الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

إيران تودع النووي وفتح مضيق هرمز: نجاح القوة الأمريكية في انهيار القدرات الإيرانية

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في تحول مفصلي يمكن أن يُعتبر نقطة تحول كبيرة في السياسة الإيرانية، يبدو أن طهران تودع طموحاتها النووية على خلفية الضغوط الدولية المستمرة ونجاحات الولايات المتحدة المتزايدة في الضغط على النظام الإيراني. مع فتح مضيق هرمز أمام حركة الشحن الدولي وتخفيف القيود الاقتصادية المفروضة على إيران، بدأ انهيار القدرات الإيرانية في الاستراتيجيات النووية والاقتصادية، مما يفتح المجال أمام رؤية جديدة لصورة إيران في المنطقة والعالم.

لقد أثبتت الولايات المتحدة قدرتها على إضعاف النفوذ الإيراني عبر عدة استراتيجيات ضاغطة، مثل فرض العقوبات الاقتصادية القاسية أو الضغط العسكري المباشر في المنطقة. تأتي هذه الضغوط في وقت كانت فيه إيران تشهد تراجعًا واضحًا في استراتيجياتها النووية، مما يعكس فشلًا في تحقيق أهدافها النووية بسبب الضغوط الخارجية التي أفقدتها القدرة على الحفاظ على مكانتها الدولية. على الرغم من ذلك، فإن هذا التحول يعكس فشلًا استراتيجيًا كبيرًا لإيران، بينما يمثل نصرًا كبيرًا للولايات المتحدة في المنطقة.

تشير هذه التطورات إلى تراجع طهران في مجالات عدة، ما يؤدي إلى تقليص قدرتها على المناورة بشكل كبير في المدى القصير والمتوسط. الولايات المتحدة تُظهر قوتها في إضعاف طموحات إيران النووية وفتح مضيق هرمز، وهو أمر يعكس ضعفًا واضحًا في موقف طهران على الساحة الدولية، ويضعف قدرة إيران على تهديد مصالح القوى الكبرى في المنطقة.

المقايضة: الحصار مقابل الإفراج عن 20 مليار دولار

في تطور مهم على الساحة السياسية الدولية، يظهر نموذج جديد من المقايضة بين الحصار الاقتصادي والإفراج عن الأموال المجمدة. في الوقت الذي تواصل فيه العقوبات الدولية المفروضة على إيران، تشير المؤشرات إلى استعداد طهران لتقديم بعض التنازلات في ملفها النووي مقابل الإفراج عن ما يصل إلى 20 مليار دولار من أصولها المجمدة. وتشمل هذه التنازلات سحب كامل المواد المخصبة، التي ستوضع في وديعة بأحد الدول أو عدة دول (مثل روسيا وفرنسا). بناءً على ذلك، يمكن الاتفاق على فترة تتراوح بين 10 إلى 20 سنة لإعادة التخصيب السلمي في إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي ستراقب العملية من خلال تثبيت كاميرات مراقبة بإشراف الولايات المتحدة.

يمثل هذا التوجه نجاحًا مهمًا للحملة الأمريكية في تجريد إيران من قدراتها النووية والعسكرية، وهو يأتي في إطار شكل جديد من التعامل مع طهران يخفف من وطأة الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الدول الغربية.

الإفراج عن هذه الأموال يوفر لإيران فرصة مؤقتة للانتعاش الاقتصادي في ظل الأزمات المتعددة التي يعاني منها اقتصادها. ومع ذلك، فإن هذا التخفيف في الضغوط الاقتصادية يأتي في مقابل موافقة طهران على تقليص الأنشطة النووية التي كانت تشكل تهديدًا للأمن الدولي. ورغم أن هذه الخطوة قد تُعتبر انتصارًا على صعيد إضعاف الاقتصاد الإيراني، إلا أن الضغوط الأخرى، بما في ذلك التهديدات العسكرية المستمرة والعقوبات الإضافية، تظل قائمة. هذا يعكس تعقيد الموقف في ظل المقايضة الدولية الجارية.

إذن، سوف ترفع الولايات المتحدة الحصار عن خليج هرمز كليًا، وترفع الحصار عن كافة الموانئ الإيرانية عندما توافق طهران على إيقاف القرصنة البحرية وممارسة الإرهاب البحري في الخليج وحمايته من قبل قوة عسكرية. مما يساهم في فك الحصار الأمريكي عن مبالغ مالية مجمدة قدرها 20 مليار دولار لواعي إنسانية، لشراء مستلزمات حيوية لإيران بسبب نفوذها الأولي من مخازنها.

الولايات المتحدة واستخدام ثلاثة سيناريوهات في ملف إيران النووي

كما يبدو، فإن الولايات المتحدة قد تبنت ثلاث استراتيجيات رئيسية في تعاملها مع إيران، كل واحدة منها تعتمد على تكتيكات مختلفة تم تطويرها في مناطق جغرافية متنوعة. هذه السيناريوهات تمثل استراتيجيات متعددة لضغط إيران على الالتزام بشروط محددة، من خلال مزيج من القوة العسكرية، والسياسة الاقتصادية، والضغط الدبلوماسي.

