جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تأتي التشكيلات الجديدة التي تجريها وزارة الدفاع السورية، وما يرافقها من محاولات لدمج وحدات عسكرية، وإعادة تنظيم القيادات، وتكليف بعض العناصر بمهام إدارية، في إطار مسار يهدف إلى إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مؤسساتية وقانونية. ولا تقتصر أهمية هذه الخطوات على الجانب التنظيمي، بل ترتبط بمشروع أوسع يتمثل في إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية داخل الدولة، بحيث تصبح خاضعة لقيادة موحدة وقواعد واضحة، بعيدًا عن تعدد مراكز القوة والارتباطات غير الرسمية.
ورغم وجود اعتراضات من بعض الأطراف التي قد ترى في عملية إعادة الهيكلة تهديدًا لنفوذها السابق، فإن بناء الدولة الحديثة يتطلب الانتقال من منطق القوى المسلحة المتعددة إلى منطق المؤسسة الوطنية التي تحتكر استخدام القوة وفق القانون. فالتحدي الأساسي لا يتمثل فقط في دمج العناصر والوحدات، بل في بناء ثقافة مؤسساتية تجعل الانتماء للدولة يتقدم على الانتماءات الفصائلية أو المناطقية أو الأيديولوجية.
إنهاء سنوات الفوضى واستعادة مفهوم الدولة
بعد سنوات طويلة من الصراع الذي أضعف مؤسسات الدولة السورية، أصبحت عملية إعادة بناء الدولة واستعادة فاعلية مؤسساتها من أبرز التحديات أمام القيادة الجديدة. فالمسألة لا تتعلق فقط بإعادة ترتيب الوحدات العسكرية أو إعادة توزيع المناصب، بل بإعادة صياغة مفهوم السلطة، بحيث تصبح الدولة المرجعية الأساسية للسلاح والقرار الأمني والسياسي.
إن إنهاء مرحلة الفوضى لا يعني فقط إنهاء المواجهات العسكرية، بل يعني أيضًا معالجة آثار الحرب التي أنتجت شبكات نفوذ متعددة، واقتصادات مرتبطة بالصراع، وقوى مسلحة اعتادت العمل خارج الإطار المؤسساتي. ولذلك فإن نجاح عملية الانتقال يرتبط بقدرة الدولة على فرض قواعد جديدة تقوم على القانون والمواطنة والمؤسسات.
إعادة طريق الدولة المؤسساتية
تواجه الرئاسة السورية خيارًا استراتيجيًا بين مسارين متباينين: الأول يتمثل في بناء دولة مؤسسات قادرة على استعادة دورها الطبيعي داخليًا وإقليميًا، وتطوير مؤسساتها السياسية والعسكرية والأمنية بما يعزز وحدة البلاد وسيادتها، ويفتح المجال أمام عودة سوريا إلى ممارسة دورها الإقليمي.
أما المسار الثاني فيتمثل في استمرار حالة التنافس بين القوى المسلحة وتعدد مراكز القرار، وهو ما قد يؤدي إلى إطالة مرحلة عدم الاستقرار، وإضعاف قدرة الدولة على إدارة شؤونها، وتحويل سوريا إلى ساحة نفوذ متنافسة بدل أن تكون دولة موحدة ذات قرار مستقل.
ومن هنا فإن إعادة بناء الدولة لا تُقاس فقط بقدرة القيادة على إنهاء الحرب، بل بقدرتها على تأسيس نظام مؤسساتي قادر على الاستمرار بعد انتهاء مرحلة الصراع.
إعادة الدولة بين مشروع المؤسسات ومصالح ما بعد الحرب
يبرز في هذا السياق سؤال جوهري حول مفهوم “إعادة الدولة” بعد الصراع؛ فهناك من يرى أن مرحلة ما بعد الحرب يجب أن تتحول إلى مشروع وطني لبناء المؤسسات وإعادة الإعمار السياسي والاجتماعي، في حين قد ترى بعض الجماعات المسلحة أن الحفاظ على نفوذها العسكري يمثل امتدادًا لدورها خلال مرحلة الصراع.
