جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
حركة دبلوماسية مكوكية تقوم بها إيران حيث باتت تحاول حشد الأصدقاء لعرض مطالب ترضي واشنطن من خلال التوسط مع الأصدقاء، لأن إيران باتت أمام حالة واضحة بأن الأمريكيين يريدون توقيع اتفاق بناءً على شروطهم، أي استسلام إيران بغض النظر عن إظهار المخرج المناسب لإيران وكيفية استخدام المصطلحات لتبرير توجهاتها. لا شك بأننا أمام وقت لا يستطيع أحد من المحللين القول فيه إننا أمام مرحلة حرب أو هدنة، بل أمام مرحلة تفاوض تحت النار.
الحصار البحري أوجع الحرس الثوري
طبعًا، الحصار أوجع إيران، والسيطرة على المضيق أضرت بواردتها وصادراتها مما يهدد بحدوث زلزال اقتصادي قادم، حيث ينعكس ذلك على ميزانية الحرس الثوري ويقل المدخول المالي. أيضًا، يمكن أن نرى بأن الخلاف السياسي بدأ في دوائر القرار الإيراني بين السياسيين والعسكريين، مما يعكس الفراغ الرئيسي في هرم السلطة، حيث باتت المؤسسات في إيران تعاني من غياب شخصية القائد الذي يمكنه أخذ زمام المبادرة والقضاء على الشوائب في الصفوف التي تمنع الوصول إلى قرار نهائي ينهي الوضع الصعب في البلاد وينقذ الدولة من الحرب.
الرئيس الأمريكي نجح في فرض الحصار الاقتصادي الذي أثر بشكل مباشر على الاقتصاد الإيراني وعلى الاقتصاد العالمي بشكل عام، بما في ذلك الصين والدول الآسيوية وأوروبا. هذا الحصار جعل ترامب في موقف أقوى، حيث حرمت إيران من الإيرادات والصادرات، والتي تخص بشكل خاص الحرس الثوري، ما زاد من الضغط على إيران.
لذلك فإن الحصار الاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة نجح إلى حد كبير في إضعاف قدرة إيران على التكيف مع الأزمات الداخلية والخارجية، مما دفعها إلى البحث عن حلول دبلوماسية رغم أن ذلك قد يبدو متأخرًا. ولكن الإدارة الأمريكية تبدو حريصة على عدم تسهيل الوصول إلى حلول دبلوماسية سريعة ما لم تحقق واشنطن مطالبها الأساسية، وهو ما يزيد من تعقيد الوضع ويجعله محصورًا بين تهديدات عسكرية ومفاوضات مشروطة بشروط قاسية.
في ظل هذا الوضع، أصبحت هناك خلافات داخلية بين الإيرانيين، مما يشير إلى وجود تباين في الرؤى داخل النظام الإيراني نفسه. هذه الانقسامات تظهر بشكل واضح بين الأجنحة السياسية والعسكرية، ما يساهم في تعقيد الوضع ويسهم في بروز صعوبات إضافية في الوصول إلى اتفاق داخلي موحد يمكنه أن يقف أمام الضغوط الأمريكية.
الدبلوماسية الإيرانية
وزير خارجية ايران عباس عرقجي يزور إسلام آباد ويسلم مقترحات جديدة ويقول: “سنقدم مقترحات ترضي أمريكا”، ويضيف أنه سيأتي قريبًا إلى إسلام آباد لمتابعة التواصل مع قائد الجيش والفريق الوسيط، ويتوجه إلى روسيا.
بالمقابل، فإن التصريحات الاستفزازية الرنانة والنبرة العالية قد انخفضت، وأصبح الخطاب الإيراني هادئًا وغير تصعيدي. لكن الولايات المتحدة تهدد وتأتي بحاملات الطائرات وتمنع وتكوف وكوشنير من السفر إلى إسلام آباد. تراب يقول بصراحة: “لن أذهب إلى باكستان وأتحمل عناء 16 ساعة سفر من أجل المماطلة والتسويف من قبل إيران.”
هذه التحركات تعكس حالة الضغط الداخلي والخارجي على إيران، حيث اصبح المواقف داخل الإدارة الإيرانية يظهر بالتباين ، مما قد يؤدي إلى توترات داخلية بين الاطراف قد تشكل تحديات كبيرة في المستقبل. وبينما تحاول إيران أن تجد مخرجًا دبلوماسيًا، تبقى الحسابات الأمريكية أكثر وضوحًا، حيث إنها تسعى لتحقيق مطالبها بشروطها الخاصة، دون تقديم أي تنازلات.
