الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

إني أُحبّ لبنان من وَجع الله فيه!

العميد منذر الأيوبي

 

جريدة الحرة ـ بيروت

إني أُحبّ لبنان، لا كما يُحبّ الإنسان بلده لأن فيه وُلد، بل كما يُحبّ المؤمن جُرن المعمودية، ولو كان مكسورًا.

لأنه لا يزال ينهض، كلما سقط. لأن فيه صوت أمّ تُصلّي ولا تملّ، وطفل يَحلمُ ولو بلا فراش…

لبنان ليس جغرافيا، إنه احتمالٌ دائم للقيامة. مدينةٌ تنهار، لكنّ فيها حجرًا لا يسقط لأنه نُحِتَ من صلاة. وسهولٌ تشقّها القذائف، لكنها تحفظ الزرع لأن الله مرّ منها ذات مساء، وبكى…!

كل شيء في لبنان يصرخ “أنا هنا رغم الجراح”. البيت المهدوم، يزهر من قلبه الضوء، الكنيسة المكسورة ترتّل في الريح، والمآذن الصامتة تصعد بالدعاء!

هل نحبّ لبنان لأنه عادل؟ لا! نحبه لأنه مظلوم، لأن العدل تأخّر عنه كثيرًا، ولأنا نحبّ المصلوب من جراحه لا من انتصاره! في هذا الوطن، لا يكفي أن تحيا، يجب أن تُحب. أن ترفض إكتمال يومك دون صُنع رجاءً ما، زرعًا في الأرض، كلمة طيبة، أو حتى دمعة قبل رُقّاد!

أحبّ لبنان لأنه مرآتي: أراه مكسورًا، فأبكي لأني شبيهُه. وأراه واقفًا رغم التعب، فأقول: لا زال في قلبي إيمان. هنا السياسة لا تشبه الدولة بل النَجوى… كثيرةُ الكلام، قليلةُ الفعل. يتخاصمون على المقاعد فيما الوطن يجلس على الأرض. يتقاسمون الحصص بينما الحصة الكبرى من الألم تبقى للفقراء. كل طائفة تنشد خلاصها كأن الربّ وُلد لها وحدها… ونسوا أن المخلّص مات عن الجميع..!

في لبنان، نعيش فوق جراح لا يراها الساسة يَصوغون الخطب في قاعاتٍ باردة والناسُ في الأزقَةِ ترتجف. يتنازعون على دستورٍ لا يُطبّق، ويتناسون أن الجوع أقوى من كل مَادة وقانون. لكننا لا نكرههم، بل نُشفق عليهم. لأنهم عميانُ مجدٍ تَليد! لا يرون أن المَجد أن تُطعِم جائعَآ، تحكُمُ بضمير، تُرمِم وطنًا لم يسقُط بل خُذِل. خَذلَهُ من جعله وسيلةً لا غاية… من باعَه على الطاولة ثُم صَلّى يوم الأحد..!

إني أحبّ لبنان، لأن فيه يُصلّى لله بلغتين، ويُبكى على الأنبياء من مِنبرين. لأن الأذان يعلو قرب جرس الكنيسة، لا ليُسابقه، بل ليُكمله. ولأن اسم الله يُكتب في القلوب لا على اللافتات. لأن حاراته القديمة أدمَنت إضاءة شمعة في مغارة الميلاد، وعند باب الحسينية يقف شيخ يوزّع تمرًا عن روح الحسين…!

على هٰذي الروابي لا يُقسَّم إيمان، بل يُجمَّع من رائحة البَخور، ومن وضوء الفجر… فيها يُدفن الشهيد بآية وإنجيل، وتُحمل الجنازات على أكتافٍ تتشابك فيها الأكفّ لا الطوائف…!

لبنان ليس وطناً فقط، هو نداءٌ دائمٌ للعيشِ معًا، فيه يَصوم المُسلم احترامًا لجاره المسيحي، ويُطفئ المسيحي أنوار الزينة ليُراعي صوم رمضان..!

الحروب لم تَسلُبنا هذا ولو بعضٌ أنكروه! فهل نُعيده نحن من قلوبنا؟ هل نقدر أن نكتب لبناننا بالحُبِ قبل الدم؟ بالدعاء قبل الخوف؟ بالربّ الواحد الذي لا تُقسّمه الطوائف بل تُعظّمه القلوب..!

وطنَ الجراح، تتقاطع الأزمات قَدَرآ لا مفرّ منه، تُنهَش الأرض تُحرق السماء لكن الأرض تبقى والسماء تبقى والإنسان الذي يُحبّ لبنان، يبقى!

على هذه الأرض دُمِرت القرى، تهجّرت الأرواح وتمزقت عائلات كما مُزِق غُصنٌ خَضير تحت أقدام العواصف! صراخ الطفولة يَخنق الصمت ولهيبٌ يعزِفُ جنوبآ لحن الوجع القديم الجديد.

أرضُ الله المُختارَة، أرض إبراهيم وذريته، أرض الأنبياء… كيف صار خرابُك يمتدُّ من جَنوبي إلى العِزّة؟ كيف يُذبح الطفل باسم الشَريعّة؟ وكيف تُباد القُرى باسمِ الوعدِ والميعاد؟ أيُّ توراةٍ تلك التي تَسمح بقصف اللوز واغتيال الزيتون؟ وأيُّ نبيّ ٍبارك احتلال التراب وسرقة الأنفاس من أفواه الجائعين؟ مَن يُطلق النار على الرُضّع، ويحاصرالمدينة حتى لا يبقى فيها مَصلٍّ أو مغارة، لا يحمل من موسى سوى اسمه، ولا من التوراة سوى الغلاف!

لقد خانت إسرائيلُ اللهَ حين جعلت الدين سيفًا لا رحمة. حين جعلت من المَذبحِ مسلَخَآ ومن حائط البكاء جدارَ صمتٍ عن كل مجزرة… فيما لُبناننا حافِظُ أديانٍ أُنزِلَت! تعالوا إليَّ أيها المُتعَبون… الربّ لا يسكن دبابات أو قنابل ذكية، بل في نفوس الخائفين الذين يصرخون إليه من تحت الركام… إلَهي!

لبنان لا يموت، ولادته من رمادِهِ تَكرار كما الفينيق، يُعيد بناء ذاته من رُكامِ أنقاضِه ويرسم بيده النازِفة خارطة سلام تُشوه كل يوم! علمتنا الحروب القسوة؟ نعم… لكنها لم تسرُق الحُلم! لا تزال قلوبنا تنبض حُبَآ لا يلين، وإيمانآ أن بَعد العتمة فجرٌ جديد لا بُد آت!

أيها الأحبة… جنوبيون أنتم… لبنانيون أنتم… لاتخافوا الجراح بل خافوا نِسيانَها… لا تخافوا الألم، خافوا أن يَمُرّ دون صلاة… لا تخافوا الغَد لأن الربّ كان هُنا وسيبقى… لبنان جُرحآ يشبه النُبوّة وطنآ لا يطلُب الحُب بل يُلزمك أن تُحبّه. قرآنآ وأناجيل نقرأه معآ، صليبًا لا نَخلعهُ بل نَحْمِله إلى القيامة!

عميد متقاعد، كاتب وباحث

https://hura7.com/?p=61344

الأكثر قراءة