الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

إصلاح الإدارة العامة اللبنانية

جريدة الحرة بيروت

بقلم علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

إن الدولة في جوهرها ليست سوى جهاز إداري ناظم للمصالح العامة، وحين يتحول هذا الجهاز إلى ساحة للمحاصصة وتوزيع الغنائم، تفقد الدولة علة وجودها وتتحول من راعية للمواطنين إلى عبء عليهم.
يعاني لبنان اليوم من ترهل إداري بنيوي ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة تراكم سياسات جعلت من الوظيفة العامة أداة لاسترضاء الموالين وتثبيت أركان الزعامات الطائفية على حساب الكفاءة والنزاهة والضمير المهني.

إن استعادة ثقة المواطن بالدولة تبدأ بفك الارتباط العضوي بين الإدارة والسياسة، وتحويل المرفق العام من ملكية خاصة للقوى المهيمنة إلى مؤسسة تقنية حديثة تعمل وفق معايير الجودة والمساءلة والشفافية المطلقة. تكمن جذور الأزمة في تغليب الولاء الطائفي على الجدارة العلمية، مما أدى إلى حشو الإدارات بكوادر تفتقر إلى التأهيل التكنولوجي والمهني، وأنتج منظومة تحمي الفاشل وتعرقل المبدع. هذا الواقع أدى بدوره إلى تفشي الرشوة والمحسوبية وضياع الحقوق في دهاليز البيروقراطية الورقية التي صُممت عمداً لتعقيد المعاملات وإجبار المواطن على البحث عن وسيط أو دفع مبالغ غير قانونية لنيل حقه الطبيعي.

إن هذا المشهد القاتم يمتد بظلاله الثقيلة على قطاع التربية والتعليم، حيث نرى تراجعاً مخيفاً للمدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية لصالح مؤسسات خاصة تقتات على موازنات الدولة عبر منح ومساعدات وصناديق دعم تفتقر لأدنى معايير الرقابة الفعلية، مما يكرس انقساماً طبقياً وتعليمياً يهدد مستقبل الأجيال القادمة.

إن الإصلاح الحقيقي يتطلب شجاعة في اتخاذ قرارات تقطع مع الماضي، وأولى هذه الخطوات هي الثورة على المنظومة التشريعية الحالية التي تشرعن الهدر وتحمي المفسدين. يجب الانتقال فوراً إلى نظام التوظيف القائم على الجدارة المطلقة، حيث لا مكان للواسطة في الدخول إلى الملاك العام، بل تكون المباريات والامتحانات التي تدار آلياً بالكامل هي المعيار الوحيد والفيصل.

إن إلغاء البدع الطائفية في تعيينات الفئة الأولى وتبديلها بعقود أداء زمنية مرتبطة بتحقيق أهداف محددة سيعيد للمدير العام والموظف هيبته واستقلاليته، ويجعل بقاءه في منصبه رهناً بإنتاجيته وليس برضا مرجعيته السياسية.

وفي ظل هذا التحول، تبرز التكنولوجيا الحديثة كأقوى سلاح لمكافحة الفساد، فالرقمنة الكاملة للإدارة ليست مجرد ترف تقني، بل هي ضرورة وطنية لإلغاء التماس المباشر بين الموظف والمواطن، وهو التماس الذي يعد البيئة الخصبة لنمو الرشوة. إن اعتماد الهوية الرقمية الموحدة وربط كافة مؤسسات الدولة بشبكة بيانات متكاملة سيسهم في تجفيف منابع الهدر وكشف الموظفين الوهميين والوظائف المزدوجة التي تستنزف الخزينة دون تقديم أي خدمة فعلية. كما أن استخدام تقنيات حفظ البيانات غير القابلة للتعديل سيحمي سجلات المواطنين وحقوقهم العقارية والتربوية من أي تلاعب أو تزوير، مما يعيد الطمأنينة إلى النفوس ويعزز سيادة القانون.