تفكيك البرنامج النووي على الطريقة الليبية

إحدى الاستراتيجيات الأمريكية في التعامل مع إيران تتبنى نهجًا مشابهًا لذلك الذي تم تطبيقه مع ليبيا. في عام 2003، وافق الزعيم الليبي معمر القذافي على التخلي عن برنامجه النووي في صفقة مع الغرب، حيث تم تفكيك الأسلحة النووية والمرافق ذات الصلة مقابل رفع الحصار الدولي. الولايات المتحدة تأمل في تطبيق نفس النهج مع إيران، مما يعني أن طهران قد تضطر إلى التخلي تدريجيًا عن طموحاتها النووية مقابل تسهيلات اقتصادية أو رفع بعض العقوبات. هذا التكتيك يعكس رغبة الولايات المتحدة في تحجيم تهديدات إيران النووية من خلال إقناعها باتباع نموذج تفكيك مشابه.

تفكيك الصواريخ البالستية على الطريقة العراقية

السيناريو الثاني يعيد إلى الأذهان الاستراتيجيات التي تم استخدامها ضد العراق، خاصة خلال فترة التسعينات، عندما تم فرض ضغوط هائلة على نظام صدام حسين لتدمير الصواريخ البالستية والأسلحة الكيميائية والبيولوجية. تم فرض رقابة صارمة على العراق، حيث قاد التفتيش الدولي عملية تدمير مخزونات الأسلحة بعيدة المدى. هذا السيناريو يمكن أن يكون مفيدًا أيضًا في التعامل مع إيران، حيث يمكن للولايات المتحدة والدول الغربية أن تضغط على إيران لتدمير مخزوناتها من الصواريخ البالستية، وهو ما يشكل تهديدًا استراتيجيًا لدول المنطقة مثل إسرائيل والسعودية.

إجراءات مشابهة للطريق السوري

السيناريو الثالث يتبع نهجًا غير مباشر مشابهًا للنهج الذي تم تطبيقه في سوريا بعد انتهاء الأزمة السورية. في هذا السياق، قد تعتمد الولايات المتحدة على استراتيجية تهدف إلى تفكيك الأذرع الإيرانية المنتشرة في المنطقة، خصوصًا في اليمن ولبنان والعراق وغزة. يتم ذلك من خلال دعم القوى المحلية والدول المركزية في تلك المناطق التي تساهم في مواجهة النفوذ الإيراني، بالإضافة إلى فرض عقوبات دولية أكثر صرامة تؤثر بشكل مباشر على قدرة النظام الإيراني على مواصلة دعم هذه الجماعات. يعتمد هذا السيناريو بشكل أساسي على الحصار الاقتصادي والسياسي كأداة رئيسية، مما يشكل خطوة استراتيجية واسعة تهدف إلى استنزاف قدرة إيران على التأثير في المنطقة.

في هذا الإطار، قد تشمل السياسة الأمريكية دعمًا غير مباشر لبعض القوى الداخلية أو الحلفاء الإقليميين المناهضين لإيران، مما يعكس نمطًا من الضغط السياسي والاقتصادي الموجه لإضعاف النفوذ الإيراني في هذه الدول. الهدف الأساسي من هذه الاستراتيجية هو تقليص قدرة طهران على ممارسة تأثيرها الإقليمي، سواء من خلال دعم الجماعات المسلحة أو من خلال حصار مشاريعها العنكبوتية واختراقها لدول المنطقة. يسعى هذا السيناريو إلى تقليص التهديدات التي تمثلها إيران للأمن العربي الإقليمي والدولي، وتقليل قدرتها على ممارسة دورها كقوة مهيمنة في المنطقة.

كل من هذه السيناريوهات يعتمد على إجبار إيران على اتخاذ خطوات غير مرغوبة بالنسبة لها، لكنها ضرورية وفقًا للمصالح الاستراتيجية الأمريكية والغربية. هذه الاستراتيجيات المتنوعة تشير إلى محاولات الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها في المنطقة، بما يتناسب مع التحولات السياسية والعسكرية الحالية. من خلال الضغط العسكري، الدبلوماسي، والاقتصادي، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط بما يتماشى مع مصالحها، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على تطورات العلاقات الدولية في المنطقة.

في الختام، يمكن القول إن الصراع الدولي القائم في المنطقة والعلاقات المتشابكة بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة ضد إيران، يضع العالم على أعتاب مرحلة جديدة تتسم بالتحولات الاستراتيجية الكبرى. إن الضغوط المستمرة على إيران، سواء عبر العقوبات الاقتصادية أو الضغوط العسكرية، قد أحدثت تحولات غير مسبوقة في السياسة الإيرانية، بما في ذلك تراجع طهران عن بعض من طموحاتها النووية. لكن، رغم هذه التحولات، تبقى إيران لاعبًا رئيسيًا في الصراع الإقليمي والدولي، وتظل تهديداتها قائمة، سواء على مستوى برنامجها النووي أو قدرتها على التأثير في النزاعات الإقليمية.

الولايات المتحدة، من خلال استراتيجياتها المتنوعة، تعمل على استنزاف قدرة إيران على التأثير في المنطقة، سواء عبر تفكيك قدراتها النووية أو من خلال تقويض نفوذها العسكري في دول مثل اليمن ولبنان والعراق. لكن من الواضح أن هذه الاستراتيجيات ليست خالية من المخاطر أو التعقيدات، كما أن التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها في المنطقة لا تزال كبيرة.

أمام هذه التطورات، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سيؤدي الضغط المستمر على إيران إلى تغيير جوهري في سياستها، أم أن طهران ستظل قادرة على المناورة والصمود في وجه هذه الضغوط؟ في النهاية، سيتعين على الجميع التكيف مع هذا الواقع المتغير، في وقت يزداد فيه تعقيد الصراع الدولي، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، التي تعد واحدة من أكثر الأماكن الحيوية والمهمة في العالم.

https://hura7.com/?p=77964

الأكثر قراءة