جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. بشير عصمت مدونة الكاتب، د : عصمت بشير
حين بدت إيران كأنها تقبل منطق وقف النار في الإقليم، ثم تُبقي الإمارات وحدها في دائرة التهديد والرسائل النارية، لم يكن الأمر تفصيلًا عسكريًا عابرًا، ولا نزوة انتقامية في لحظة غضب. كان ذلك، في عمقه، إعلانًا غير مكتوب عن موقع الإمارات في العقل الاستراتيجي الإيراني: دولة لا تُنظر إليها كجار خليجي فحسب، بل كجائزة كبرى، وكعقدة مال وموانئ وطيران وأسواق وثقة دولية، وكضفة مقابلة لنموذج لا تحتمله أنظمة الملالي، لأنها ترى فيه نقيضًا صامتًا لها: دولة عمل، وانفتاح، وتعدد ديني واجتماعي، ورؤية مستقبلية، وثروة تتحول إلى مؤسسات ومشاريع ومدن لا إلى شعارات موت وحروب بالوكالة.
في الأيام الأخيرة، أعلنت الإمارات أن دفاعاتها الجوية تعاملت مع هجمات صاروخية ومسيّرة، وقيّدت بعض مسارات الطيران، فيما نفت إيران استهداف الإمارات، لكنها في الوقت نفسه حذّرت من ردّ قاسٍ إذا انطلقت عمليات ضدها من الأراضي الإماراتية. هذا التناقض بين النفي والتهديد هو جوهر السلوك الإيراني: لا تريد طهران دائمًا أن تعلن الحرب، لكنها تريد أن تُبقي الخوف قائمًا؛ لا تريد أن تتحمّل كلفة الاعتراف بالفعل، لكنها تريد أن تستفيد من أثره السياسي والنفسي.
وشأن الإمارات مع إيران، من زاوية الضغط الوجودي لا من زاوية البنية الداخلية، يشبه شأن لبنان مع إسرائيل. لبنان موعود دائمًا، كلما ارتفع التوتر، بأن يُعاد إلى “العصر الحجري”، لا لأن إسرائيل تكره جسرًا أو مطارًا أو محطة كهرباء فقط، بل لأنها تعرف أن تدمير البنى التحتية في لبنان هو تدمير لفكرة البلد نفسه: بلد التعدد، والعيش الواحد، وحرية المعتقد، والمدينة المفتوحة، والاختلاط الذي لا تقوى عليه خرائط الفصل. والأخطر أن لبنان لا يُهدَّد دائمًا بدم يأتيه من الخارج فقط، بل بدم يسيل بيد لبناني على لبناني آخر، حين يتحول العدوان إلى فتنة، والخلاف السياسي إلى اقتتال، والتنوع إلى لعنة بدل أن يكون نعمة.
الإمارات لا تشبه لبنان. هذه نقطة يجب أن تُقال بوضوح. الإمارات دولة مركزية، منظمة، ذات قرار موحّد، قامت على العمل والإدارة والازدهار وجذب العالم. أما لبنان فهو بلد جماعات أصلية متداخلة، طوائف وأديان ومذاهب وذاكرات، يقوم على توازن بالغ الحساسية بين الحرية والاختلاف والعيش المشترك. لكنهما يلتقيان في شيء واحد: كلاهما، حين ينجح، يزعج مشروع القوة المغلقة. لبنان يزعج إسرائيل حين يبقى بلدًا عربيًا تعدديًا على حدودها. والإمارات تزعج إيران حين تثبت أن دولة خليجية يمكن أن تكون غنية، مستقرة، حديثة، مفتوحة، ومتجهة نحو المستقبل، من دون أن تطلب إذنًا من طهران.
هنا تبدأ المطامع الإيرانية الحقيقية. ليست الجزر الثلاث وحدها، وإن كانت الجزر عنوان الجرح السيادي الأكبر. فقد سيطرت إيران على أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1971، قبل قيام دولة الإمارات بيومين، وما زالت الإمارات تعتبرها جزرًا محتلة وتطالب بحل النزاع عبر التفاوض أو التحكيم الدولي، بينما ترفض طهران ذلك وتعدّها جزءًا من أراضيها. هذه الجزر ليست حجارة في البحر؛ إنها مفاتيح نظر وسيطرة ورسائل عند مدخل الخليج، قرب واحد من أخطر شرايين الطاقة في العالم.