وهنا تظهر الإشكالية الأساسية: هل يُنظر إلى الانتصار باعتباره بداية لبناء دولة جديدة، أم باعتباره فرصة للحصول على مكاسب ونفوذ؟ فالدول التي تخرج من الحروب تواجه دائمًا خطر انتقال الصراع من ساحات المعارك إلى مؤسسات الدولة، إذا لم يتم وضع قواعد واضحة للانتقال من السلاح إلى العمل المؤسساتي.
لذلك تصبح عملية دمج القوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة اختبارًا حقيقيًا لقدرة القيادة على الانتقال من منطق التعبئة العسكرية إلى منطق الدولة، ومن شرعية القوة إلى شرعية المؤسسة.
تجربة البوسنة والهرسك ودروس مرحلة ما بعد الحرب
تقدم تجارب ما بعد النزاعات، ومنها تجربة البوسنة والهرسك بعد اتفاق دايتون عام 1995، نموذجًا مهمًا حول صعوبة الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة بناء الدولة. فقد واجهت القيادة البوسنية آنذاك تحدي التعامل مع المقاتلين الذين شاركوا في الحرب، وتحويل دورهم من العمل العسكري إلى المساهمة في بناء مؤسسات الدولة.
وتوضح التجربة البوسنية أن مرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى خيارات واضحة أمام القوى المسلحة؛ فإما الاندماج ضمن مؤسسات الدولة وفق القوانين المعتمدة، أو الانتقال إلى الحياة المدنية، أو التعامل مع أي جهة ترفض التخلي عن السلاح خارج إطار الدولة باعتبارها تهديدًا لسيادة المؤسسات.
وهذا الدرس يحمل أهمية خاصة لسوريا، لأن نجاح مرحلة الانتقال لا يعتمد فقط على إنهاء الحرب، بل على القدرة على منع ظهور مراكز قوة مسلحة تنافس الدولة.
الانتصار: بين بناء الدولة أو منطق الغنيمة
تؤكد تجارب التاريخ أن الانتصار العسكري لا يمثل نهاية التحديات، بل قد يكون بداية مرحلة أكثر صعوبة، وهي مرحلة بناء الدولة. فبعد انتهاء الصراع تظهر إشكالية توزيع الأدوار والمصالح بين القوى التي شاركت في الحرب؛ إذ يرى البعض أن التضحيات التي قدمت تمنحهم حق المشاركة في مستقبل الدولة، بينما ترى الدولة أن مرحلة الحرب انتهت وأن المرحلة الجديدة تتطلب قواعد مختلفة تقوم على القانون والمؤسسات.
ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي لأي قيادة سياسية بعد الحرب يتمثل في قدرتها على تحويل الانتصار العسكري إلى مشروع دولة، وليس السماح بتحوله إلى صراع على النفوذ أو مكاسب خاصة.
الانتقال من الفصائل إلى الجيش الوطني
يمكن قراءة إعادة تنظيم القوات المسلحة السورية باعتبارها محاولة للانتقال من نموذج الفصائل إلى نموذج الجيش الوطني، ومن مرحلة الصراع إلى مرحلة بناء الدولة. غير أن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطًا بقدرة القيادة على تحقيق التوازن بين الاعتراف بدور القوى التي شاركت في المرحلة السابقة، وبين ضرورة تأسيس دولة لا تقوم على الولاءات العسكرية المتعددة، بل على المؤسسات والقانون وسيادة القرار الوطني.
فالدولة السورية الجديدة، إذا أرادت استعادة مكانتها، تحتاج إلى مؤسسة عسكرية موحدة، وإدارة سياسية قادرة على جمع المكونات المختلفة، ونظام مؤسساتي يجعل الدولة فوق الجميع، لأن بقاء السلاح خارج إطارها يعني استمرار منطق الحرب داخل مرحلة السلم.


