الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

إعادة تسمية الأوراسية: روسيا وطموحاتها في المنطقة

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

منذ فترة طويلة، يشكل مفهوم الأوراسية حجر الزاوية في السياسة الروسية. لكن مع التحولات الجيوسياسية وتغيرات النفوذ في المنطقة، أصبح هذا المفهوم بحاجة إلى إعادة تقييم. إنَّ مشكلة روسيا الأساسية اليوم تكمن في التحولات الكبرى في منطقة الأوراسيا، التي كانت أوكرانيا تمثل العمود الفقري لها. ومع تحول أوكرانيا نحو الغرب، تحركت النخب الروسية نحو إعادة بناء قوة اقتصادية جديدة قادرة على منافسة الصين و أوروبا في المنطقة. لكن هذا أدى إلى اندلاع معركة غير مرحب بها مع أوكرانيا، حيث تطمح روسيا إلى السيطرة عليها وتوسيع نفوذها في المنطقة.

الأوراسية: المذهب التاريخي الذي يحتاج إلى تجديد

في البداية، تُعد الأوراسية مذهبًا تاريخيًا مثيرًا للاهتمام، لكنها لم تعد تواكب التغيرات الحضارية في آسيا. آسيا اليوم ليست كما كانت في الماضي، فهي ليست مجرد مراعي شاسعة يسكنها البدو الرحل، بل أصبحت مراكز حضارية حديثة تتضمن ناطحات سحاب في شنغهاي و قطارات فائقة السرعة في اليابان والصين. مع ذلك، تواجه روسيا مهمة التوجه شرقًا، وهو ما يعيد إحياء نقاشات قديمة حول مفهوم الأوراسية.

أما عن الفكرة الأوراسية التقليدية، فلابد من القول إن هذا الفكر الأوراسي كان في جوهره فكرًا أوروبيًا بامتياز. في الحقيقة، لم يكن هناك ما يُسمى بالأوراسية الآسيوية كما يروج البعض. بل كان هذا المفهوم نابعًا من الاهتمام الأوروبي بالاستشراق في الحقبة الاستعمارية. افتتان روديارد كيبلينغ بهند، وتغنيته بها، يمكن أن يُعتبر بداية لظهور هذه الفكرة الفكرية، التي كانت تُروّج لفهم أوروبا لموقعها في الشرق. كذلك، تهديد ألكسندر بلوك الشعري: “سنوجه وجوهنا الآسيوية نحوكم” كان في النهاية نداء إلى أوروبا، وكلمات يائسة من عاشق لم يُبادله الحب، وهو ما يعكس موقفًا أوروبيًا يركز على التوجه نحو الشرق.

روسيا والسهوب: الهوية الأوراسية والتفاعل مع الآسيويين

الهوية الأوراسية التي كان يتبناها الروس تاريخيًا كانت متجذرة في السهوب، وهي الأراضي التي تجمع بين الغابات الروسية و الشعوب البدوية. في كتابه الشهير “روسيا القديمة والسهوب الشاسعة”، أشار ليف غوميليوف إلى كيفية تفاعل روسيا مع السهوب و شعوب البدو على مر العصور. حتى قبل المغول، كانت روسيا في تفاعل دائم مع السهوب، بدءًا من البجناك و البولوفيين وصولاً إلى المغول.

لكن، إذا نظرنا إلى آسيا اليوم، نجد أن السهوب لا تشكل جزءًا هامشيًا من الحضارات الحديثة في آسيا الكبرى، مثل الصين و الهند و آسيا الوسطى. لقد عانت الصين من غزوات المغول عبر التاريخ، حيث بنوا سور الصين العظيم كإجراء وقائي ضدهم. أما الهند فقد تعرضت للغزو المغولي على يد سلالة يوان من عام 1271 إلى 1368، وهو ما يشكل مرحلة تاريخية مؤلمة في تاريخ الصين والهند.

المفهوم الحديث للأوراسية: التحديات وآفاق المستقبل

بناءً على ما سبق، يمكن القول إن روسيا بحاجة إلى تبني فهم أعمق للحضارات الآسيوية، بعيدًا عن الأساليب الاستعمارية الأوروبية القديمة أو التحليلات السطحية للأوراسية. ليس من العيب أن تتعلم روسيا من آسيا كما تعلمت الدول الآسيوية من الغرب. روسيا بحاجة إلى التفاعل الحقيقي مع آسيا، ليس فقط عبر المصالح الجيوسياسية، بل عبر التبادل الثقافي و التعاون العلمي.

اليوم، روسيا مدعوة إلى تعزيز تواصلها مع دول آسيا الكبرى مثل الصين و الهند و اليابان، وكذلك دول الجنوب العالمي الأخرى التي تلعب دورًا متزايدًا في الاقتصاد العالمي. على روسيا أن تستفيد من التكنولوجيا الحديثة و الابتكار الذي جلبته آسيا، وأن تعيد التفكير في دورها في المنطقة دون الاعتماد على المفاهيم القديمة التي لم تعد ملائمة للواقع الحالي.