لكن من يظن أن إيران تريد الجزر فقط لا يفهم إيران. الجزر بالنسبة إلى طهران موطئ قدم في البحر، أما الهدف الأعمق فهو أن تكون الإمارات نفسها مضطرة إلى احتساب إيران في كل قرار كبير: في أمنها، في تحالفاتها، في موانئها، في تجارتها، في علاقاتها مع واشنطن، في انفتاحها على إسرائيل، وفي موقعها كقلب مالي وتجاري للمنطقة. إيران لا تحتاج إلى احتلال الإمارات كي تكسب. يكفيها أن تجعل أمن الإمارات ملفًا تفاوضيًا. يكفيها أن تقول: لا نفط آمن، لا موانئ آمنة، لا طيران آمن، لا استثمار آمن، إذا تحولت أبوظبي إلى شريك في تطويق إيران.
ثروة الإمارات تسيل لعاب إيران، لكن ليس بمعنى المال الخام فقط. إيران لا تنظر إلى الأبراج والودائع والأسواق كما ينظر الفقير إلى مال الغني. المسألة أعمق: الإمارات تملك ما تحتاجه إيران ولا تملكه. تملك الثقة. تملك القدرة على جذب العالم. تملك الميناء الذي يتحول إلى عقدة، والمطار الذي يتحول إلى شبكة، والمدينة التي تتحول إلى منصة عالمية، والقرار الذي يرى المستقبل بوصفه مشروعًا لا شعارًا. إيران تملك الجغرافيا الصلبة، والتهديد، والمضائق، والصواريخ، ووكلاء النفوذ. الإمارات تملك ما هو أخطر على مشروع الملالي: صورة الدولة الناجحة.
ولهذا فإن العلاقة بين البلدين تبدو دائمًا مزدوجة: تجارة من جهة، وخصومة استراتيجية من جهة أخرى. الإمارات كانت ولا تزال من أهم شركاء إيران التجاريين، وقد تحدثت مصادر اقتصادية في 2024 عن تبادل تجاري بلغ نحو 27 مليار دولار، مع أهداف لرفعه إلى 30 مليارًا. هذا الرقم يكشف أن إيران لا تريد قطع الإمارات، بل تريد استخدامها والاستفادة منها والضغط عليها في الوقت نفسه. تريد السوق الإماراتية ولا تريد القرار الإماراتي. تريد المرافئ ولا تريد السيادة. تريد التجارة ولا تريد أن تتحول هذه التجارة إلى قوة سياسية مستقلة عن إرادتها.
وهنا يظهر جوهر الصراع: الإمارات ليست فقط دولة غنية. إنها أفق متقدم في منطقة تعبت من الحروب. هناك رؤى لأصحاب القرار جعلت من الدولة الصغيرة جغرافيًا لاعبًا واسع التأثير: في الاقتصاد، والتكنولوجيا، والطاقة، واللوجستيات، والسياحة، والاستثمار، والدبلوماسية. وهذا بالضبط ما لا تحتمله أنظمة أيديولوجية مغلقة. فهي لا تخاف من السلاح وحده، بل تخاف من النموذج. تخاف من دولة تقول لشعوب المنطقة إن الممكن ليس الموت على الجبهات، بل العمل والبناء والإدارة والجامعة والمطار والمتحف والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والمدينة الآمنة.
أما التنوع الديني والاجتماعي في الإمارات، فهو بدوره رسالة مضادة لمنطق الملالي. صحيح أن الإمارات ليست لبنان في معنى التعدد السياسي والطائفي التاريخي، لكنها تضم أقوامًا وشعوبًا وديانات وثقافات تعيش وتعمل وتعبد وتتحرك ضمن دولة واحدة. هذا المشهد، بحد ذاته، نقيض لعقل أيديولوجي يريد للناس أن يعيشوا تحت وصاية العقيدة السياسية الواحدة. أن ترى كنيسة ومعبدًا ومسجدًا ومرفأً ومركز أعمال في فضاء واحد، فهذا ليس تفصيلًا سياحيًا؛ إنه إعلان أن الدولة يمكن أن تُدار بالعمل لا بالتعبئة، وبالقانون لا بالهتاف، وبالمصلحة لا بالموت المقدس.
