الأكثر قراءة

إيران في موقف دفاعي في حرب الوقود

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تبدو إيران وكأنها تدخل مرحلة جديدة من أزمتها الاقتصادية، لكن هذه المرة من بوابة البنزين. فبينما تتواصل تداعيات الحرب والعقوبات والقيود المفروضة على حركة التجارة، تجد طهران نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: إنتاج محلي لا يكفي لتغطية الاستهلاك، وواردات تتراجع، وطرق إمداد أصبحت أكثر صعوبة، واحتياطيات من الوقود تتآكل بوتيرة متسارعة.

في مواجهة هذا الواقع، تستعد الحكومة الإيرانية لتفاقم أزمة البنزين، وسط مخاوف من أن يتحول النقص في الوقود إلى أزمة اقتصادية واجتماعية تتجاوز حدود قطاع الطاقة.

الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان لم يحاول إخفاء خطورة الوضع. ففي حديثه عن الظروف التي تمر بها البلاد، قال إن على الإيرانيين أن يدركوا أنهم يعيشون في “ظروف حرب”، مشيرًا إلى أن إغلاق الطرق وتعطل وصول البضائع انعكسا مباشرة على إمدادات البنزين.

وتكمن المشكلة، وفق بيزشكيان، في أن إيران لا تعتمد على إنتاجها المحلي وحده لتلبية احتياجات السوق. فعلى الرغم من كونها واحدة من أكبر الدول المنتجة للنفط، فإن قدراتها التكريرية لا توفر كمية كافية من البنزين للاستهلاك الداخلي، ما يجعلها مضطرة إلى اللجوء إلى الخارج لسد الفجوة.

لكن الاستيراد نفسه أصبح أكثر كلفة وتعقيدًا. فإيرادات الدولة تراجعت، كما انخفضت حركة الصادرات والواردات بنسب تتراوح بين 25 و35%، الأمر الذي يعني أن طهران لا تواجه فقط مشكلة في تأمين البنزين، بل تواجه أيضًا مشكلة في توفير الأموال اللازمة لشرائه.

الأزمة تفرض نفسها على الشارع

في ظل هذا الواقع، بدأت الحكومة تفكر في الخيار الأكثر حساسية سياسيًا: رفع أسعار البنزين.

ويتركز النقاش حاليًا على ما يعرف بفئة الاستهلاك الثالثة، وهي البنزين الذي يُشترى بسعر أعلى بعد استنفاد الحصة الشهرية المدعومة. وفي حال مضت الحكومة في تعديل الأسعار، فإن القرار قد يفتح بابًا جديدًا للتوتر الاجتماعي في بلد سبق أن شهد احتجاجات واسعة مرتبطة بأسعار الوقود والأوضاع الاقتصادية.

لكن أزمة البنزين لا تبدو محصورة في مكاتب الحكومة وقراراتها الاقتصادية، بل بدأت تفرض نفسها على الشارع الإيراني، حيث يتحول القلق من نقص الوقود إلى سلوك يومي، ويصبح الحصول على البنزين أولوية لدى الأسر وأصحاب السيارات.

الحصار يضيّق طرق الإمداد

ولا تنفصل أزمة البنزين عن التطورات العسكرية والبحرية المحيطة بإيران. فبحسب مسؤولين إيرانيين، أدى الحصار البحري المفروض على الموانئ إلى عرقلة وصول شحنات الوقود، حتى مع استمرار تجميد الأعمال العدائية.

وفي الأسبوع الماضي، أقر نائب الرئيس الإيراني للشؤون التنفيذية محمد جعفر قائم بناه بأن الإجراءات الأمريكية جعلت استيراد البنزين أمرًا بالغ الصعوبة، مؤكدًا أن إنتاج الوقود المحلي غير كافٍ، وأن استمرار الوضع الحالي بات غير ممكن.

وهكذا، وجدت الحكومة نفسها أمام فجوة تتسع يومًا بعد يوم بين ما تنتجه البلاد وما تستهلكه.

وتشير الأرقام المتداولة داخل إيران إلى أن الاستهلاك المحلي يبلغ نحو 135 مليون لتر من البنزين يوميًا، في حين لا يتجاوز الإنتاج حوالي 121 مليون لتر. أي أن السوق الإيرانية تواجه عجزًا يوميًا يقدّر بنحو 14 إلى 15 مليون لتر.

