جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

أحد الدروس الواضحة من زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق هو أن سوريا قد تصبح لاعبًا محوريًا في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية. إذا كانت سوريا في السابق مجرد نقطة صراع بين القوى الكبرى، فإنها الآن تسعى لاستعادة قوتها السيادية. بفضل موقعها الاستراتيجي المهم، يمكن لسوريا تعزيز قدرتها على التأثير في الأحداث الإقليمية. في هذا السياق، فإن التعاون مع أوكرانيا وتركيا قد يمنحها دورًا أكبر في الحلول السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة.
مسارات جديدة للتعاون السوري الأوكراني
زيارة زيلينسكي إلى دمشق تُعتبر خطوة فارقة في مسار العلاقات السورية-الأوكرانية، وهي مؤشر على التحولات الكبرى في السياسة الخارجية السورية. بينما تسعى سوريا إلى توسيع علاقاتها مع دول الغرب وتركيا، فإنها تدرك تمامًا أهمية الحفاظ على توازنها مع روسيا وإيران في الوقت نفسه. قد تكون سوريا في الطريق نحو إعادة تأكيد نفسها كلاعب مؤثر في مشهد الشرق الأوسط المتقلب، وفتح آفاق جديدة من التعاون مع أوكرانيا وتركيا، لكن ذلك يتطلب مهارات دبلوماسية حذرة قد تحدد مستقبل المنطقة بأسرها.
الفراغ الإقليمي وفرص التعاون الدفاعي والعسكري
على الرغم من أن أوكرانيا تخوض حربًا ضارية مع روسيا، إلا أن التوترات الإقليمية قد خلقت فراغًا في المنطقة يسعى الجميع لملئه. سوريا، التي تواجه تحديات كبيرة في حربها مع إيران، قد تجد في هذا الفراغ فرصة للتعاون مع أوكرانيا، خاصة في مجالات الدفاع والتصنيع العسكري. تمتلك أوكرانيا خبرات عالية في التصنيع العسكري المتطور، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيرة، ما يشكل دعمًا استراتيجيًا لسوريا في مواجهة الهجمات الإيرانية أو أي تهديدات إقليمية أخرى.
علاوة على ذلك، يمكن أن يسهم التعاون بين سوريا وأوكرانيا في مجالات إزالة الألغام وتدريب القوات السورية على التعامل مع مخلفات الحروب، وهو ما يعد أمرًا بالغ الأهمية لتعزيز استقرار البلاد بعد سنوات من الصراع.
إعادة إعمار البنية التحتية: فرصة اقتصادية استراتيجية
من بين أهم الفوائد التي قد تجنيها سوريا من التعاون مع أوكرانيا هي إمكانية استفادتها من الخبرات الأوكرانية في مجال إعادة بناء البنى التحتية. على الرغم من الظروف الصعبة التي تمر بها أوكرانيا جراء الحرب مع روسيا، إلا أن أوكرانيا قد حققت تقدمًا كبيرًا في إعادة بناء شبكات الكهرباء والبنية التحتية بعد تعرضها لهجمات واسعة.
سوريا التي عانت من تدمير واسع للبنية التحتية قد تجد في التجربة الأوكرانية مصدرًا للإلهام، حيث يمكن لأوكرانيا أن تقدم الخبرات الفنية والتقنية اللازمة لإعادة بناء المدن المدمرة، بدءًا من شبكات الكهرباء إلى شبكات الاتصالات والمياه، وصولًا إلى تطوير قطاع النقل والمرافق العامة. هذا التعاون سيعزز الوضع الاقتصادي السوري بشكل كبير ويساهم في استقرار الحكومة السورية.
التعاون التكنولوجي والأمني: محاربة الإرهاب والتهرب الضريبي
التعاون بين سوريا وأوكرانيا في المجالات التكنولوجية والأمنية يعد خطوة هامة في محاربة الإرهاب والتهرب الضريبي، فضلاً عن مكافحة التجسس. من خلال التعاون مع أوكرانيا، يمكن لسوريا تعزيز استراتيجياتها الأمنية والتقنية، خاصة في ظل التحديات الأمنية الداخلية والإقليمية التي تواجهها. كما يمكن للبلدين التعاون في مجالات التنقيب عن الغاز والمعادن في المناطق الحدودية، وهو ما يمكن أن يساعد في تحسين الوضع الاقتصادي السوري.
أوكرانيا والشراكة في الأمن الغذائي
في مجال الأمن الغذائي، يمكن لسوريا أن تصبح شريكًا استراتيجيًا لأوكرانيا التي تعتبر واحدة من أكبر دول العالم في إنتاج الحبوب. سوريا التي تعاني من نقص حاد في المواد الغذائية بسبب سنوات الحرب يمكنها الاستفادة من خبرات أوكرانيا في الزراعة والإنتاج الزراعي. ستسهم هذه الشراكة في تعزيز التجارة الزراعية بين البلدين وتحسين الأوضاع المعيشية في سوريا.
العلاقة المتوازنة بين أوكرانيا والدول العربية
بالإضافة إلى الدعم العسكري، يعد التعاون الاقتصادي أحد الجوانب الأكثر أهمية في العلاقة بين أوكرانيا والدول العربية. فالدول العربية، من خلال قدرتها على تأمين التمويل، يمكنها توفير دعم كبير لأوكرانيا في سعيها لإعادة بناء قدراتها الدفاعية وصناعاتها العسكرية. هذا التعاون الاقتصادي يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة للتبادل التجاري بين أوكرانيا والدول العربية، ويعزز التعاون في مجالات أخرى مثل الطاقة والزراعة.
