جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

يبدو أن السياسة الإيرانية تجاه أفغانستان تدخل مرحلة جديدة تختلف عن تلك التي اعتمدتها طهران منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة عام 2021. فالمؤشرات السياسية والدبلوماسية الأخيرة توحي بأن الجمهورية الإسلامية لم تعد تنظر إلى طالبان باعتبارها الشريك السياسي الوحيد القادر على إدارة مستقبل أفغانستان، بل بدأت تعتمد مقاربة أكثر اتساعًا تقوم على الانفتاح على قوى المعارضة الأفغانية، في محاولة لإعادة رسم التوازنات داخل المشهد الأفغاني.
ويشير هذا التحول إلى أن طهران تتجه نحو تبني سياسة متعددة الأقطاب، تقوم على التواصل مع مختلف القوى السياسية والإثنية، وعدم حصر علاقاتها بطرف واحد، مع الإبقاء على إمكانية الانتقال من سياسة الاحتواء والحوار إلى سياسة الضغط إذا اقتضت التطورات ذلك.
جنازة خامنئي ورسالة سياسية غير مباشرة
برز هذا التحول بوضوح خلال مراسم تشييع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي، التي أقيمت في طهران مطلع شهر تموز، حيث حضرت وفود أفغانية تمثل طرفين متناقضين في المشهد السياسي الأفغاني. الوفد الأول مثّل حكومة طالبان برئاسة الملا عبد الغني برادر، النائب الأول لرئيس الوزراء، فيما مثّل الوفد الثاني أبرز شخصيتين في المعارضة الأفغانية هما أحمد مسعود، زعيم جبهة المقاومة الوطنية، ومحمد محقق، رئيس حزب الوحدة الإسلامية.
ولم يكن حضور وفد المعارضة حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل حمل دلالات سياسية واضحة، بعدما حظي أحمد مسعود ومحمد محقق بالمكانة نفسها التي مُنحت لممثلي حكومة طالبان، وقدّمهما منظمو المراسم بوصفهما من كبار ممثلي المقاومة الأفغانية، في رسالة فهمها كثيرون بأنها تعكس تغيرًا في الرؤية الإيرانية تجاه مستقبل السلطة في كابول.
كما حرص مقدمو المراسم على التذكير بأن أحمد مسعود هو نجل القائد الراحل أحمد شاه مسعود، الذي ارتبط اسمه بالمقاومة الأفغانية ضد الوجود السوفيتي أولًا، ثم ضد حركة طالبان بين عامي 1994 و2001، وهو ما منح ظهوره في هذا المحفل الرسمي بعدًا رمزيًا لا يمكن تجاهله.
من الرهان على طالبان إلى البحث عن شراكة أوسع
طوال السنوات الأربع الماضية، انتهجت إيران سياسة براغماتية تجاه طالبان، انطلقت من قناعة بأن التعامل مع السلطة القائمة أكثر واقعية من الدخول في مواجهة مباشرة معها. واعتمدت طهران خلال تلك المرحلة سياسة يمكن وصفها بـ”النهج اللين”، إذ راهنت على الحوار والتعاون الاقتصادي والسياسي مع طالبان، أملاً في دفعها تدريجيًا نحو تشكيل حكومة أكثر شمولًا تضم مختلف المكونات القومية والسياسية في أفغانستان، ولا تقتصر على الحركة أو على المكوّن البشتوني وحده. إلا أن هذه الرهانات، بحسب العديد من المراقبين، لم تحقق النتائج المرجوة، إذ بقيت طالبان متمسكة باحتكار السلطة، ولم تُبدِ استعدادًا حقيقيًا لإشراك القوى الأخرى في إدارة الدولة.
متغيرات إقليمية عززت الثقة الإيرانية
يبدو أن هذا التحول في السياسة الإيرانية لا يرتبط فقط بالملف الأفغاني، بل يعكس أيضًا قراءة جديدة لموازين القوى الإقليمية. فوفق القراءة الإيرانية، فإن التطورات الأخيرة، وفي مقدمتها فشل العملية العسكرية الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، وتعزيز النفود الإيراني في منطقة الخليج، رفعت من مستوى الثقة لدى القيادة الإيرانية، ودفعَتها إلى انتهاج سياسة أكثر نشاطًا في محيطها الإقليمي. وفي هذا السياق، أصبحت أفغانستان جزءًا من استراتيجية إيرانية أوسع تهدف إلى تثبيت النفوذ على الحدود الشرقية ومنع أي ترتيبات إقليمية قد تتم من دون مشاركة طهران أو على حساب مصالحها.