أما في قطاع التعليم، فإن النهوض بالمدرسة الرسمية والجامعة الوطنية يبدأ بتحويل الدعم المالي من المؤسسات إلى الفرد المستحق، إن فكرة البطاقة التربوية الذكية التي تمنح للطالب مباشرة تضمن وصول أموال الدولة إلى مستحقيها الفعليين، وتجبر المؤسسات التعليمية كافة على التنافس في تقديم أفضل مستويات الجودة لجذب الطلاب، بدلاً من الاعتماد على التحويلات المالية المقنعة التي تذهب للجمعيات والمؤسسات التابعة للقوى السياسية.
إن استعادة دور الجامعة اللبنانية كمنارة للعلم تتطلب تحريرها من القيود الطائفية ومنحها استقلالية إدارية ومالية تمكنها من تطوير مناهجها وربط أبحاثها بمتطلبات العصر والذكاء الاصطناعي، لتكون قادرة على تخريج أجيال قادرة على المنافسة في سوق العمل العالمي.

إن الرقابة هي الركن الرابع في عملية الإصلاح، ولا يمكن لرقابة أن تنجح وهي تخضع لسلطة من تراقبهم، لذا يجب تفعيل الأجهزة الرقابية ومنحها صلاحيات إصدار أحكام نافذة وربطها بأنظمة تتبع ذكية تكشف أي خلل في الإنفاق أو تراجع في الأداء بشكل آلي. إن إشراك المواطن في عملية الرقابة عبر منصات تقييم شفافة تتيح له التعبير عن رأيه في جودة الخدمة الحكومية سيعيد بناء جسور الثقة المهدومة، ويجعل الموظف العام يشعر بأنه تحت مجهر الشعب لا تحت حماية الزعيم. إن الشفافية المطلقة في نشر ميزانيات الوزارات وعقود الشراء العام على الإنترنت هي حق للمواطن وواجب على الدولة، وهي الخطوة الأولى نحو بناء مجتمع يعي حقوقه وواجباته.

إن التحدي الاقتصادي والاجتماعي الذي يواجهه لبنان يفرض علينا ترشيد الإنفاق وتوجيهه نحو القطاعات الإنتاجية والخدمات الأساسية، عبر إلغاء الصناديق والمجالس الموازية التي تعمل خارج إطار الموازنة العامة ودمجها في هيكلية الدولة، ما سيؤدي إلى توفير مبالغ ضخمة يمكن استثمارها في تحديث البنية التحتية التكنولوجية وتأمين الكهرباء والإنترنت، وهما العصب الأساسي لأي إدارة حديثة. إن الموظف الكفوء الذي يتقاضى راتباً عادلاً ويخضع لنظام تقييم دوري سيكون هو المحرك لعملية التنمية، بينما سيجد المتقاعس والمفسد نفسه خارج النظام الجديد الذي لا يحابي أحداً ولا يعترف بالحمايات المذهبية.

وعليه، فإن استشراف المستقبل الإداري يوجب علينا إقرار قانون جدارة ينهي المحاصصة في التعيينات العليا ويستبدل المقابلات الشفهية باختبارات ذكاء وتخصص تدار عبر الحاسب بالكامل، مع تفعيل المساءلة المرتبطة بالأداء ليكون البقاء في الوظيفة مرهوناً بالإنتاجية لا بالحصانة السياسية. ويتوجب المضي فوراً في قوننة البطاقة التربوية لتحويل الدعم المالي إلى الطالب مباشرة وتجفيف منابع تمويل المؤسسات الوهمية، بالتوازي مع منح الجامعة اللبنانية استقلالاً أكاديمياً ومالياً مطلقاً يحميها من تدخل الأحزاب. إن اعتماد تقنيات التوثيق الرقمي لحماية الشهادات والسجلات العقارية، وإدخال برمجيات الرصد الذكية في أجهزة الرقابة لرصد الهدر بشكل آلي، يمثلان الضمانة التقنية للشفافية.

كما يجب إطلاق منصة رقمية موحدة تتيح للجمهور تقييم الخدمات العامة ونشر ميزانيات كافة الصناديق والمؤسسات دورياً للعلن، فلبنان لا يحتاج لمزيد من الخطط بل لقرار سيادي يرفع الغطاء عن الموظف الزبائني ويطلق يد التكنولوجيا والنزاهة في بناء دولة الحق التي تحترم إنسانية المواطن وتصون مستقبله.

https://hura7.com/?p=75350

الأكثر قراءة