جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تشير تقارير صحفية واستخباراتية حديثة إلى أن القيادة الإيرانية تدرس الانتقال إلى استراتيجية أكثر هجومية في حال تجدد الصراع مع الولايات المتحدة، تقوم على الضربات الاستباقية واستهداف المصالح والقوات الأميركية في المنطقة. ووفق تقرير نشرته وول ستريت جورنال، فإن الحرس الثوري الإيراني استغل فترة التهدئة التي أعقبت مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية في يونيو/حزيران للتحضير لاحتمال تصعيد جديد، بما في ذلك تعزيز قدراته العسكرية وتوسيع التنسيق مع حلفائه الإقليميين في العراق واليمن ولبنان.
انتهاء مهلة الحرب بين طهران وواشنطن
وتأتي هذه التطورات في وقت بالغ الحساسية، إذ انتهت في 17 أغسطس/آب 2026 المهلة البالغة ستين يوماً التي حددتها مذكرة التفاهم للتوصل إلى اتفاق نهائي بين واشنطن وطهران، من دون تحقيق تسوية شاملة. وكانت المذكرة قد تضمنت ترتيبات لوقف العمليات العسكرية، وفتح المجال أمام الملاحة التجارية في مضيق هرمز، وإجراء حوار بين إيران وسلطنة عُمان بشأن إدارة الملاحة والخدمات البحرية في المضيق.
وفي ظل تعثر المسار الدبلوماسي، تبدو إيران أمام خيارين متوازيين: الحفاظ على قنوات التفاوض من جهة، والاستعداد لمواجهة عسكرية جديدة من جهة أخرى. وقد أعلنت طهران أنها قد تتخذ موقفاً عسكرياً «هجومياً بالكامل» في مضيق هرمز إذا فشلت الجهود الدبلوماسية مع الولايات المتحدة.
وتكمن خطورة هذه الاستراتيجية في أنها لا تستهدف بالضرورة الأراضي الأميركية مباشرة، وإنما يمكن أن تركز على القواعد والمصالح الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط، إضافة إلى المصالح المرتبطة بها. وهذا يعني أن أي مواجهة جديدة قد تتجاوز الحدود الإيرانية–الأميركية لتتحول إلى صراع إقليمي واسع، تكون فيه دول المنطقة وممراتها البحرية ومنشآتها الاقتصادية عرضة للتداعيات.
مضيق هرمز ذو أهمية استراتيجية
لقد باتت الساحة البحرية تكتسب أهمية خاصة في هذه المعادلة، ولا سيما مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب، باعتبارها ممرات استراتيجية ترتبط مباشرة بحركة التجارة العالمية والطاقة. ولذلك فإن أي تصعيد عسكري في هذه المناطق لن يقتصر أثره على أطراف الصراع، بل يمكن أن ينعكس على أسواق النفط والغاز وحركة الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية.
كما أن البعد التكنولوجي أصبح جزءاً أساسياً من الاستراتيجية العسكرية الإيرانية. وتشير التقارير إلى استمرار إيران في تطوير ترسانتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، وإدخال تحسينات على أنظمة التوجيه والدقة والقدرة على المناورة. وإذا صحت التقديرات المتعلقة بسرعة إعادة بناء هذه القدرات، فإن ذلك يعني أن طهران تحاول تعويض الخسائر العسكرية التي تعرضت لها، وتحويل التكنولوجيا الصاروخية والمسيّرات إلى عنصر أساسي في استراتيجية الردع والهجوم.
حرب النفوذ الدولية وإيران ساحة لها
لا يمكن فصل التطور العسكري الإيراني عن التنافس التكنولوجي الدولي، إذ إن امتلاك القدرة على إنتاج الصواريخ الدقيقة والمسيّرات والحرب الإلكترونية والأنظمة الاستخباراتية أصبح جزءاً من مفهوم القوة الحديثة. ولم تعد القوة العسكرية تقاس فقط بعدد الجنود والطائرات والدبابات، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بالقدرة على إنتاج التكنولوجيا العسكرية، والحصول على المكونات الإلكترونية، وتطوير أنظمة الاستهداف والمعلومات والاستطلاع.
غير أن الانتقال من سياسة الرد إلى الضربة الاستباقية يحمل مخاطر كبيرة على إيران نفسها. فالضربة الاستباقية قد تمنحها قدرة على تحقيق عنصر المفاجأة، لكنها في الوقت ذاته قد توفر للولايات المتحدة مبرراً لتوسيع عملياتها العسكرية، وقد تؤدي إلى انخراط حلفاء واشنطن في مواجهة مباشرة. كما أن استهداف دول تستضيف قوات أميركية يمكن أن يحول الصراع من مواجهة ثنائية إلى أزمة إقليمية تشمل دول الخليج والعراق واليمن ولبنان وغيرها.
إيران ومحاولة تحقيق توازن الرعب
تبدو المعادلة الإيرانية الحالية قائمة على محاولة تحقيق توازن بين الدبلوماسية والقوة. فطهران لا تغلق باب التفاوض بصورة كاملة، لكنها في الوقت نفسه تستعد لاحتمال انهياره. وهذا ما يجعل المفاوضات المرتبطة بمضيق هرمز ذات أهمية استثنائية، خصوصاً أن الاتفاق الأميركي–الإيراني الأصلي نص على تعاون إيران مع عُمان بشأن إدارة الملاحة والخدمات البحرية في المضيق وفق القانون الدولي وحقوق الدول الساحلية.
وبذلك، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد استمراراً لما يمكن وصفه بـالدبلوماسية تحت ضغط القوة؛ إذ تحاول كل من واشنطن وطهران تحسين موقعها التفاوضي من خلال إظهار قدرتها على التصعيد. فالولايات المتحدة تستخدم العقوبات والضغط العسكري والبحري، بينما تحاول إيران الاعتماد على الصواريخ والمسيّرات والشبكات الإقليمية والقدرة على التأثير في الممرات البحرية.
استراتيجية الردع المتبادل
أن الخطر الحقيقي هنا أن تتحول هذه الاستراتيجية من ردع متبادل إلى سوء تقدير متبادل؛ فقد تعتبر إيران أن الضربة الاستباقية وسيلة لمنع هجوم أميركي جديد، بينما قد ترى واشنطن فيها عملاً عدائياً يستوجب رداً واسعاً. وعندها يمكن أن تدخل المنطقة في دائرة تصعيد يصعب التحكم بمسارها.
وبالنهاية، فإن السؤال الأساسي لم يعد فقط: هل تستطيع إيران تطوير استراتيجية هجومية جديدة؟ بل أصبح: هل تستطيع طهران وواشنطن استخدام القوة كأداة ردع من دون تحويلها إلى شرارة لحرب إقليمية واسعة؟ وهذه هي المعضلة الأساسية التي تواجه الدبلوماسية في الشرق الأوسط اليوم، حيث أصبحت القوة العسكرية والتكنولوجيا والممرات البحرية والمفاوضات السياسية عناصر مترابطة في صياغة النظام الإقليمي الجديد.