من الإقناع إلى الإكراه
ويرى متابعون أن الرسالة التي حملتها مراسم التشييع تتجاوز البعد الرمزي، إذ قد تكون مقدمة لتحول عملي في السياسة الإيرانية تجاه طالبان. فبعد سنوات من الاعتماد على الحوار والإقناع، تبدو طهران مستعدة لاستخدام أدوات ضغط سياسية جديدة، عبر تعزيز علاقاتها مع شخصيات المعارضة الأفغانية، وفي مقدمتها أحمد مسعود ومحمد محقق، والعمل على تشجيع إطلاق حوار سياسي يفضي إلى تشكيل حكومة ائتلافية تشارك فيها مختلف القوى الأفغانية. وتشير المعلومات المتداولة إلى أن مشاورات غير معلنة بدأت بالفعل حول إمكانية استضافة إيران لقاءات بين ممثلي طالبان والمعارضة الأفغانية، في محاولة لفتح مسار سياسي جديد.
المعارضة المسلحة كورقة ضغط
لكن إذا فشلت هذه المساعي، فإن إيران تحتفظ، وفق تقديرات عدد من المراقبين، بخيارات أخرى، من بينها تقديم دعم سياسي أو غير مباشر للقوى المناهضة لطالبان. وتبرز هنا جبهة المقاومة الوطنية بقيادة أحمد مسعود، التي لا تزال تنفذ عمليات عسكرية في عدد من ولايات شمال أفغانستان. وقد شهدت ولاية بدخشان في الثامن من تموز عملية جديدة نفذتها قوات الجبهة ضد مقاتلي طالبان، في مؤشر على استمرار النشاط العسكري للمعارضة، وعلى أن خيار المواجهة المسلحة لا يزال قائمًا إذا تعثرت الحلول السياسية.
ويرى بعض المحللين أن استمرار هذه العمليات يعكس أيضًا أن اللقاءات التي جرت في طهران لم تؤد حتى الآن إلى تفاهمات بين قيادة طالبان وقيادات المعارضة، رغم أن الباب لا يزال مفتوحًا أمام استئناف الحوار لاحقًا.
رسالة إلى باكستان ودول المنطقة
التحرك الإيراني لا يوجّه رسائل إلى طالبان وحدها، بل يمتد أيضًا إلى القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف الأفغاني. فإيران تدرك أن باكستان، بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا، تسعى إلى الحفاظ على نفوذها التقليدي داخل أفغانستان، ولذلك تحاول طهران تقديم نفسها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات سياسية مستقبلية. كما أن دعوة قادة المعارضة إلى طهران حملت رسالة إلى الدول التي ما زالت تراهن على احتكار طالبان للسلطة، مفادها أن المشهد الأفغاني أكثر تعقيدًا، وأن أي تسوية دائمة لن تكون مستقرة إذا تجاهلت التنوع القومي والسياسي الذي يميز المجتمع الأفغاني.
انعكاسات إقليمية
هذا التحول الإيراني قد يدفع قوى إقليمية أخرى، مثل روسيا والصين ودول آسيا الوسطى، إلى إعادة تقييم سياساتها تجاه أفغانستان، خاصة إذا نجحت طهران في فتح مسار سياسي جديد يجمع طالبان والمعارضة. كما أن المعارضة الأفغانية استقبلت هذه الإشارات الإيرانية بتفاؤل واضح، واعتبرت أن منح أحمد مسعود ومحمد محقق مكانة رسمية في مناسبة سيادية إيرانية يحمل اعترافًا سياسيًا بأن طالبان لا تمثل وحدها جميع مكونات الشعب الأفغاني.
وقد عبّر ممثلو التيار الأخضر الأفغاني، بقيادة نائب الرئيس الأفغاني السابق أمر الله صالح، عن هذا الموقف، معتبرين أن الخطوة الإيرانية تؤكد أن أفغانستان دولة متعددة القوميات والثقافات، وأن مستقبلها لا يمكن أن يقوم على احتكار السلطة من قبل طرف واحد.
سياسة جديدة أم ورقة تفاوض؟
ورغم أن من المبكر الجزم بأن إيران حسمت انتقالها الكامل إلى سياسة جديدة تجاه أفغانستان، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن طهران بدأت بالفعل بإعادة ترتيب أولوياتها. فهي لم تعد تكتفي بالحفاظ على قنوات الاتصال مع طالبان، بل تعمل في الوقت نفسه على توسيع شبكة علاقاتها مع قوى المعارضة، بما يمنحها هامشًا أوسع للمناورة والتأثير في مستقبل المشهد الأفغاني.
كما يبدو أن السياسة الإيرانية تتجه نحو الجمع بين الحوار والضغط، وبين الانفتاح على السلطة القائمة والحفاظ على أوراق بديلة، في محاولة لضمان ألا تكون أي تسوية مستقبلية في كابول بعيدة عن المصالح الإيرانية أو عن توازنات الإقليم.


