جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

بالرغم من الضربات الموجّهة التي توجّهها الإدارة الأمريكية إلى إيران، فإن طهران تعلن مناطق حظر عبور في الخليج العربي وخليج عُمان، وكأنها تريد الإيحاء بأن ميزان القوة لا يزال يميل لمصلحتها، في وقت يبدو فيه أن مجموعة متخوّفة من تبعات المواجهة تدفع بالشعب الإيراني نحو المزيد من المعاناة والهاوية والتدمير. ويأتي هذا التصعيد في ظل مواجهة عسكرية متصاعدة بين الطرفين، وفي وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى فرض واقع جديد على إيران، بينما تحاول طهران إظهار قدرتها على الرد وفرض شروطها في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
لقد أعلن محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، المتواري في السراديب الإيرانية والمختفي عن الأنظار ووسائل الإعلام خوفًا من القتل، أن طهران بصدد تغيير نهجها جذريًا في مواجهة الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية. ووفقًا لما أعلنه، فإن إيران تعتزم فرض منطقة حظر مرور بصورة أحادية الجانب في الخليج العربي وخليج عُمان، بما يتيح لها مراقبة حركة السفن المتجهة نحو مضيق هرمز أو الخارجة منه.
وبحسب الخيال الأسطوري والهذيان الإيراني، فإن أي سفينة تحاول الإبحار باتجاه المضيق من أيٍّ من جانبيه دون موافقة إيرانية ستواجه إجراءات عقابية، وقد تُدرج على قائمة العقوبات. وكأن إيران دولة تستطيع فرض أي قوة على العالم، في الوقت الذي تحترق فيه سفنها وتُمنع من الإبحار. وبذلك تبدو طهران وكأنها تسعى إلى توسيع نطاق الرقابة البحرية من مناطق الحصار المفترض وصولًا إلى موانئ الشحن الواقعة في عمق الخليج العربي، بما يضع حركة الملاحة التجارية أمام واقع جديد أكثر تعقيدًا.
سلاح العقوبات والضغط على الملاحة
وأوضح رضائي أن السفن المخالفة ستُدرج على القائمة السوداء، الأمر الذي قد يؤدي إلى حرمانها من بعض الضمانات الأمنية، ويخلق صعوبات أمامها في مجالات التأمين والملاحة. ومن شأن مثل هذه الإجراءات أن ترفع تكلفة النقل البحري، وأن تدفع شركات الشحن إلى إعادة حساباتها قبل المخاطرة بالعبور في مناطق تعتبرها إيران خاضعة لرقابتها.
ويأتي هذا التطور، بحسب الرواية الإيرانية، بعد الانهيار الفعلي لمذكرة التفاهم الموقعة بين طهران وواشنطن في 17 حزيران، إلى جانب تصعيد الولايات المتحدة لعملياتها ضد مواقع إيرانية وناقلات نفط مرتبطة بإيران في منطقة مضيق هرمز.
ويرى الجانب الإيراني أن فرض “منطقة الحظر” يمثل وسيلة للضغط على إدارة ترامب، وإيصال رسالة مفادها أن استمرار الحصار والضربات لن يبقى من دون رد، وأن طهران مستعدة للانتقال من مرحلة الردود المحدودة إلى إجراءات أوسع تمس حركة الملاحة والطاقة.
غير أن السؤال يبقى: ما المراحل أو الأدوات التي يمكن لإيران استخدامها في مواجهة ترامب والحصار الأمريكي؟ ولعل الرد الساخر على التصريحات والادعاءات الإيرانية بأنها تملك “أوراقًا كثيرة” هو أن من بين الأوراق التي يمكن لطهران محاولة استخدامها السعي إلى تعطيل حركة النفط ومنع وصوله إلى الولايات المتحدة، ومحاصرة السفن التي ترى أنها مرتبطة بالمصالح الأمريكية، ومحاولة استهداف القدرات العسكرية الأمريكية في مياه الخليج، بما قد يؤدي إلى إلحاق خسائر بالقوات الأمريكية.