إيران، في المقابل، تريد أن تعيد كل شيء إلى منطق الجغرافيا القاسية: أنتم قربنا، إذن أنتم تحت حسابنا. أنتم على البحر، إذن البحر ليس لكم وحدكم. أنتم أغنياء، إذن ثروتكم لا تحميكم. أنتم منفتحون على الغرب، إذن أنتم هدف. أنتم تبنون مستقبلًا، إذن سنذكّركم بأن الماضي المسلح قادر على طرق أبوابكم. هذه هي الرسالة الإيرانية العميقة: لا دولة حديثة في الخليج تستطيع أن تكمل صعودها إذا لم تعترف بأن طهران شريك إجباري في أمنها.
لكن هذا الطموح هو أيضًا نقطة ضعف إيران. فهي كلما ضغطت على الإمارات كشفت خوفها من النموذج الإماراتي. وكلما لوّحت بالبحر والجزر والصواريخ، أكدت أنها لا تملك ما تملكه الإمارات: القدرة على صناعة الأمل. إيران تستطيع أن تهدد الممرات، لكنها لا تستطيع أن تبني دبي. تستطيع أن تُقلق المستثمر، لكنها لا تستطيع أن تنتج الثقة. تستطيع أن ترفع كلفة التأمين البحري، لكنها لا تستطيع أن تجعل العالم يحلم بالإقامة والعمل تحت حكم الملالي.
لذلك، فإن أخطر ما تريده إيران ليس احتلالًا مباشرًا ولا حربًا شاملة. الأخطر هو تحويل الإمارات إلى دولة تحسب مستقبلها على إيقاع الخوف الإيراني. أن تصبح كل شراكة أمنية سؤالًا: ماذا ستفعل طهران؟ وكل مشروع مرفئي سؤالًا: هل تُغضب إيران؟ وكل انفتاح على الغرب سؤالًا: هل يكلّفنا ذلك صواريخ ومسيّرات؟ فإذا وصلت الإمارات إلى هذه النقطة، تكون إيران قد ربحت من دون أن تحتل. تكون قد عبرت إلى داخل القرار، وهذا هو المكسب الاستراتيجي والتاريخي الحقيقي.
لكن الإمارات، إذا ثبتت، تستطيع أن تقلب المعادلة كلها. تستطيع أن تقول إن الجغرافيا لا تعني الخضوع، وإن الثروة لا يجب أن تتحول إلى رهينة، وإن الدولة الحديثة لا تعتذر عن نجاحها أمام دولة فاشلة في صناعة الازدهار. تستطيع أن تقول إن أمن الخليج لا يُبنى بالخوف من إيران، ولا بالاستسلام لها، بل بتوازن واضح: انفتاح حين يكون الانفتاح ممكنًا، وردع حين يصبح الردع ضروريًا، وسيادة لا تُقايَض لا بالجزر ولا بالتجارة ولا بالتهديد.
الخلاصة أن إيران لا ترى الإمارات دولة مجاورة فقط. تراها ثروة وميناءً ونموذجًا وأفقًا ومنافسًا حضاريًا. تراها دولة خرجت من الرمل إلى المستقبل، فيما بقيت هي، رغم تاريخها ومواردها وشعبها العظيم، سجينة نظام يحوّل الجغرافيا إلى سجن، والدين إلى سلطة، والثروة إلى عقوبة. لذلك تريد طهران أن تُبقي الإمارات تحت ظلها، لا لأنها تكره الإمارات وحدها، بل لأنها تخاف مما تمثله الإمارات: أن هناك طريقًا آخر في الشرق، طريقًا لا يبدأ بالميليشيا ولا ينتهي بالعقوبات، بل يبدأ بالدولة والعمل والرؤية، وينتهي ببلد يحجز مكانه في العالم.


