الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

إعادة تشكيل الدور الألماني الدفاعي في أوروبا

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

خاص ـ تخطط ألمانيا لزيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة الخمس في عام 2027 مقارنة بالعام 2026، حيث تسعى إلى تحقيق هدف الناتو الجديد قبل ست سنوات على الأقل من الموعد المحدد.

وبالتفصيل ستنفق برلين 144.9 مليار يورو على الدفاع في عام 2027، مقارنة بنحو 120 مليار يورو في العام 2026 وفقًا لأرقام حكومية تم تداولها قبل إعلان رسمي في 29 أبريل 2026. ويشمل رقم العام 2027 نحو 11.5 مليار يورو كمساعدات عسكرية لأوكرانيا، وهو مبلغ مماثل تقريبًا لما تم إنفاقه خلال العام 2026.

تغيير جذري في العقيدة الدفاعية

رفعت ألمانيا القيود الدستورية المفروضة على الديون العام 2025 للسماح باقتراض غير محدود تقريبًا لأغراض الدفاع، مما أدى إلى إطلاق حملة إعادة تسليح ضخمة غير مسبوقة منذ الحرب الباردة في مواجهة التهديد الروسي وإدارة أمريكية غير موثوقة. كما أنشأت الدولة صندوقًا خاصًا للديون بقيمة 500 مليار يورو لتحديث بنيتها التحتية على مدى العقد المقبل.

وقد أدت هاتان الخطوتان إلى تغيير جذري في سنوات من النهج المالي التقليدي، في الوقت الذي يسعى فيه أكبر اقتصاد في أوروبا إلى النمو مجددًا.

خطة الميزانية الحكومية تهتم بمجال الدفاع

اضطرت الحكومة إلى خفض توقعاتها للنمو لعامي 2026 و2027 بسبب حرب إيران، مما أدى إلى إطالة فترة طويلة من الركود. تسلط خطة الميزانية الحكومية لأربع سنوات الضوء على القوة المالية لبرلين في مجال الدفاع، والتي تفوق بكثير قوة فرنسا والمملكة المتحدة المقيدتين ماليًا، وهما أكبر قوتين نوويتين في أوروبا.

وقد تسارعت وتيرة إعادة التسلح، التي بدأت في عهد المستشار السابق أولاف شولتز في عام 2022 بعد بدء حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2026، ومنذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض العام 2025، بالتزامن مع تشكيل حكومة الائتلاف برئاسة المستشار فريدريش ميرز.

بعد سماعه دعوات من جميع أنحاء أوروبا لبذل المزيد من الجهد في مجال الدفاع، وشعوره بالقلق إزاء تهديدات ترامب المتكررة لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي، تعهد ميرز بتحويل الجيش الألماني، الذي عانى لسنوات من نقص الاستثمار، إلى “أكبر جيش تقليدي في أوروبا”.

كانت برلين تخطط لإنفاق 188.4 مليار يورو على الدفاع بحلول عام 2030، وفقًا لمسؤولين حكوميين، بما في ذلك 8.5 مليار يورو لأوكرانيا في حال استمرار الصراع حتى ذلك الحين. ويعادل هذا المبلغ 3.7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى من متطلبات الإنفاق العسكري الأساسي لحلف الناتو البالغة 3.5 بالمئة بحلول عام 2035.

سيرفع ائتلاف ميرز الإنفاق العام إلى 543.3 مليار يورو إجمالًا العام 2027، بزيادة قدرها 3.5 بالمئة عن العام 2025. وسيؤدي ذلك إلى صافي اقتراضات بقيمة 196.5 مليار يورو، ارتفاعًا من 182 مليار يورو في عام 2026.

تشير المعطيات إلى تحول استراتيجي عميق في توجهات ألمانيا الدفاعية والمالية، وهو تحول مرشح لإعادة تشكيل توازنات القوة داخل أوروبا خلال السنوات القادمة. فزيادة الإنفاق الدفاعي بهذا الحجم، مقرونة برفع القيود الدستورية على الديون، تعكس انتقالًا واضحًا من سياسة التحفظ المالي إلى نهج أكثر مرونة يعتمد على توظيف الدين كأداة لتعزيز القوة العسكرية والاقتصادية معًا.

من المتوقع أن يؤدي هذا التوجه إلى ترسيخ موقع ألمانيا كقوة عسكرية تقليدية أولى في أوروبا، وهو ما قد يغير طبيعة العلاقات داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة مع فرنسا التي لطالما احتفظت بدور قيادي عسكري وسياسي. هذا التحول قد يدفع نحو إعادة توزيع الأدوار داخل المنظومة الأوروبية، وربما يخلق نوعًا من التنافس غير المعلن على القيادة الاستراتيجية.

اقتصاديًا، فإن الاعتماد المتزايد على الاقتراض لتمويل الدفاع والبنية التحتية قد يحقق دفعة للنمو على المدى المتوسط، خصوصًا إذا تم توجيه هذه الاستثمارات بكفاءة. ومع ذلك، يظل هذا المسار محفوفًا بمخاطر تتعلق بارتفاع مستويات الدين العام، خاصة في حال استمرار التباطؤ الاقتصادي الناتج عن التوترات الجيوسياسية مثل حرب إيران.

سيكون التحدي الأساسي أمام صناع القرار هو تحقيق توازن دقيق بين تعزيز القدرات الدفاعية والحفاظ على الاستدامة المالية.

على صعيد حلف الناتو، فإن تسريع ألمانيا لتحقيق أهداف الإنفاق قبل الموعد المحدد يمنحها ثقلًا سياسيًا أكبر داخل الحلف، ويعزز قدرتها على التأثير في القرارات الاستراتيجية.

إن استجابة أوروبا عمومًا لضغوط الولايات المتحدة، خاصة في ظل إدارة تميل إلى تقليل الالتزامات الأمنية، تشير إلى احتمال نشوء منظومة دفاع أوروبي أكثر استقلالًا تدريجيًا.

أما بالنسبة للعلاقات عبر الأطلسي، فإن استمرار القلق الأوروبي من المواقف الأمريكية قد يدفع ألمانيا إلى لعب دور الوسيط بين الحفاظ على الشراكة مع واشنطن وبناء قدرات أوروبية ذاتية. هذا التوازن سيكون حاسمًا في تحديد شكل النظام الأمني الغربي خلال العقد المقبل.

في المقابل، فإن تسارع وتيرة إعادة التسلح قد يثير ردود فعل من روسيا، مما قد يؤدي إلى سباق تسلح جديد في القارة الأوروبية. هذا السيناريو قد يفاقم من حالة عدم الاستقرار، ويزيد من احتمالات التصعيد غير المباشر، خاصة في مناطق النزاع القائمة.

إن ألمانيا تدخل مرحلة جديدة تتسم بالجرأة في القرار الاقتصادي والعسكري، لكنها في الوقت نفسه مرحلة تتطلب إدارة دقيقة للمخاطر.

نجاح هذا التحول سيعتمد على قدرة برلين على تحقيق التوازن بين القوة والانضباط المالي، وبين الطموح الوطني والتنسيق الأوروبي، وهو ما سيحدد ملامح الدور الألماني في النظام الدولي مستقبلًا.

https://hura7.com/?p=78361

الأكثر قراءة