علاوة على ذلك، فإن الشراكة مع الدول العربية قد تمنح أوكرانيا القدرة على التنوع في مصادر دعمها المالي والعسكري، مما يقلل من اعتمادها على الغرب. وهذا بدوره يوفر لأوكرانيا هامشًا أكبر من المناورة في استراتيجياتها العسكرية والسياسية.
أوكرانيا كداعم لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة
من جانب آخر، تعتبر الولايات المتحدة أن التعاون بين أوكرانيا والدول العربية ينسجم مع مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. ففي ظل التهديدات التي تمثلها إيران وحلفاؤها في المنطقة، بما في ذلك حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، فإن تقوية التعاون مع أوكرانيا يوفر لدول الشرق الأوسط القدرة على مواجهة هذه التحديات بشكل أكثر فعالية. هذا التعاون يمنح الدول العربية فرصًا متعددة لتعزيز أمنها ومواردها العسكرية، وبالتالي تحقيق استقرار أكبر في المنطقة.
إذا كان التعاون بين أوكرانيا والدول العربية مدفوعًا بالمصالح المشتركة في الأمن والاقتصاد، فإنه يعكس أيضًا استراتيجيات أوسع للقوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. من خلال استغلال الموارد المالية الكبيرة للدول العربية وتقديم الدعم العسكري والتقني، تستطيع أوكرانيا لعب دور محوري في المنطقة، مما يجعلها شريكًا ذا قيمة استراتيجية. في الوقت ذاته، يعزز هذا التعاون من قدرة أوكرانيا على مواجهة تحدياتها الاقتصادية والعسكرية، ويمنحها استقلالية أكبر في اتخاذ القرارات العسكرية والسياسية، بعيدًا عن الضغوط الغربية.
التحديات والعوائق أمام التعاون
ومع ذلك، لا يخلو التعاون بين سوريا وأوكرانيا من التحديات. أبرز هذه التحديات هو الموقف الروسي من تعزيز العلاقات السورية الأوكرانية. روسيا كانت الحليف الرئيسي للنظام السوري خلال الحرب، ولا شك أن أي تقارب بين سوريا وأوكرانيا قد يثير غضب موسكو، التي تسعى للحفاظ على هيمنتها في المنطقة. إضافة إلى ذلك، ستكون هناك تحديات اقتصادية أخرى تتعلق بالظروف المالية الصعبة التي تعاني منها سوريا، حيث تحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء اقتصادها.
دور أوكرانيا في تعزيز الاستقرار الإقليمي
زيارة زيلينسكي إلى دمشق تفتح الباب أمام تعاون غير تقليدي بين سوريا وأوكرانيا، خاصة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والأمن الغذائي. هذا التعاون يمكن أن يسهم بشكل كبير في استقرار سوريا في ظل التحديات الإقليمية والدولية. في حين أن هذه الزيارة قد تعزز مكانة سوريا الإقليمية وتفتح لها آفاقًا جديدة، إلا أن هناك العديد من العوائق التي قد تعترض هذا التعاون، خاصة من القوى الكبرى التي لا ترغب في حدوث تحولات غير محسوبة في التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
التوجه نحو التعاون الإقليمي المدعوم من الغرب
هذا التوجه نحو تعزيز التعاون بين أوكرانيا والدول العربية مدفوع بشكل أساسي من الولايات المتحدة والدول الغربية، التي تسعى لتعزيز استراتيجياتها في منطقة الشرق الأوسط. الولايات المتحدة، التي ترى في تحجيم النفوذ الإيراني واحتواء روسيا في المنطقة أولوية، تدرك أن أوكرانيا، بما تمتلكه من إمكانيات عسكرية واقتصادية، تستطيع لعب دور محوري في هذا السياق.
أوكرانيا، التي تعتبر نفسها في خضم حرب طويلة الأمد مع روسيا، تبحث عن مصادر دعم غير تقليدية لتخفيف العبء الاقتصادي والعسكري الذي تحمله جراء استمرار الحرب. الدول العربية، التي تتمتع بموارد مالية كبيرة، توفر لأوكرانيا فرصة لتوسيع شبكة دعمها الدولي دون الحاجة إلى الاعتماد الكلي على دول الغرب، التي قد تكون لديها أولويات أخرى. هذه الموارد المالية، التي يمكن أن تساهم في تعزيز قدرات أوكرانيا العسكرية وصناعاتها الدفاعية، تجعلها أقل تأثرًا بالضغوط الاقتصادية التي قد تأتي من استمرارية الحرب مع روسيا.
إذًا، إن التعاون بين أوكرانيا والدول العربية، وعلى رأسها سوريا، يمكن أن يسهم بشكل كبير في استقرار المنطقة. بفضل موقعها الاستراتيجي وقدرتها على تقديم دعم تكنولوجي وأمني متطور، تصبح أوكرانيا شريكًا ذا قيمة عالية بالنسبة للدول العربية التي تسعى إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وحماية أمنها الاقتصادي. من خلال هذا التعاون، يمكن لأوكرانيا أن تصبح عامل استقرار رئيسي في الشرق الأوسط، مما يساهم في تشكيل استراتيجية دفاعية إقليمية موسعة تقودها الدول العربية.