هذه الفجوة تبدو صغيرة على الورق إذا قيست بحجم إنتاج إيران النفطي، لكنها في الواقع تمثل مشكلة استراتيجية، لأن النفط الخام لا يتحول تلقائيًا إلى بنزين. فالمسألة مرتبطة بالطاقة التكريرية، وبالقدرة على نقل الوقود، وبإمكانية الوصول إلى الأسواق الخارجية عند الحاجة.

الممر الجنوبي تحت الضغط

لسنوات، اعتمدت إيران على شبكة معقدة من طرق الإمداد لتأمين احتياجاتها من البنزين. وكان ما يعرف بـ«الممر الجنوبي» أحد أهم هذه المسارات.

عبر هذا الطريق، كان تجار في الخليج العربي يقومون بتوفير أنواع مختلفة من الوقود القادم من أسواق دولية، بينها الهند والصين، قبل إعادة توجيهه إلى إيران عبر موانئ ومرافئ عربية، ولا سيما في الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان.

وكانت هذه التجارة تعتمد، بحسب الروايات المتداولة، على وثائق وشحنات ذات علامات تجارية محايدة تساعد على إخفاء المصدر النهائي للوقود.

لكن هذا المسار أصبح أكثر هشاشة في ظل العقوبات والقيود البحرية. أما الكميات التي كانت تأتي من دول ما بعد الاتحاد السوفيتي، فكانت تصل إلى إيران عبر طرق برية شمالية أو عبر بحر قزوين، وهي بدورها طرق لا تستطيع بسهولة تعويض النقص الناجم عن تراجع الإمدادات الجنوبية.

وبذلك لم تعد المشكلة مجرد نقص في الإنتاج، بل أصبحت أزمة في شبكة الإمداد بأكملها.

عندما يتحول البنزين إلى مصدر للذعر

وفي الداخل الإيراني، بدأت تداعيات الأزمة تظهر بصورة أكثر وضوحًا. فقد تحدثت منشورات معارضة لطهران، نقلًا عن شهود، عن حالة من الهلع بدأت عقب إعلان إدارة دونالد ترامب تشديد العقوبات على إيران.

ومع تصاعد المخاوف من نقص الوقود، ظهرت طوابير طويلة أمام محطات البنزين، فيما سعى بعض السكان إلى شراء كميات إضافية وتخزينها تحسبًا للأسوأ.

مثل هذه المشاهد تحمل بالنسبة للحكومة الإيرانية دلالة تتجاوز أزمة المحطات. فالخوف من نقص البنزين يمكن أن يتحول سريعًا إلى سلوك جماعي يسرّع الأزمة نفسها؛ إذ يؤدي التخزين الفردي إلى زيادة الطلب بصورة مفاجئة، ويضغط على المخزونات، ويجعل النقص أكثر وضوحًا في الشارع.

وهنا تظهر أهمية الاحتياطيات الاستراتيجية من البنزين، تلك المخزونات التي تمثل خط الدفاع الأخير أمام اضطرابات الإمداد. فهي ليست مجرد كميات إضافية من الوقود، بل شبكة أمان تستخدمها الدولة للحفاظ على توازن السوق عندما يتراجع الإنتاج أو تتعطل الواردات.

غير أن السؤال الذي يزداد إلحاحًا الآن هو: إلى متى تستطيع هذه الاحتياطيات الصمود أمام العجز المتواصل؟

فكل يوم يمر بفجوة تتراوح بين 14 و15 مليون لتر يعني استنزافًا إضافيًا للمخزون. وإذا تعذر تعويض هذا العجز عبر الواردات أو زيادة الإنتاج، فإن الاحتياطيات التي يفترض أن تكون صمام أمان قد تتحول بدورها إلى عدّاد تنازلي للأزمة.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة الوضع بالنسبة لطهران. فالمشكلة لم تعد فقط في تأمين البنزين اليوم، وإنما في الحفاظ على القدرة على تأمينه غدًا، وبعد غد، وفي الأسابيع التي قد تكون أكثر صعوبة.

ومع تقلص الخيارات، تجد الحكومة الإيرانية نفسها أمام مفترق حساس: إما استخدام المزيد من الاحتياطيات للحفاظ على استقرار السوق، وإما الحفاظ عليها تحسبًا لمرحلة أشد قسوة. وفي الحالتين، تبدو طهران وكأنها تتحرك في مساحة ضيقة، بينما تتقدم أزمة الوقود من قطاع الطاقة نحو قلب المعادلة الاقتصادية والاجتماعية.

https://hura7.com/?p=83966

الأكثر قراءة