جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ حذّرت إيران فرنسا وبريطانيا من “أي تحرك عسكري” في مضيق هرمز. ويأتي التحذير بعد أن أعلنت فرنسا وبريطانيا، يوم الجمعة، عن استعدادهما لنشر قوة عسكرية لتأمين حرية الملاحة في الممر المائي الاستراتيجي، وموافقة سلطنة عمان على التعاون معهما. كما جاء بعيد زيارة قام بها سلطان عمان هيثم بن طارق إلى فرنسا نهاية حزيران/يونيو، والإعلان عن شراكات استراتيجية بين البلدين.
منذ زيارة سلطان عُمان هيثم بن طارق إلى باريس نهاية حزيران/يونيو، برز تشدّد في الموقف الإيراني تجاه فرنسا. إذ أثارت الزيارة قلق طهران التي تحاول أن تقنع عُمان بإدارة مشتركة لمضيق هرمز. وبعد تحذيرها باريس من تعقيد الأمور قبل أيام، عادت إيران وحذرت يوم الجمعة فرنسا وبريطانيا من التدخل في المضيق، بعد إعلان البلدين استعدادهما لنشر قوة عسكرية لتأمين حرية الملاحة هناك.
ويأتي التحذير الإيراني على الرغم من أن فرنسا وبريطانيا كانتا أعلنتا عن نيتهما المشاركة بمهمة لإعادة فتح مضيق هرمز حتى قبل الإعلان عن هدنة بين واشنطن وطهران في نيسان الماضي. وأكدتا في حينها أن مهمتها ستكون سلمية وستتم بالتنسيق مع جميع الأطراف. وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، يوم الجمعة، أن فرنسا والمملكة المتحدة “على أهبة الاستعداد لنشر قوة عسكرية متعددة الجنسيات لدعم حرية الملاحة في مضيق هرمز”. وأكدا في بيان موافقة سلطنة عُمان على العمل مع لندن وباريس لضمان سلامة الملاحة في مياهها الإقليمية.
وأفاد ماكرون بأن حاملة الطائرات شارل ديغول عادت إلى فرنسا منهية انتشارها في الشرق الأوسط بعد “التطور الإيجابي” الذي يمثّله التفاهم الموقع بين إيران والولايات المتحدة. وأضاف أن “وسائلنا المخصصة لإزالة الألغام ومواكبتها تظل منتشرة وجاهزة للتدخل مع شركائنا” في المنطقة. وسرعان ما جاء الرد الإيراني عبر نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي. وكتب آبادي على منصة “إكس”: “بصفتها قوة مسؤولة وضامنة لأمن المضيق، تحذر إيران من أي تحرك عسكري في هذا الممر المائي”.
تقليص للنفوذ الإيراني في هرمز؟
وأثار التقارب الفرنسي العماني قلق طهران، والتي تحاول حث سلطنة عمان على الإشتراك معها في وضع خطة لإدارة مضيق هرمز، والقبول بفرض رسوم عبور. وخلال زيارة سلطان عمان إلى باريس، أعلن بيان فرنسي عماني عن شراكات استراتيجية وتطوير العلاقات الاستثمارية في مجالات مختلفة من بينها البنية الأساسية البحرية والخدمات اللوجستية والنقل والشحن وحتى مناورات مشتركة في موانئ عمان. وهو ما تخشى طهران من أن يقلص نفوذها في المضيق الذي تستخدمه كأبرز أوراق الضغط لديها. وإثر البيان الصادر عن ماكرون وبن طارق، حذرت إيران فرنسا من تعقيد الأمور. كما رفضت إيران كلام ماكرون عن تعاون بين فرنسا وسلطنة عُمان ودول أخرى لإزالة الألغام من المضيق، وشددت على أن هذه العمليات ينبغي أن تتم ”من جانبها وحدها”.
هل تنهي الشراكة الأوروبية العُمانية الهيمنة الإيرانية على مضيق هرمز؟
تحمل التطورات الأخيرة في مضيق هرمز أبعاداً جيوستراتيجية عميقة، حيث يُظهر الموقف الإيراني المتشدد رغبة طهران الحثيثة في الإبقاء على هيمنتها المنفردة على هذا الممر المائي الحيوي باعتباره أهم أوراق ضغطها الإقليمية. يتضح أن التقارب الفرنسي العُماني الأخير، المتمثل في الشراكات الاستراتيجية وتطوير البنية التحتية البحرية، قد وجّه ضربة للمساعي الإيرانية الهادفة إلى إقناع مسقط بإدارة مشتركة للمضيق وفرض رسوم عبور. يمثل استعداد فرنسا وبريطانيا لنشر قوة عسكرية متعددة الجنسيات بالتنسيق مع سلطنة عُمان تحولاً نوعياً يهدد بتقليص النفوذ الإيراني، ويسحب البساط من تحت واجهة “الأمن الإقليمي الذاتي” التي لطالما نادت بها طهران لإبعاد القوى الدولية عن المنطقة.
من ناحية أخرى، يكشف التراشق الدبلوماسي والتحذير الإيراني الحاد لباريس ولندن عن حساسية مفرطة تجاه أي تحركات ميدانية قد تغير موازين القوى في المياه الإقليمية العُمانية. فبالرغم من الإشارات السلمية السابقة والتفاهمات الموقعة بين واشنطن وطهران، فإن الإعلان المشترك لإيمانويل ماكرون وكير ستارمر بشأن جاهزية التدخل العسكري وإزالة الألغام قد أعاد صياغة المشهد كصراع نفوذ مباشر. جاء رد فعل نائب وزير الخارجية الإيراني ليؤكد رفض بلاده القاطع لشرعنة أي تواجد أوروبي مدعوم خليجياً، مما يضع المنطقة أمام معادلة حرجة تتأرجح بين رغبة دولية في تأمين حرية الملاحة العالمية، وإصرار إيراني على اعتبار أمن المضيق مسؤولية حصرية تابعة لها وحدهـا.


