الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

إنتخابات شاتين نموذج يؤسس لعمل بلدي واعد

جريدة الحرة ـ بيروت

في خضم متابعة نتائج الانتخابات البلدية في الشمال، ضجت المواقع الإخبارية بعناوين متباينة توحي وكأن كل قرية تشهد معركة بين حزبين متنافسين، متجاهلة في كثير من الأحيان التفاصيل الحقيقية والواقع المحلي. في بلدة شاتين في قضاء البترون، كانت الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد منافسة بين حزبين. وبينما كانت ماكينات الدعاية الحزبية تعلن عن “انتصارات تاريخية” في كل زاوية، جاءت الأخبار المتضاربة لتزيد من الغموض: “فوز لائحة ‘قرار شاتين’ المدعومة من القوات” ثم أعلن موقع آخر: “التيار ينتصر في شاتين: فوز لائحة وليد يونس كاملة”.

لكن الحقيقة في هذه البلدة الجبلية الصغيرة اختلفت عن التصنيفات المبسطة، إذ سجلت شاتين أعلى نسبة مشاركة في الانتخابات البلدية بين قرى الشمال، بلغت 58%، وهو رقم يعكس إقبالًا شعبيًا غير معتاد في هذا النوع من الانتخابات، وفي الجبال خاصة، حيث يتردد الناس عادة في المشاركة بفعل اللامبالاة أو الإحباط من العمل البلدي.

في شاتين، لم تكن المعركة بين أحزاب متنافسة، بل بين رؤيتين مختلفتين للعمل البلدي. فمن جهة، هناك لائحة تقليدية تعتمد على العصبيات العائلية والتقاليد المحلية، ومن جهة أخرى، كانت هناك “لائحة” اتخذت نهجًا مختلفًا رافضة الانجرار إلى المنافسات الحزبية ومؤكدة على أهمية التركيز على خدمة البلدة وأهلها دون انحياز لأي أجندات خارجية.

فالهدف لم يكن إظهار القوة الحزبية أو تحقيق انتصار رمزي، بل تقديم رؤية حقيقية للنهوض بالبلدة وتنميتها. لم تكن المسألة منافسة بين “القوات” و”التيار” أو سواهم، بل كانت اختبارًا لمفهوم العمل البلدي ذاته، حيث المطلوب ليس إثبات القوة بقدر ما هو خدمة الناس وتحقيق المصلحة العامة.

قد يكون من البساطة بمكان خوض انتخابات بالتزكية أو الدخول في منافسة عائلية مغلقة، حيث يكتفي المرشحون بتحقيق ولاء تقليدي دون النظر إلى احتياجات البلدة الفعلية. لكن “لائحة قرار شاتين” اختارت الطريق الأصعب، مركزة على البرامج التنموية والشفافية والحوكمة الرشيدة. اعتمدت اللائحة على مجموعة من المبادئ الواضحة التي تشمل المساواة بين الجنسين، وضرورة المعرفة بالعمل البلدي، والقدرة على التخطيط للمستقبل بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة.

ورغم أن الانفتاح على جميع القوى السياسية والمجتمعية يبقى ضرورة لبناء بلدة قوية ومتجانسة، إلا أن هذه اللائحة رفضت بشكل واضح أن تكون مجرد أداة في صراعات الأحزاب أو لعبة في يد التحالفات الانتخابية العابرة. بل اختارت أن تبقى الأبواب مفتوحة للنقاش والتعاون، لكنها مغلقة أمام أي محاولات لفرض الأجندات الخارجية على القرارات المحلية.

دخل في انتخابات شاتين مفهوم أن التغيير ليس شعاراً أو دعاية، بل مسار يبدأ بالوعي وينمو بالممارسة الفعلية للعمل البلدي. فالمصلحة العامة تتطلب وضوح الرؤية واستقلالية القرار وحسن إدارة وقيادة، ولا تتحقق إلا عندما يكون الهدف الأساسي الخدمة والتنمية، وليس مجرد إثبات القوة أو تأكيد النفوذ…

ربما كانت شاتين مجرد بلدة صغيرة في الجبال، لكنها قدمت درسًا في أن الأشخاص، إذا ما توافرت لهم الرؤية والإصرار، قادرون على إحداث التغيير المطلوب.

 

https://hura7.com/?p=53450

الأكثر قراءة