الكبرى”. غير أنّها لا تستطيع إغفال المارد السعودي الذي يتصدّى لمحاولاتها في إبقاء احتلالها لسوريا ولبنان، لأنّ مشروع التحرير وترسيم الحدود بين لبنان وسوريا وإسرائيل يعني سقوط أوهام “إسرائيل الكبرى”.
إنّ الخلاصة والعبرة التي يجب أن تترسّخ في عقول الشعوب العربية بمختلف أطيافها وأعراقها ومذاهبها، أنّ البُعد الوطني هو الضمانة الحقيقية لحماية الشعوب، وأنّ العمق العربي بقيادة الملك محمد بن سلمان يشكّل الاستراتيجية الدفاعية في مختلف أنحاء العالم العربي، ولا سيّما في سوريا ولبنان.
إنّ خطاب “حماية الأقليات” وما يحمله من أحقاد وكراهية ومذهبية، لا يُنتج إلا الضعف والهشاشة للأوطان. أمّا التمسّك بالبعد الوطني والعمق العربي فهو الاستراتيجية الوحيدة الكفيلة بحماية دولنا.
لقد صفعت السعودية إسرائيل صفعة مدوّية، وردّت بحزم بالتعاون مع أصدقائها على أحداث السويداء، وكان لها الدور الأبرز في إيقافها. وجاء الرد أوّلاً عبر تقديم مختلف أشكال المساعدات، وثانياً عبر استثمار ضخم بلغت قيمته ستة عشر مليار دولار، ما جعل نتنياهو يقطّب وجهه، وأسقط عملياً خطاب “حماية الأقليات” وعدّمه القيمة والجدوى.


