الأكثر قراءة

إلى ماذا سيؤدي تهديد الاتحاد الأوروبي بمصادرة النفط الروسي؟

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

أثار إدراج آلية جديدة ضمن الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات الأوروبية على روسيا جدلاً واسعاً حول حدود العقوبات الاقتصادية ومدى توافقها مع قواعد القانون الدولي.

فبينما يرى الاتحاد الأوروبي أن تشديد الإجراءات ضد صادرات النفط الروسية يهدف إلى تقليص الموارد المالية التي تمول الحرب، تعتبر موسكو وخبراء قانونيون روس أن هذه الخطوة تمثل سابقة خطيرة قد تفتح الباب أمام ما يصفونه بـ”قرصنة مقنّعة” ضد التجارة البحرية.

وتتمثل جوهر الآلية الجديدة في السماح للدول الأوروبية باحتجاز شحنات النفط الروسية وبيعها، مع عدم تحويل العائدات إلى أصحابها الأصليين. وإذا جرى تطبيق هذه الآلية على نطاق واسع، فإنها لن تؤثر فقط في تجارة النفط الروسية، بل قد تعيد طرح أسئلة جوهرية حول حرية الملاحة، وحماية الملكية التجارية، ومستقبل النظام القانوني المنظم لحركة التجارة البحرية الدولية.

آلية أوروبية جديدة لتشديد العقوبات

وفقاً لما تضمنته الحزمة الحادية والعشرون من العقوبات الأوروبية، أصبح بالإمكان احتجاز بعض شحنات النفط الروسية وتخزينها داخل أراضي دول الاتحاد الأوروبي أو في المناطق الحرة، مع فتح المجال أمام بيع هذه الشحنات في ظروف معينة.

ويرى مؤيدو هذه السياسة أنها تمثل وسيلة جديدة لزيادة الضغوط الاقتصادية على موسكو، عبر حرمانها من جزء من عائدات صادراتها النفطية، في وقت يشكل فيه قطاع الطاقة أحد أهم مصادر الدخل الروسي. ويرى منتقدو هذه الخطوة أنها تنقل العقوبات الأوروبية من مرحلة تقييد التجارة إلى مرحلة المساس المباشر بحقوق الملكية، وهو ما يثير إشكاليات قانونية معقدة.

احتجاز الناقلات… من العقوبات إلى المصادرة

لقد شهدت الأشهر الماضية عدداً من حوادث احتجاز ناقلات نفط روسية في موانئ أوروبية. فقد احتجزت السلطات البلجيكية ناقلة تحمل نحو 330 ألف برميل من النفط، في حين أوقفت فرنسا ناقلة أخرى كانت تنقل نحو 600 ألف برميل قادمة من ميناء مورمانسك الروسي.

تشير التقديرات إلى أن قيمة هذه الشحنات تبلغ عشرات ملايين الدولارات، وهو ما يفسر الاهتمام الأوروبي بوضع إطار قانوني يسمح بالتصرف فيها مستقبلاً إذا تعذر تسليمها إلى أصحابها. وتأتي هذه الإجراءات ضمن الحملة الأوروبية ضد ما يعرف بـ”الأسطول الخفي” الروسي، وهو مصطلح تستخدمه الدول الغربية للإشارة إلى السفن التي تتهمها بالمساعدة في الالتفاف على العقوبات المفروضة على صادرات النفط الروسية.

الأسطول الخفي”… مفهوم مثير للجدل

تعتبر الدول الغربية أن روسيا اعتمدت خلال السنوات الأخيرة على شبكة واسعة من الناقلات التي تعمل خارج المنظومات التقليدية لتجارة النفط بهدف الالتفاف على العقوبات. وتؤكد موسكو أن هذا الوصف لا يستند إلى تعريف قانوني معترف به في القانون البحري الدولي، وأن استخدامه لا يمنح أي دولة الحق في اعتراض السفن أو مصادرة حمولاتها خارج الحالات المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية.

ومع اتساع العقوبات، انتقلت بروكسل تدريجياً من فرض القيود على السفن المدرجة في قوائم العقوبات إلى احتجاز بعض الناقلات وإخضاعها للتفتيش، بل ومنح قوات أوروبية صلاحيات أوسع في هذا المجال.

إشكاليات قانونية

يرى عدد من الخبراء أن الخطة الأوروبية تواجه عقبات قانونية كبيرة، إذ إن احتجاز السفينة لا يعني تلقائياً نقل ملكية حمولتها إلى الدولة التي قامت بالاحتجاز. ويشير مختصون في القانون البحري إلى أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 تضمن مبدأ حرية الملاحة، ولا تمنح الدول حق الاستيلاء على الشحنات التجارية إلا في حالات محددة للغاية، مثل القرصنة أو الاتجار غير المشروع أو تنفيذ قرارات صادرة عن مجلس الأمن. ولهذا السبب، يعتقد منتقدو الخطة أن بيع النفط المحتجز من دون تحويل عائداته إلى مالكيه قد يفتح الباب أمام نزاعات قضائية واسعة أمام المحاكم الدولية.