إيران تسعى من خلال الدبلوماسية إلى إيجاد حل يمكنها من تخفيف الحصار وتحقيق بعض المكاسب الاقتصادية والسياسية، لكن تقديم تنازلات حقيقية قد يكون أمرًا معقدًا في ظل الانقسامات الداخلية والتهديدات الخارجية.
إجمالًا، يمكن القول إن المباحثات تدور تحت مظلة الحرب، حيث أن الإدارة الأمريكية لا تسعى إلى الحرب نفسها بل إلى التوصل إلى اتفاق يلبي شروطها ومطالبها بظل التهديد بالعودة الى الحرب المدمرة .
سيناريو الحرب جاهز ضد إيران
سوف يستمر هذا التوجه الأمريكي الحربي القائم على الضغط والتشديد العسكري، إذا استمر التعنت الإيراني وهناك توجه لوضع خارطة تقوم على خطوات في ممارسة الحرب والضربات الموجهة السريعة ضد إيران. ومع ذلك، يبدو أن الاتجاه الحالي يشير للدفع لتنشيط الدبلوماسية بين الطرفين، لكن من يمنع اليوم تسريع هذه الدبلوماسية هي الإدارة الأمريكية، التي تواصل فرض ضغوط على إيران عبر الحصار الاقتصادي. ودفعه لطاولة الحوار بشروطها
إذاً، الحركة الدبلوماسية الإيرانية تكمن ضمن تصور الخوف الذي يرتكز على ما بعد المفاوضات و حالة فشلها. إذا حاولنا تصوير الموقف الأمريكي، فإننا نجد أنه يتمثل في وجود أربعة حاملات طائرات في البحر المتوسط والبحر الأحمر، مما يشكل حشدًا كبيرًا من القوى البحرية الأمريكية. هذه الحاملات تحمل حوالي ثلاثمائة وخمسين طائرة، في وقت تتزامن فيه التحركات العسكرية الأمريكية مع استعدادات إسرائيلية لتحريك ثلاثمائة طائرة في الأجواء الإيرانية.
الهدف المشترك بين إسرائيل وأمريكا يتمثل في ضرب محطات الطاقة، الجسور، وقواعد الصواريخ الإيرانية والاغتيالات في حال فشل المفاوضات. وتشير الصحف الغربية والمختصون في الشؤون العسكرية بالحديث عن هذا السيناريو بالتالي :”إلى أن الهجوم المخطط له سيكون على ثلاثة مراحل، يتم تنفيذ كل مرحلة بواسطة مائتين طائرة، حيث يستهدف كل هجوم لتنفيذ مئتي هدف في وقت واحد. لذا، فان المباحثات الإيرانية الأمريكية تعقد تحت خيمة النار، حيث باتت تظهر هناك دبلوماسية نشطة إيرانية غير متعارف عليها سابقًا. هذه الدبلوماسية ليست للتوصل إلى حلول نابعة من موقف إيران الرافض لاستمرار الحرب، بل بسبب معاناة واضحة في تضارب المواقف المختلفة في الإدارة الإيرانية. وقد تطور الخلافات لتبرز انشقاقات قادمة لهذه القوى في ظل الوضع الحالي، خصوصًا بعد وصول الوفد الذي ذهب إلى إسلام آباد ولم يحقق شيء، فيما تواصل الولايات المتحدة منع وفدها من السفر.
إذن، الهجوم الأمريكي، في حال حدوثه، سيكون هجومًا ضخمًا وقويًا من حيث القوة النارية، وهو يهدف إلى شل قدرة إيران النارية واللوجستية والسياسية من اجل الاستجابة بشكل فعّال للقبول بالمطالب . هذا النوع من الهجوم سيعتمد على ضربات سريعة ومدمرة للبنية التحتية الإيرانية العسكرية والاقتصادية، ويعزز من الضغط على إيران في حال فشلت المفاوضات.
هذه الصورة تعكس حجم التصعيد العسكري المتوقع إذا استمر الوضع على هذا المنوال، مما يعزز الخوف الإيراني من تداعيات فشل المفاوضات.
إيران، في ظل الضغوط الاقتصادية والعسكرية، تبدو غير راغبة في تقديم تنازلات كبيرة. فالنظام الإيراني، على الرغم من التحديات الكبيرة التي يواجهها بسبب الحصار الاقتصادي والتهديدات العسكرية، لا يزال متمسكًا بمواقفه الرئيسية التي تتعلق بسيادتها واستقلالها، خاصة فيما يتعلق ببرنامجها النووي ودورها الإقليمي.
