الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

إعادة هيكلة الشرق الأوسط

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تتحرك المنطقة في المرحلة الراهنة ضمن مسارات تصاعدية غير مسبوقة، حيث تتشابك العمليات الميدانية مع استراتيجيات التفاوض الكبرى التي تقودها القوى الدولية. لم يعد الصراع الراهن مجرد اشتباك حدودي أو مواجهة بالوكالة، بل تحول إلى عملية إعادة هندسة شاملة لموازين القوى، تتقاطع فيها طموحات الإدارة الأمريكية في حسم الملفات العالقة، مع سعي إسرائيل لفرض واقع أمني جذري على جبهتها الشمالية، وسط محاولات دولية من باريس وموسكو وبكين لضبط إيقاع التدهور ومنع الانزلاق نحو مواجهة غير تقليدية أو إقليمية مفتوحة.

استراتيجية الضغط العسكري والسيناريو الإيراني

تتبنى واشنطن وتل أبيب حالياً استراتيجية يمكن وصفها بـ “التفكيك البنيوي” للقدرات الإيرانية. فمنذ انطلاق العمليات العسكرية المكثفة في أواخر شهر شباط الماضي، انتقلت المواجهة من مرحلة ضرب الأهداف التقليدية إلى استهداف العصب الاقتصادي والاستراتيجي. وتُعد الضربات الأخيرة التي طالت المنشآت الحيوية في جزيرة “خارُج” النفطية تحولاً جوهرياً؛ فهي لا تستهدف فقط شل القدرات التمويلية لطهران، بل تضع القيادة الإيرانية أمام خيارين: القبول بتفاوض وفق الشروط الأمريكية، أو مواجهة انهيار كامل في بنية الدولة التحتية.

وتشير البيانات الاستخباراتية إلى أن التلويح بخيار الأسلحة النووية المحدودة، رغم كونه يندرج حتى الآن ضمن أدوات الردع النفسي، يهدف إلى إيصال رسالة واضحة للقيادة الإيرانية، مفادها أن القوة العسكرية التقليدية لم تعد قادرة على حماية المنشآت الحصينة في أعماق المرتفعات. هذا الغموض الاستراتيجي يهدف إلى إحداث حالة من الشلل في صنع القرار، ودفعه نحو فك الارتباط الاستراتيجي مع الساحات الإقليمية، وعلى رأسها الساحة اللبنانية.

الجبهة اللبنانية: نموذج الواقعية القسرية

في لبنان، يبدو أن إسرائيل قد اتخذت قراراً بتجاوز التفاهمات الأمنية السابقة واعتماد نموذج التدمير الشامل في التعامل مع الضاحية الجنوبية والمناطق الحدودية. إن التوجه نحو توغل بري بعمق يتجاوز النطاق التقليدي، بالتوازي مع أوامر إخلاء واسعة، يعكس نية تل أبيب لإنشاء منطقة عزل أمني خالية تماماً من الوجود العسكري المسلح.

الهدف هنا ليس مجرد إبعاد المقاتلين، بل تفكيك الحاضنة اللوجستية والمالية. وتُعد ضربات المراكز المالية والمنشآت الخدمية جزءاً من استراتيجية تهدف لتحويل الكلفة العسكرية إلى ضغط اجتماعي وسياسي داخلي يطالب بالعودة إلى كنف الدولة اللبنانية، وينهي حالة الانفراد بقرار السلم والحرب.

الدبلوماسية الفرنسية ومقترح المفاوضات المباشرة

وسط هذا المشهد المتفجر، تبرز المبادرة الفرنسية كأداة دبلوماسية تحاول انتزاع فتيل الانفجار الشامل. دعوة باريس لإجراء مفاوضات مباشرة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل تمثل تحولاً في المقاربة الدولية؛ فهي تسعى لشرعنة المسار السيادي للدولة اللبنانية وتوفير غطاء دولي للجيش اللبناني لبسط سيطرته على كامل التراب الوطني.

ومع ذلك، تواجه هذه المبادرة عقبتين كبريين: الأولى هي الرفض الإيراني لأي تسوية لا تضمن بقاء نفوذها الاستراتيجي، والثانية هي الموقف الإسرائيلي الذي يرى في المفاوضات وسيلة لتكريس المكاسب الميدانية. طهران تصر على أن مستقبل القوى الحليفة لها هو ورقة تفاوضية في ملفها المباشر مع واشنطن، مما يضع لبنان في حالة انتظار بين المبادرات الأوروبية والمطالب الإيرانية.

الحسابات الروسية والصينية: التوازن القلق

لا تقف القوى الشرقية مكتوفة الأيدي؛ فموسكو ترى في التصعيد الأمريكي فرصة لتعزيز دورها كلاعب إقليمي قادر على صياغة التوازنات. وتشير المعطيات إلى أن روسيا قدمت عروضاً لترتيبات حدودية تضمن مصالحها في شرق المتوسط وتمنع الانهيار الكامل للنظام في إيران.

أما بكين، فتتحرك بدافع أمن الطاقة؛ فالصين لا يمكنها تحمل انقطاع طويل الأمد لإمدادات النفط من المنطقة، وهي تمارس ضغوطاً اقتصادية للتحذير من أن تدمير البنية التحتية النفطية الإيرانية سيؤدي إلى اضطراب حاد في الأسواق العالمية. الموقف الصيني-الروسي المشترك يهدف إلى منع الانفراد الأمريكي برسم معالم المنطقة، ويشجع على حلول تشمل توازن المصالح بدلاً من الإقصاء الكامل.

الخلاصة وتصورات المرحلة القادمة

إن القراءة التحليلية العميقة للمعطيات الحالية تشير إلى النتائج التالية:

▪︎ الميدان يسبق الدبلوماسية: ستستمر إسرائيل في عملياتها التدميرية النوعية لاستباق أي ضغط دولي لوقف إطلاق النار، وذلك بهدف فرض أمر واقع في جنوب لبنان.

▪︎ المناورة الأمريكية الكبرى: تسعى واشنطن لإيصال إيران إلى نقطة الانكسار الاقتصادي والعسكري، حيث يصبح ثمن التمسك بالأدوات الإقليمية أغلى من ثمن البقاء الوطني، مما قد يفضي في النهاية إلى تسوية شاملة تعيد صياغة الدور الإيراني.

▪︎ خيار الدولة اللبنانية: يبقى المخرج الوحيد للبنان هو تعزيز التنسيق الوطني خلف المبادرات الدولية الداعية للسيادة، واستغلال التحرك الفرنسي لانتزاع قرار دولي يحمي المرافق الحيوية للدولة، ويمنع تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.

إن الواقع السياسي الجديد يُكتب اليوم بالضغوط العسكرية، ليتحول لاحقاً إلى نصوص اتفاقات دولية ستحدد هوية المنطقة للعقود القادمة. البقاء في هذه المرحلة يتطلب رؤية سياسية قادرة على التكيف مع التحولات الكبرى التي تفرضها القوى الدولية الصاعدة.

https://hura7.com/?p=76193

الأكثر قراءة