وتحاول طهران من خلال هذه التهديدات أن تقدم نفسها باعتبارها قادرة على تغيير معادلة المواجهة وفرض كلفة مرتفعة على الولايات المتحدة. إلا أن الانتقال من التهديد إلى التنفيذ يبقى مسألة مختلفة، لأن أي محاولة فعلية لتعطيل الملاحة الدولية أو استهداف السفن والقوات الأمريكية قد تفتح الباب أمام تصعيد واسع لا تستطيع إيران التحكم بنتائجه.
وبذلك، فإن ما تطرحه طهران من خيارات لا يمكن فصله عن محاولتها الحفاظ على صورة القوة في مواجهة الضربات الأمريكية، في وقت تواجه فيه ضغوطًا عسكرية واقتصادية متزايدة. وتبدو “منطقة الحظر” في هذا السياق جزءًا من معركة أكبر حول القدرة على فرض قواعد الاشتباك، وليس مجرد إجراء يتعلق بالملاحة البحرية.
مضيق هرمز في قلب المواجهة
وتبدو أهمية القرار الإيراني مرتبطة بصورة مباشرة بمضيق هرمز، الذي يشكل نقطة الاختناق الرئيسية أمام حركة ناقلات النفط القادمة من الخليج العربي. ولذلك فإن أي محاولة لتغيير قواعد المرور في المضيق لا يمكن أن تُفهم باعتبارها إجراءً بحريًا محدودًا، وإنما باعتبارها خطوة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية واستراتيجية واسعة.
وفي المقابل، عملت الولايات المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة على إنشاء مسار بديل غير رسمي في الجزء الجنوبي من المضيق، خارج نطاق المناطق التي تتعرض للقصف الإيراني. وتقول واشنطن إن هذا المسار يساعد على استمرار تدفق النفط من المنطقة، ويمنح شركات النقل إمكانية مواصلة عملياتها في ظل التوتر المتصاعد.
وفي السادس من أيلول، قال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، في تصريحات لشبكة CNN، إن متوسط حجم النقل عبر المضيق يبلغ حاليًا أكثر من تسعة ملايين برميل يوميًا، مشيرًا إلى أن خطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق تتيح استمرار تدفقات تصل إلى نحو ثلثي مستويات ما قبل النزاع. ووفقًا لرايت، فإن البحرية الأمريكية “تنتصر في معركة” السيطرة على مضيق هرمز.
استهداف الناقلات وتصعيد المواجهة
لكن طهران تنظر إلى التحركات الأمريكية باعتبارها محاولة لخنق اقتصادها ومنعها من استخدام أهم أدواتها الاقتصادية، وهو ما يفسر جانبًا من الغضب الإيراني تجاه استهداف ناقلات النفط.
وفي اليوم السابق، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية شن هجمات على ثلاث ناقلات نفط إيرانية، في تطور يرفع مستوى المواجهة البحرية بين الطرفين. وذكرت البيانات الأمريكية أن الهجمات جاءت بعد إطلاق الحرس الثوري الإيراني صواريخ باليستية باتجاه سفينتين تابعتين للبحرية الأمريكية كانتا تقومان بدوريات في المياه الإقليمية.
وأشارت البيانات إلى تعطيل ناقلتي “داوني” قبالة جزيرة خارك و«ستارك 1» قبالة مدينة جاسك الساحلية، إضافة إلى تدمير الناقلة “كيلو”، التي كانت فارغة، في خليج عُمان.
لكن في النهاية، تبدو هذه القلة التي تحكم إيران وكأنها تصارع طواحين الهواء، كما في رواية سرفانتس؛ فبينما تتوالى الضربات على الحرس الثوري، يبدو أن القيادة الإيرانية تتعامل معها وكأنها مجرد ماء مطر يهطل على وجوه المحتجزين في السراديب، دون أن تدرك حجم ما يجري على الأرض، أو أنها تحاول إقناع شعبها بأن ما يحدث لا يتجاوز حدود معركة عابرة يمكن تجاوزها بالشعارات والتهديدات.