لكن في الوقت ذاته، هناك إشارات إلى أن إيران قد تكون مضطرة لتقديم بعض التنازلات إذا استمرت الضغوط، ولكن هذه التنازلات ستكون مشروطة، حيث تحاول إيران دائمًا إيجاد مخرج يتيح لها الحفاظ على كرامتها الوطنية وسيادتها، بينما تتجنب الإذعان الكامل للمطالب الأمريكية.
أمريكا تشل القدرات الإيرانية
هذا التصعيد العسكري، إلى جانب الحصار الاقتصادي المستمر، يضع إيران في موقف صعب للغاية. فوجود الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة، بالإضافة إلى تهديدات الولايات المتحدة المتواصلة، يرفع من شروط واشنطن بشكل كبير، مما يجعل إيران في وضع لا يمكنها فيه تجاهل هذه المطالب لفترة أطول.
من هنا، يصبح لدى الإيرانيين خيار صعب: إما الاستمرار في المقاومة مع المخاطرة بتصعيد خطير قد يضر بالبلاد بشكل كامل، أو التفكير في قبول الشروط الأمريكية لتفادي الهجوم العسكري الشامل، الذي قد يفاقم الأزمة الاقتصادية والعسكرية في إيران بشكل غير مسبوق.
أمريكا تنتظر النهاية التي ستقدمها طهران، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى السير بمطالبها للوصول إلى اتفاق يرضيها. وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة حشدًا عسكريًا كبيرًا في المنطقة، فهي لا تأتي بهذه القوات وحاملات الطائرات للتهديد فقط أو للاستعراض، بل لتوضيح عزمها على التصعيد في حال لم تستجب إيران للمطالب الأمريكية. الحشود العسكرية تمثل رسالة واضحة من واشنطن بأنها مستعدة لاتخاذ خطوات أكبر إذا استمرت إيران في المماطلة أو التهرب من التفاهمات.
خيارات إيران الضيقة: الحرب أو التنازل
في النهاية، يبدو أن قرار الحرب أو القبول بالاتفاق المقبل سيتحدد بناءً على المفاوضات الإيرانية، التي باتت قريبة جدًا من التوصل إلى نتائج يمكن أن تؤثر بشكل كبير على مسار الأحداث. المفاوضات الحالية، على الرغم من الضغوط الكبيرة، تظهر أن إيران قد تكون مستعدة لتقديم بعض التنازلات في مقابل رفع بعض من العقوبات، لكن التحدي الأكبر يكمن في أن هذه التنازلات يجب أن تظل ضمن حدود تحفظ سيادة إيران وكرامتها.
الرئيس ترامب، شخصيًا، له دور رئيسي في تحديد هذه الخيارات. فهو يدرك أن استمرار الضغط العسكري والاقتصادي يمكن أن يقود إلى نتيجة تدفع إيران للتفاوض، ولكن بنفس الوقت، قد يكون مستعدًا لتحقيق “إنجاز” سياسي من خلال توقيع اتفاق يعكس انتصاره في الضغط على إيران، وفي نفس الوقت تجنب التصعيد العسكري الذي قد يشكل خطرًا على استقرار المنطقة.
إذن، القرار النهائي سيكون محوريًا في تحديد ما إذا كانت إيران ستقبل بالشروط الأمريكية أو إذا كانت ستختار الاستمرار في المقاومة مع المخاطرة بتدهور الأوضاع أكثر. ستكون إيران في مفترق طرق حاسم، حيث إن كل خطوة تتخذها ستكون محكومة بالضغوط الداخلية والخارجية التي تواجهها. سواء اختارت القبول بالشروط الأمريكية أو الاستمرار في التصعيد، فإن النتيجة ستشكل نقطة تحول في تاريخها الحديث.
إذا قبلت إيران بالشروط الأمريكية، فهذا يعني أن طهران قد تكون قد نجحت في الحفاظ على بعض من سيادتها دون أن تضطر إلى الخضوع الكامل لمطالب واشنطن، لكنها ستواجه صعوبة في إقناع شعبها والنخب السياسية بأنها قد حققت انتصارًا. في المقابل، إذا اختارت المقاومة، فإنها ستتحمل تبعات الحرب التي قد تؤدي إلى نتائج كارثية بالنسبة للاقتصاد الإيراني والأمن الإقليمي بشكل عام.
في النهاية، قرار إيران سيكون معقدًا للغاية، حيث إنها تسعى للحفاظ على توازن بين تجنب التصعيد الكامل من جهة والحفاظ على كرامتها ومكانتها الدولية من جهة أخرى. بينما تواصل الولايات المتحدة العمل على تحقيق أهدافها العسكرية والدبلوماسية، تبقى الكرة في ملعب طهران لتحديد ما إذا كانت ستسير في طريق التسوية أم في طريق الحرب.