إن العلاقة مع آسيا لا يجب أن تقتصر على المصالح الاقتصادية، بل يجب أن تشمل أيضًا المشاركة الفعالة في قضاياها الثقافية و السياسية. روسيا اليوم، وفي ظل الهيمنة الغربية على الإعلام، تجد نفسها في حاجة ماسة إلى تعليم متخصص في اللغات الآسيوية و فهم الثقافات الآسيوية من خلال التبادل الثقافي و التعاون الأكاديمي مع الدول الآسيوية.

إعادة بناء علاقات روسيا مع آسيا

إن التوجه نحو الشرق يتطلب تغييرات جذرية في السياسة الروسية تجاه آسيا. لا يكفي أن يكون التوجه نحو الشرق مجرد شعارات أو توصيفات ذات طابع تاريخي مثل الأوراسية. على روسيا أن تكون مستعدة لإعادة بناء هويتها في إطار علاقات جديدة مع آسيا، بعيدًا عن الأفكار التقليدية التي لم تعد ذات صلة بالواقع المعاصر. ورغم كل هذه التحديات، فإن روسيا في بداية طريق طويل يتطلب تعلمًا حقيقيًا من آسيا، و تعاونًا وثيقًا مع دول الجنوب العالمي، حتى تكون جزءًا من الحركة الاقتصادية والثقافية العالمية الحديثة.

التحديات الإعلامية والثقافية والسياسية والانثروبولوجية

تواجه روسيا تحديات كبيرة تتعلق بإعادة صياغة رؤيتها الإعلامية والثقافية في سياق تحولات السياسة الدولية. فحتى اليوم، لا يزال الغرب يهيمن بشكل كبير على الفضاء الإعلامي الروسي، حيث تتصدر أخبار العائلة المالكة البريطانية، و نجوم هوليوود، و ملفات قضية إبستين اهتمامات وسائل الإعلام الروسية، في حين تظل التقارير المتعلقة بـ آسيا ودول الجنوب العالمي في مؤخرة الاهتمامات الإعلامية.

من الناحية السياسية، تؤثر الهيمنة الغربية على الإعلام في تشكيل الرأي العام الروسي، مما يعوق الفهم العميق والواقعي للمناطق والدول التي أصبحت اليوم محورية في السياسة العالمية. على سبيل المثال، الأوضاع في إيران اليوم صعبة للغاية، ولكن ما مدى معرفتنا الحقيقية بهذا البلد المحوري في الشرق الأوسط؟ غالبًا ما نتلقى نفس الدعاية الغربية حول إيران وغيره من دول الجنوب العالمي، دون فحص دقيق للحقائق السياسية أو الاجتماعية داخل هذه الدول.

أما على المستوى الأنثروبولوجي، فإن وسائل الإعلام الروسية تتجاهل أيضًا الغنى الثقافي والتنوع الذي تقدمه آسيا. فآسيا ليست مجرد مسرح سياسي أو اقتصادي، بل هي قارة تتعدد فيها الأعراق والتقاليد الثقافية. من هنا تأتي الحاجة إلى توسيع نطاق المعرفة والاهتمام بكل ما يتعلق بهذه القارة، ليس فقط من خلال التقارير الإعلامية، بل عبر التفاعل الثقافي والفهم العميق للتنوع الثقافي والأنثروبولوجي في الدول الآسيوية.

نحن بحاجة إلى توسيع نطاق وصولنا الإعلامي ليشمل التقارير من آسيا، و السينما الآسيوية، و الأدب الآسيوي، وهو ما سيساهم في تحسين الفهم المتبادل بين روسيا ودول آسيا. لتحقيق ذلك، من المهم أن تدعم الحكومة الروسية التبادل الثقافي مع الدول الآسيوية، وأن تُسهم في بناء شبكات ثقافية تركز على الهوية الثقافية الآسيوية وتطوير القدرات اللغوية في اللغات الآسيوية. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يُنظر إلى آسيا ليس فقط كمنطقة استراتيجية، بل كمجموعة من المجتمعات المعقدة التي تحمل مفاتيح لفهم التحديات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية العالمية.

الطريق إلى الشرق

في الختام، يمكننا القول إن روسيا ما زالت في بداية الطريق نحو فهم آسيا بشكل حقيقي. لا ينبغي أن تبقى الأوراسية مجرد شعار تاريخي. روسيا بحاجة إلى إعادة تعريف نفسها في هذا السياق، وأن تفتح آفاقًا جديدة لعلاقاتها مع آسيا و الدول الجنوبية التي تمثل اليوم الجزء الأكبر من الاقتصاد العالمي.

على روسيا أن تدرك أنه ليس من العيب أن تتعلم من آسيا. هذه الدول التي تمثل الأغلبية العالمية باتت تمتلك من المعرفة والتكنولوجيا ما يجعلها تتفوق على الغرب في العديد من المجالات. إن روسيا في حاجة ماسة إلى مواكبة هذا التحول الهائل، وليس فقط عبر الاستفادة من آسيا في مجالات معينة، بل أيضًا عبر التفاعل الثقافي والاقتصادي بشكل أعمق.

https://hura7.com/?p=74583

الأكثر قراءة