كيف تنظر موسكو إلى الخطوة الأوروبية؟

لقد وصفت روسيا الإجراءات الأوروبية بأنها تمثل تصعيداً جديداً في سياسة العقوبات، واعتبرت أن احتجاز الشحنات النفطية وبيعها يرقى إلى مستوى القرصنة البحرية. بدوره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكد في أكثر من مناسبة أن استهداف السفن التجارية الروسية يمثل انتهاكاً لقواعد الملاحة الدولية، بينما بدأت البحرية الروسية توسيع عمليات مرافقة ناقلات النفط في بعض المناطق البحرية الحساسة، في محاولة لتعزيز أمن صادرات الطاقة.

ويرى خبراء روس أن بروكسل لا تمتلك حتى الآن أساساً قانونياً متماسكاً يسمح لها ببيع النفط المصادر، لأن الذريعة المستخدمة حالياً لاحتجاز بعض السفن ترتبط غالباً بمسائل إدارية، مثل الاشتباه في استخدام الأعلام أو مخالفة بعض الإجراءات التنظيمية، وليس بملكية النفط نفسه.

هل تكرر أوروبا النموذج الأمريكي؟

يشير بعض الخبراء إلى وجود سوابق أمريكية في هذا المجال، إذ سبق لواشنطن أن صادرت شحنات نفط إيرانية وفنزويلية، ثم باعتها وحولت العائدات إلى الخزانة الأمريكية. غير أن المقارنة، بحسب هؤلاء، ليست كاملة، لأن الولايات المتحدة لم تصادق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بينما يعد الاتحاد الأوروبي من أبرز المدافعين عن الالتزام بقواعد القانون البحري الدولي، الأمر الذي يجعل أي خطوة مشابهة أكثر عرضة للطعن القانوني. ويرجح مختصون أن تلجأ روسيا إلى رفع دعاوى أمام الهيئات القضائية الدولية إذا بدأت عمليات بيع النفط المحتجز بصورة منتظمة.

تداعيات محتملة على التجارة العالمية

لا تقتصر آثار هذه السياسة على العلاقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي، بل قد تمتد إلى شركات الشحن والتأمين والمستوردين في دول ثالثة. فملكية النفط أثناء عملية النقل تختلف بحسب شروط العقود التجارية، إذ قد تكون الشحنة مملوكة للمنتج الروسي، أو للمشتري النهائي، أو لشركة وسيطة. وبالتالي، فإن أي عملية مصادرة قد تؤدي إلى نزاعات قانونية مع أطراف لا تخضع أصلاً للعقوبات الأوروبية. كما قد يثير ذلك مخاوف لدى شركات الملاحة العالمية من ارتفاع المخاطر القانونية المرتبطة بنقل النفط عبر بعض الممرات البحرية، الأمر الذي قد ينعكس على تكاليف الشحن وأسعار الطاقة.

هل يتحول الأمر إلى حصار بحري؟

يرى عدد من الخبراء أن احتجاز عدد محدود من السفن لا يرقى إلى مستوى الحصار البحري، خصوصاً أن صادرات النفط الروسية ما تزال مستمرة، ولم تظهر البيانات المتاحة حتى الآن تراجعاً جذرياً في حجم الصادرات نتيجة هذه الإجراءات.

لكنهم يحذرون في الوقت نفسه من أن تحول عمليات الاحتجاز والمصادرة إلى سياسة دائمة ومنهجية قد يغيّر طبيعة الأزمة بالكامل، إذ يمكن أن يُفسر ذلك، من منظور القانون البحري، باعتباره شكلاً من أشكال الحصار البحري، وهو إجراء يُنظر إليه تقليدياً باعتباره عملاً عدائياً شديد الخطورة. وفي هذه الحالة، قد تتجاوز الأزمة إطار العقوبات الاقتصادية لتتحول إلى مواجهة أكثر تعقيداً بين روسيا والدول الغربية.

بالنهاية ، تكشف الخطوة الأوروبية عن انتقال العقوبات ضد روسيا إلى مرحلة أكثر حساسية، تتجاوز القيود المالية والتجارية نحو محاولة التحكم في حركة الصادرات النفطية نفسها. غير أن نجاح هذه السياسة سيظل مرتبطاً بقدرة الاتحاد الأوروبي على إيجاد أساس قانوني متين يبرر مصادرة الشحنات وبيعها، وهو أمر لا يزال محل خلاف واسع بين الخبراء.

كذلك تبدو موسكو عازمة على الرد عبر تعزيز حماية ناقلاتها واللجوء إلى المسارات القانونية والدبلوماسية للطعن في هذه الإجراءات. وبين هذين المسارين، يبقى السؤال الأهم: هل ستظل عمليات الاحتجاز إجراءات استثنائية ومحدودة، أم أنها ستتطور إلى سياسة دائمة قد تعيد رسم قواعد الملاحة والتجارة البحرية الدولية، وتدفع الصراع بين روسيا والغرب إلى مستوى جديد من التصعيد؟

https://hura7.com/?p=82175

الأكثر قراءة